بين كوكبي المريخ والمشتري، يوجد فاصل ضخم حيّر العلماء قرونًا عديدة، إلى أن لاحظ الفلكي الإيطالي، جوزيبه بيازي، في عام 1801، عبر تلسكوبه، نقطة ضوء تتحرك بين النجوم، أشارت حساباته الفلكية إلى أنها لجرم يوجد في هذا الفاصل الغامض أُطلق عليه "سيريس" Ceres، لنكتشف فيما بعد أن هناك المليارات من الأجرام تدور في هذه المنطقة التي سُميت "حزام الكويكبات"، لكن سيريس تحديدًا ظل أهمها على الاطلاق.

يقول عصام حجي، الباحث بقسم الهندسة الكهربية والحاسوبية بجامعة جنوب كاليفورنيا ومختبر الدفع النفاث التابع لوكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا): "حجم سيريس يساوي ثلث حجم القمر، بقطر 945 كيلومترًا، ما يجعله أكبر أجرام حزام الكويكبات، وهو كبير الحجم لدرجة أنه يحتوي على ثلث كتلة كل أجرام هذا الحزام تقريبًا".

Credit: Essam Heggy عصام حجي، الباحث بقسم الهندسة الكهربية والحاسوبية بجامعة جنوب كاليفورنيا ومختبر الدفع النفاث التابع لوكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا)

ويصنف سيريس أيضًا على أنه "الكوكب القزم" Dwarf Planet، إذ يُعطَى هذا التصنيف للجرم الذي لا يُعد قمرًا، أي لا يدور حول كوكبٍ ما (مثل قمر الأرض)، ويكون تكوينه على شكل كروي، لكنه لا يتمكن -مثل الكواكب العادية- من مسح محيطه وتنظيفه من الأجرام الصغيرة، كان بلوتو كذلك قد أُعيد تصنيفه في عام 2006، من تصنيف "كوكب" إلى تصنيف "كوكب قزم".

ملك الأقزام

"فهم المياه على كوكب الأرض يساعدنا على فهم التغيرات المناخية التى تجتاح كوكبنا الآن وتنذر بالمزيد في السنوات القريبة القادمة، أما فهم المياه على المريخ فيرينا كيف أنه كانت هناك حقبات مناخية شبيهة بما يحدث على الأرض، فالماء هو القاسم المشترك بين الكوكبين، والمريخ بمنزلة شباك مفتوح على مستقبل الأرض"، كما يقول "حجي" في حديثه مع "للعلم".

البحث عن الطبيعة المائية للكوكب القزم سيريس الذي لديه عددٌ من المزايا التي تجعله أفضل المؤهلين لتلك المهمة، كان موضوع دراسة مثيرة نُشرت في دورية ذا بلانيتاري ساينس جورنال The Planetary Science Journal التابعة للجمعية الفلكية الأمريكية، عكف عليها "حجي" وفريقه البحثي الذي يضم أيضًا الباحثة الرئيسية في الدراسة، إليزابيث بالمر، طالبة الدكتوراة بالمعمل ذاته الذي يعمل به "حجي" في جامعة جنوب كاليفورنيا، بالإضافة إلى باحثين آخرين من معامل فيرنل، في جامعة إكس مارسيليا الفرنسية.

يشير "حجي" إلى أن البحث عن المياه في حزام الكويكبات له أهمية إضافية، إذ إن هذه الأجرام تتحرك عبر المجموعة الشمسية، فيمكن لسيريس أو أي كويكب آخر أن يخرج من الحزام عن طريق التصادم العشوائي بالكويكبات الأخرى ويندفع إلى المناطق الداخلية للمجموعة الشمسية، حينما يرتطم جرمٌ كهذا بالأرض فإنه قد يحمل إليها ضمن ما يحمل من الماء والجليد، وقد يغير ذلك من كوكب الأرض ويحوله من مكانٍ ميت إلى مكانٍ يمكن أن تتوافر له الظروف الأساسية لوجود الحياة.

