يقول العالِم الكبير كارل ساجان: "نحن من غُبار النجوم"، في حين يقول عالم الفيزياء الفلكية "نيل دي جراس تايسون": إننا بشكلٍ ما نرتبط بالكون، ربما تكون تلك العبارات صحيحة بشكل لا يُمكن توقعه، فوفق دراستين نشرتهما مؤخرًا دوريتا "ساينس أدفانسس" و"وقائع الأكاديمية الأمريكية للعلوم"، يبدو أن المادة الكيميائية الضرورية لبدء الحياة أتت -بشكلها وتركيبها- من الفضاء بشكل مباشر.

وجدت الدراسة الأولى، التي قادتها الباحثة "جاكي لي" أن معظم الكربون الموجود على الأرض من المحتمل أن يكون قد تم توصيله من الوسط النجمي، أي المادة الموجودة في الفضاء بين النجوم في المجرة.

وتقول الدراسة إنه من المحتمل أن يكون هذا قد حدث بعد وقت طويل من تكوين اللب الأولي المعروف باسم القرص الكوكبي، وهو عبارة عن غازات كثيفة معظمها من الهيدروجين وتحوي غبارًا كثيفًا، وكانت تدور حول شمسنا الفتية، واحتوت على اللبنات الأساسية للكواكب.

من المحتمل أيضًا أن الكربون تم عزله إلى مواد صلبة في غضون مليون سنة من ولادة الشمس، مما يعني أن الكربون -العمود الفقري للحياة على الأرض- قطع رحلة طويلة من الوسط البينجمي إلى كوكبنا الأزرق.

في السابق، اعتقد الباحثون أن الكربون الموجود في الأرض جاء من جزيئات كانت موجودةً في البداية في السديم، وهي الكتل السحابية المحتوية على الهيدروجين والهيليوم، والتي انبثق منها كل الأجرام السماوية، تكثفت تلك الكتل بعد ذلك مُشكِّلةً كوكبنا الصخري حين بردت الغازات وترسبت الجزيئات.

تشير الدراسة إلى خطأ ذلك الاعتقاد؛ فحين يتبخر الكربون لا يُمكن أن يتكثف مرةً أخرى في مادة صلبة.

وعلى الرغم من أن العلماء استخدموا نموذج التكثيف على نطاق واسع منذ عقود، والذي يفترض أنه في أثناء تكوين الشمس تبخرت جميع عناصر الكوكب، ثم تكثفت بعض الغازات ووفرت المكونات الكيميائية للأجسام الصلبة، لكن ذلك لا يُمكن أن يكون قد حدث للعنصر الأهم.. الكربون.

فحين يتبخر الكربون، يتطاير في الهواء ويحتاج إلى درجات حرارة منخفضة للغاية للتكثيف، وحين يتكثف -بفرض وجود درجة الحرارة- لا يُمكن بأي شكل من الأشكال أن يتحول إلى شكل عضوي، أي لا يُمكن أن يرتبط بجزيئات الهيدروجين لتكوين المركبات العضوية، لذا استنتجت "لي" أن معظم كربون الأرض من المحتمل أن يكون قادمًا مباشرةً من الوسط البينجمي.

لفهم كيفية وجود الكربون في كوكب الأرض، قدر الباحثون الحد الأقصى من الكربون الذي يمكن أن تحتويه الأرض، لفعل ذلك، رصدت "لي" سرعة انتقال الموجات الزلزالية التي تحدث في باطن الأرض.

حين تحدث الزلازل، تتغلغل موجات تُسمى بـ"موجات الجسم" Body Waves عبر طبقات الأرض الداخلية، وبقياس سرعة تلك الموجات -التي تتعدى سرعة الصوت- يُمكن معرفة كثافة الوسط الذي تنتقل فيه الموجة، وبمعرفة الكثافة ومقارنتها بكثافة المواد المختلفة، يُمكن أن نعرف على وجه الدقة كمية المواد المكونة للأرض وطبيعتها.

بإجراء تلك العملية، قدر الباحثون كمية الكربون بأقل من نصف في المئة من كتلة الأرض، ويُمكن أن تخبرنا نسبة الكربون الذي قد تحتويه الأرض بمعلومات حول الوقت الذي تكوَّن فيه الكربون.

يجب أن يوجد الكربون بالنسب الصحيحة لدعم الحياة كما نعرفها، الكثير من الكربون، والغلاف الجوي للأرض يشبه كوكب الزهرة، حيث يحبس الحرارة من الشمس ويحافظ على درجة حرارة تبلغ حوالي 441 درجة مئوية، وعلى الرغم من ذلك يوجد القليل جدًّا من الكربون في كوكب الزهرة، هذا دليل إضافي على أن الغلاف الجوي -الذي يفترض أن تتم داخله عملية تبخُّر الكربون وتكثفه- لا يُمكن أن يكون سببًا لتكوُّن الكربون من الأساس.

في الدراسة الثانية -المنشورة في دورية وقائع الأكاديمية الأمريكية للعلوم- وأجرتها المجموعة نفسها من المؤلفين، نظر الباحثون في كيفية معالجة الكربون عندما كانت الكواكب الصغيرة في مراحل تكوينها المبكرة، من خلال فحص النوى المعدنية لهذه الأجسام، المحفوظة الآن كنيازك حديدية، وجد الباحثون أنه خلال هذه الخطوة الرئيسية لتكوُّن الكواكب يجب فقد الكثير من الكربون في أثناء تكوين نواة الكوكب، وبالتالي لا يُمكن أن يتشكل الكربون في أثناء عملية تشكُّل الكواكب.

يقول الباحثون إن الدراستين تصفان جانبين مختلفين من فقدان الكربون، وتقترحان أن فقدان الكربون يبدو أنه جانب مركزي في بناء الأرض باعتبارها كوكبًا صالحًا للسكنى.

تُشير "لي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن الكربون "عنصر أساسي للحياة على الأرض"، إلا أنه "صُنع في نجوم أخرى، وسُلّم إلى الأرض في شكل مركبات عضوية".

وتؤكد "لي" أن كوكب الأرض "فقير كربونيًّا"؛ إذ "فقد قدرته على بناء هذا العنصر في أثناء عملية التبخر من جَرَّاء تسخين جزيئات الغبار بواسطة الشمس"، مشيرةً إلى أن مركبات الكربون الأرضية "جزءٌ من السديم الأصلي الذي شكل نظامنا الشمسي".

في وقت ما -والكلام لا يزال لـ"لي"- كانت المركبات الأرضية غنية بالكربون، إلا أن الشمس "دمرت تلك المركبات الغنية في التاريخ المبكر، وبعد حوالي مليون سنة فقط من تشكُّل الأرض".

عمل الفريق على تلك الدراسة -ضمن دراسات أخرى لتتبُّع أصل العناصر الأساسية للحياة- ما يقرب من عقد كامل من الزمان، وتأمل "ليّ" أن تُشكل النتائج لبنةً في جدار محاولات الإجابة عن التساؤل الأهم.. مَن نحن؟ ومن أين جئنا؟