تعتمد الكائنات الحية في عملية بناء أجسامها على عناصر طبيعية مثل الأكسجين والهيدروجين والكربون والفسفور والنيتروجين، تمثل نقطة ارتباط بين مكونات النظام البيئي الحية (الكائنات الحيّة باختلاف أنواعها) ومكونات النظام البيئي غير الحية (ومنها التُّربة، والمناخ، ودرجة الحموضة، ودرجة الملوحة).

وتحصل الكائنات الحية على تلك العناصر الطبيعية بواسطة السلسلة الغذائية؛ إذ تبدأ النباتات بامتصاصها من التربة أو المياه أو الهواء من خلال ما يُعرف بـ"الدورات البيوجيوكيميائية"، خاصةً أن غالبية هذه العناصر ذات منشأ أرضي، وتتعرض لعمليات كيمياوية ثم تدخل أجسام الكائنات الحية مكونةً جسم الكائن الحي.

ووفق دراسة أعدها فريق من الباحثين في معمل "كراوثر" في زيوريخ، فإن كوكب الأرض يتميز عن سائر كواكب المجموعة الشمسية بالحياة، ما يجعل فهم الدورات البيوجيوكيميائية الحالية والمستقبلية أمرًا أساسيًّا في التنبؤ بالتغير المناخي وإدراك مسبباته.

اعتمد الباحثون في دراستهم على البيانات التي توفرها مبادرة "التنوع الحيوي للغابات على مستوى العالم" (Global Forest Biodiversity Initiative)، وهي مبادرة دولية تضم باحثين مهتمين بأوضاع الغابات على مستوى العالم، وتتيح معلومات وصورًا ملتقطة بالأقمار الصناعية لأكثر من 1.2 مليون موقعًا عالميًّا عن الغابات حول العالم؛ بهدف التعرُّف على النظام العالمي للغابات.

كما استعانوا بقاعدة بيانات تتيحها "مبادرة التنوع الحيوي للتربة" (Global Soil Biodiversity Initiative)، تضم عشرات الآلاف من عينات التربة التي توضح تنوع الكائنات الدقيقة بالتربة، وتوفر معلومات حول مليارات السلالات التي تعيش تحت الأرض، والتي تحدد خصوبة التربة وتكوين الغلاف الجوي وطبيعة المناخ، وفق الدراسة.

وحذرت الدراسة من أن "ارتفاع درجة حرارة التربة يزيد انبعاثات الكربون، وخاصةً في المناطق المرتفعة القطبية وشبه القطبية، وأن ارتفاع درجة حرارة الأرض سيؤدي إلى خسارة الطبقة العلوية من التربة لنحو 55 جيجاطن من الكربون بحلول عام 2050".

من جهته، يقول "توماس كراوثر" -أستاذ علم الأنظمة البيئية المساعد بالمعهد الفدرالي للتكنولوجيا في زيوريخ، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن جميع دراسات التغير المناخي على الطبيعة لم تجد أي دليل على تأثير مستدام لثاني أكسيد الكربون على نمو الأشجار، ولكن المؤكد أن التربة تفقد الكربون بمعدل مثير للقلق، ومع ارتفاع درجة الحرارة في المناطق القطبية وشبه القطبية، تتنفس الكائنات في التربة أكثر، مما يُطلق 1.5 جيجاطن إضافيًّا من الكربون سنويًّا، ويترتب على ذلك تسريع معدل التغير المناخي بنسبة تتراوح بين 12 و17%. ولهذا فإن حماية التربة في العالم من خلال استعادة النباتات في المناطق المتدهورة تعتبر أفضل إستراتيجية لإبطاء مخاطر التغير المناخي".

يقول "كراوثر": يمكن استعادة الخضرة من خلال السماح للأنظمة البيئية بأن تتعافى بشكل طبيعي من خلال استعادة مستوياتها الطبيعية من التنوع الحيوي، ولكن في التربة شديدة التدهور، قد يقتضى الأمر زرع أشجار أو زرع محاصيل بعينها لحماية التربة وإعادة هيكلتها. وبمجرد أن تبدأ النباتات في تشكيل تربة صحية، يتسارع معدل تراكم الكربون في الأنظمة.