يضيف محمد رامي المعري -الأستاذ المشارك في علوم الفضاء ومدير مركز الفضاء وعلوم الكواكب بجامعة خليفة في الإمارات العربية المتحدة، غير مشارك بالدراسة- في تصريحه لـ"للعلم": "تحليل البيانات التي جاءت من مهمة المسبار الفضائي "داون" Dawn التي زارت سيريس وفيستا (ثاني كويكب من حيث الكتلة يُكتشف في حزام الكويكبات)، أظهرَ أن سيريس مختلفٌ تمامًا عن رفاقه في حزام الكويكبات، إذ هناك دلائل سطحية وكيميائية تشير إلى أنه يحتوي على كميات كبيرة من الماء في حالة جليدية".

وكانت "ناسا" قد أطلقت المسبار الفضائي "داون" في سبتمبر عام 2007 في مهمة لدراسة "فيستا وسيريس"، لكنه الآن خارج الخدمة، ويدور حاليًّا في مدار حول هدفه الثاني الكوكب القزم سيريس، ولكنه غير مُسيطَر عليه منذ 1 نوفمبر من عام 2018.

Credit: Public Domain صورة مُتَخَيَّلة للمركبة داون (الفجر) مع فيستا (على اليسار) و سيريس (على اليمين)

مسام سيريس

في الدراسة الجديدة، يبحث الفريق تحديدًا في إحدى الخصائص المهمة للأجرام السماوية، وهي خاصية "المسامية" Porosity، التي تعني قدرة الأسطح على تخزين الماء، كلما ازدادت هذه القدرة ازدادت قدرة أجرام مثل سيريس على الاحتفاظ بالماء على سطحها، فعادةً ما يأتي الماء إلى هذه الكويكبات من خلال سقوط مذنبات غنية بالثلوج على سطحها، أو نتيجة عملية انصهار بركاني في أثناء نشأة الجرم نفسه، يضرب "حجي" في تلك النقطة مثلًا بقطعة الإسفنج، كلما ازدادت مساميتها ازدادت قدرتها على الاحتفاظ بالماء.

للتوصل إلى درجة المسامية الخاصة بسيريس، أعاد "حجي" وفريقه تحليل بيانات سابقة حصل عليها المرصد الراداري الأمريكي الموجود في بورتوريكو "أريسيبو" Arecibo، قبل أن يتوقف عن العمل في 2020، ثم عملوا على مقارنة هذه البيانات بنموذج مجسم لسطح سيريس في بيئة مُتحكم بها، تمكن الفريق الفرنسي -والذي ضم الباحثين بيير سوبارو وتيبو ليترترية- من بنائه اعتمادًا على بيانات السطح التي حصلت عليها مهمات سابقة مثل "داون".

في حديثه مع "للعلم" يقول "حجي": "تم إشباع هذا المجسم المصغر لسطح سيريس بدرجات متنوعة من الجليد، ثم قيست خواصه الكهربية والرادارية، ثم قورنت تلك النتائج بنتائج مرصد أريسيبو، وبذلك تمكنَّا من التوصل إلى مسامية سطح سيريس"، ويضيف: "وظهر أن سيريس من أكثر الأجرام مساميةً في المجموعة الشمسية، وبالتالي أكثرها قدرةً على الاحتفاظ بالجليد المائي".

جاء في الدراسة كذلك أن المسامية الخاصة بسطح سيريس أعلى مما كان يعتقد العلماء في السابق، إذ اعتقدوا أن مسامية سيريس مشابهة لمسامية القمر، وتزيد مسامية سيريس بفارق 15% عن سطح القمر، يسوِّغ ذلك وجود الجليد بهذه الكثافة على سيريس.

Credit:Essam Heggy بعض أفراد الفريق البحثي

خط الجليد

يقول "المعري" في تصريحه لـ"للعلم": "يوجد سيريس في موضع متميز جدًّا في المجموعة الشمسية، حيث يقف على مسافة حوالي 3 وحدات فلكية من الشمس (حوالي 400 مليون كيلومتر)، أي أنه يقف على حافة ما يسمى بخط الجليد".

حينما تنشأ مجموعة شمسية كتلك التي نعيش فيها، فإن النطاق القريب من الشمس يكون حارًّا بدرجة كافية لتبخير المياه، لكن حينما نبتعد عن النجم مسافةً كافية يمكن للجليد أن يتكثف في صورة ثلجية، هذه المسافة التي يبدأ عندها تكثُّف الجليد تسمى "خط الجليد" Snowline.

