تزخر الجينومات النباتية والحيوانية ببقايا فيروسات دمجت نفسها داخل الحمض النووي لهذه النباتات والحيوانات قبل مئات الملايين من السنين. معظم هذه البقايا الفيروسية خامل، غير أن أحدث الأبحاث تُشير إلى أن بعضها تطوَّر وتحوَّل إلى جيناتٍ تساعد الخلايا على التواصل.

تشير ورقتان بحثيتان نُشرتا بدورية "سيل"، في الحادي عشر من يناير، إلى أن البروتين الذي يُشَفِّره أحد تلك الجينات يستخدم بنيته الشبيهة ببنية الفيروس في نقل المعلومات بين الخلايا، وهو شكل جديد من أشكال الاتصال الخلوي ربما يكون ضروريًّا لتكوين الذاكرة طويلة الأمد وتأدية الوظائف العصبية الأخرى.

صادف فريقان بحثيان هذه الظاهرة على نحو مستقل في أثناء دراستهما للحويصلات الخلويَّة الخارجيَّة، وهي أجزاءٌ من الغشاء الخلوي، تتمدد على شكل فقاعة ثم تنفصل عنه وتطفو بعيدًا عن الخلية، وتطوف هذه الحويصلات في جميع أنحاء الجسم، غير أنه لا يُعرَف عن وظيفتها سوى القليل.

قاد عالِم الأعصاب جيسون شيبرد -من جامعة يوتا بمدينة "سولت ليك"- الفريق الأول، فيما قادت اختصاصية الأحياء الخلوية فيفيان بودنيك من كلية الطب بجامعة ماساتشوستس بمدينة ورسستر الفريق الثاني، ودرس الفريقان الظاهرة لدى الفئران وذبابة الفاكهة السوداء البطن (Drosophila melanogaster) على التوالي.

أغلفة واقية

اكتشف الباحثون أن عددًا كبيرًا من الحويصلات الخلويَّة الخارجيَّة التي تفرزها العصبونات تحوي جينًا يسمى Arc، يساعد العصبونات على بناء وصلات بين بعضها وبعض. وقد تبيَّن أن الفئران التي جرت هندستها وراثيًّا، بحيث تفتقر إلى جين Arc، تواجه مشكلاتٍ في تكوين الذاكرة طويلة الأمد، كما تعاني من العديد من الاضطرابات العصبية البشرية المرتبطة بهذا الجين.

عندما حلل شيبرد وبودنيك التسلسلات الجينية لنسخ الجين Arc في الفئران والذباب، وجدا أنها مشابهة للتسلسل الخاص بالجين الفيروسي المسمى Gag. تستخدم الفيروسات القهقرية -مثل فيروس نقص المناعة البشرية- البروتين Gag في تجميع أغلفة واقية تُدعى القفيصات، التي تنقل بدورها المادة الوراثية للفيروس بين الخلايا في أثناء العدوى.

عندما فحص الباحثون البروتين Arc باستخدام مجهر عالي الدقة، اكتشفوا أنه شكَّل قفيصة مماثلة، وأنه حمل التعليمات الوراثية، أو الرنا المرسال (mRNA)، التي تشفِّر البروتين Arc. بعد ذلك التحفت القفيصة بجزء من الغشاء الخلوي وانفصلت عنه في صورة حويصلة خارج الخلية.

لم تُرصَد أي بروتينات غير فيروسية وهي تشكِّل قفيصات وتنقل الرنا المرسال بين الخلايا. ويقول كلايف برامهام - عالِم الأعصاب بجامعة بيرجن في النرويج-: "إنه اكتشاف غير مسبوق".

تكوين وصلات

في الذباب، اكتشف فريق "بودنيك" أن العصبونات الحركية –التي تتصل بالخلايا العضلية وتخبرها متى تنقبض– أنتجت حويصلات تحتوي على الجين Arc. وبمجرد وصول الحويصلات إلى الخلايا العضلية، اندمجت مع أغلفة هذه الخلايا مُفرزةً البروتين Arc والرنا المرسال. ولم يتضح بعد ماذا تفعل الخلية العضلية بالبروتين والرنا المرسال، بيد أن "بودنيك" وجدت أن الذباب الذي يفتقر إلى الجين كوَّن عددًا أقل من الوصلات بين العصبونات والعضلات.

عثر فريق شيبرد على ظاهرة مشابهة في العصبونات المأخوذة من أدمغة فئران. فالعصبونات التي امتصت الحويصلات الخلويِّة الخارجيِّة الصادرة عن عصبونات أخرى، تبدأ في استخدام الرنا المرسال الذي يُشَفِّر البروتين Arc كي تنتجه بمجرد تحفيزها لإطلاق الإشارات.

يعتقد شيبرد وبودكين أن الحويصلات التي تحتوي على الجين Arc تؤدي دورًا في مساعدة العصبونات على تكوين الوصلات وقطعها مع مرور الوقت، وذلك خلال نمو الجهاز العصبي للحيوان أو تكيُّفه مع بيئة أو ذكرى جديدتين. ورغم أن نسختي الجين Arc متماثلتان في الذباب والفئران، يبدو أنهما تطورا من نوعين مختلفين من الفيروسات القهقرية التي دخلت جينوم كلٍّ منهما في أوقات مختلفة. تقول بودنك: "لا بد أن هناك شيئًا جوهريًّا بالفعل حول هذا الأمر لكي يظهر في كلٍّ من الفئران والذباب".

التطلع إلى المزيد

يشعر الباحثون الذين يدرسون الحويصلات الخلويِّة الخارجيِّة بالحماس بسبب النتائج، مع العلم بأنهم ما زالوا لا يعلمون سوى القليل عن وظائفها داخل الجسم. ويقول كينيث ويتوير، عالِم الأحياء الجزيئية بجامعة جون هوبكنز في بلتيمور بولاية ميريلاند، الذي يدرس كيفية تفاعل فيروس نقص المناعة البشرية مع الحويصلات الخلوية الخارجية: "إن هذا يبدو شيئًا جديدًا".

وتقول إيفون كوتش، عالِمة الأحياء التي تدرس الحويصلات الخلوية الخارجية بجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة: "يكاد هذا الأمر يثير أسئلةً أكثر مما يجيب عنها".

تتساءل "كوتش" عما يحفز العصبونات لكي تنتج حويصلات خلوية خارجية، وعن المواد الأخرى التي ربما يجري نقلها بين الخلايا المتجاورة.