ويضيف "المعري" أن وجود سيريس في هذه المنطقة يجعل نتائج كهذه مهمةً لتأكيد الفرضية التي ترى أن الماء انتقل من الأطراف الخارجية إلى الأطراف الداخلية للمجموعة الشمسية عبر أجرام مثل سيريس، الذي يقع بالفعل قريبًا من الكواكب الصخرية في المجموعة الشمسية، حينما يصل الماء إلى الأرض مع أجرام مثل سيريس، فإن عملية ارتطام كويكب كسيريس بالأرض ترفع من درجات حرارة الكوكب الأرضي، فيؤدي ذلك الى نشأة انصهار يساعد بدوره على إفراز الماء من الحمم البركانية، وحينما تبرد هذه الأجسام خلال مليار سنة وأكثر، فإنها تترك غلافًا جويًّا محملًا ببخار الماء.

يوضح المعري: "تساعدنا النتائج الخاصة بتوزيع الجليد على سيريس وعمقه من السطح في التعرُّف على معلومات مهمة عن الكويكب نفسه، إذ إن لها تأثيرًا على تضاريس السطح وخصائصه الفيزيائية والحرارية، ويساعدنا ذلك على فهم البيانات الأخرى من المهمة داون، ويساعدنا كذلك على فهم كيف تنشأ المسامية وتتطور في الأجسام الصغيرة بالمجموعة الشمسية".

في الدراسة الجديدة، يقترح الفريق أن هناك عدة عوامل كانت السبب في مسامية سيريس العالية، منها مثلًا الانهيارات الجليدية، والقصف النيزكي الدقيق المستمر، وإطلاق الغازات المتطايرة من جسم المذنب، ما عزَّز بدوره وجود فتحات في سطح الكويكب تمكنت من حمل الثلوج بين طياتها، يختتم "المعري" حديثه لـ"للعلم" بقوله: "يطرح ذلك المزيد من الأسئلة، العوامل التي ترفع المسامية في سيريس طاغية على تلك التي تقلل المسامية، لمَ يحدث ذلك؟ يجيب البحث الجديد عن أسئلة سابقة، لكنه يطرح أسئلةً جديدة، وهذه هي طبيعة البحث العلمي".

البحث عن الحياة

يبرهن هذا البحث -وفق "حجي" في تصريحه مع "للعلم"- على أن أكثر الأجرام قدرةً على تخزين الجليد في المجموعة الشمسية ليس كوكبًا كما اعتقد العلماء سابقًا، بل هو جرم من أجرام حزام الكويكبات، يقول حجي: "يفتح ذلك بابًا كبيرًا للأسئلة: هل انتقلت عناصر الحياة إلى الأرض من مكان آخر؟ وهل نحن الجيل الأول من الأحياء في المجموعة الشمسية؟".

يُعد السؤال الأخير لحجي هو النقطة المركزية ذاتها التي ينطلق منها علم البيولوجيا الفلكية المعاصر، عن ذلك النطاق الذي يبحث في وجود صور متنوعة للحياة في أي مكان غير كوكب الأرض، إذ لا يشمل ذلك المجموعة الشمسية فقط، بل يتشعب وصولًا إلى النجوم الأخرى وما يدور حولها من الكواكب.

وحتى لحظة كتابة هذه الكلمات، لم يتمكن العلماء على الأرض من رصد أي إشارات على وجود أي صورة للحياة خارج نطاق كوكب الأرض، سواء كانت عاقلة أو غير عاقلة، يتسبب ذلك بدوره في حيرة واسعة، بل يدفع البعض للتساؤل إن كنّا وحدنا في الكون، الأمر الذي يتسبب في درجة من الرعب، كوننا الكائنات الوحيدة في هذا الفضاء الشاسع جدًّا، لكنها مشابهة لدرجة الرعب التي قد نقع فيها أيضًا حينما نعرف أن صورةً أخرى للحياة قد توجد في مكانٍ ما غير الأرض!