عندما يزيد عدد السكان ويصبحون أكثر ثراءً وتحضرًا، تتصاعد تعديات البشر على الأراضي الزراعية، ويزيد الطلب على الغذاء إلى الدرجة التي قد تتجاوز طاقة الأرض. وفي وقت تتراجع فيه صحة هذه الأراضي وقدرتها على الإنتاج بسبب تغيرات المناخ، بات تغيير البشر أنماط حياتهم ضرورةً مُلحة واجبة التنفيذ أكثر من أي وقت مضى. وإلا كيف لنا أن نوفر ما يكفي من الغذاء والكساء لتلبية متطلبات عشرة مليارات نسمة بحلول عام 2050.

فبالإضافة إلى التوسع الحضري الذي يجتاح دول العالم، وصناعة الوقود وما تخلفه من تأثيرات ضارة على صحة الإنسان والبيئة، هناك ذلك التنافس المحموم على إنتاج الغذاء والأعلاف والألياف. والنتيجة المباشرة لذلك كله هي تحويل الأرض الزراعية إلى أشكال وأنماط حضرية أخرى لا تتوافق وطبيعتها، ما يضر بالإنتاجية الزراعية ويؤثر تأثيرًا بالغًا على التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية.

في الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف هذا العام، تركز الأمم المتحدة على تغيير النزعات العامة تجاه أنماط الإنتاج والاستهلاك البشري المفرط. ويأتي موضوع عام 2020 تحت عنوان ”غذاء. علف. ألياف“، ليسلط الضوء على العلاقة بين الاستهلاك البشري وأهمية صون الأرض والموارد الزراعية. للعلم تستعرض في الملف التالي أبرز نتائج الأبحاث العلمية وآراء العلماء والخبراء بشأن هذه القضية الحيوية.

التنوع البيولوجي والأمن الغذائي

يؤثر تقويض البشر لمظاهر التنوع البيولوجي على كرتنا الأرضية تأثيرًا مباشرًا على الأمن الغذائي العالمي، إذ تصبح الأراضي الزراعية فريسةً سهلةً لتغيرات المناخ القاسية، وفق نتائج إحدى الدراسات العلمية. تُظهر نتائج الدراسة -التي اشترك فيها أكثر من مئة باحث من دول مختلفة- أن التنوع البيولوجي يؤدي دورًا حاسمًا في تحقيق الأمن الغذائي، إذ يسهم في تزويد المناطق الزراعية بالمرونة الكافية لمواجهة الاضطرابات البيئية ومخاطر التصحر والجفاف. وكما نقل الزميل محمود العيسوي عن ماتيو دينيز، عالِم الأحياء في معهد "يوراك للأبحاث" بإيطاليا، والمؤلف الأول للدراسة: "تُظهر النتائج أن التنوع البيولوجي أمرٌ مهمٌّ جدًّا لضمان تعزيز النظام الإيكولوجي، والحفاظ على إنتاج زراعي أعلى وأكثر استقرارًا".

 تكشف الدراسة أن التنوُّع البيولوجي يؤدي دورًا مهمًّا وحيويًّا في إتمام عمليات التلقيح في المناطق التي تتنوع فيها النباتات والأشجار، وتشدد على أن الزراعة الأحادية تضر كثيرًا بهذا التنوع، ما ينعكس على الإنتاج الغذائي. يقول "دينيز": "إن تعزيز التنوع البيولوجي حول الحقول الزراعية يُعد أمرًا ضروريًّا لضمان الحصول على إنتاج غذائي أكثر وفرةً واستقرارًا؛ إذ إن المسطحات الخضراء التي تتميز بثراء مكوناتها وتنوُّعها -مثل المحاصيل والأشجار والمروج- تعزِّز عمليات التلقيح البرية، بالإضافة إلى تحسين المقاومة البيولوجية للآفات والحشرات الضارة، وبالتالي زيادة الإنتاجية الزراعية". بحلول عام 2030، سيتطلب إنتاج الغذاء 300 مليون هكتار إضافية من الأرض.

ويشدد مصطفى فودة -الرئيس السابق لقطاع حماية الطبيعة بوزارة البيئة- على الأهمية القصوى لعمليات التلقيح التي تؤدي دورًا أساسيًّا في الأنظمة الإيكولوجية، وفي تدعيم العلاقة بين النبات والحيوان، وبينما تعتمد غالبية النباتات في تلقيحها على الرياح، فإن قرابة ثلث المحاصيل الزراعية تعتمد على التلقيح بفعل الحشرات أو الحيوانات الأخرى.

وتميط نتائج دراسة أخرى اللثام عن انتشار الزراعة الأحادية على حساب ذلك النمط التقليدي من الزراعة الذي كان يعتمد على زراعة أكثر من محصول على مدار العام، ما أثر سلبًا على تنوُّع المحاصيل، وكذلك توفير الموائل للملقحات. وكما كتبت الزميلة حنان بدوي، تواجه الملقحات الطبيعية مثل النحل والطيور والخفافيش تحديات رئيسية الآن، تتمثل في الزراعة المكثفة، والإفراط في استخدام المبيدات الحشرية، بالإضافة إلى تَغيُّر المناخ. وكما نقلت "بدوي" عن نتائج الدراسة، فإن الاعتماد على محصول واحد يهدد الأمن الغذائي في أي بلد. إذ تشدد الدراسة على ضرورة "التنويع الزراعي، ونشر زراعة الزهور، وتوفير موائل للحشرات".

تغيير السلوكيات وأنماط الاستهلاك

في أغسطس الماضي، حذر تقرير صادر عن الأمم المتحدة من أن الاستخدام المفرط للطاقة الحيوية يهدد التنوُّع البيولوجي ويسبب التصحُّر، ما قد ينعكس على ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وأفاد التقرير أن النمو السكاني المتزايد وتغيُّر أنماط الاستهلاك البشري تَسَبَّبا في معدلات غير مسبوقة من استنزاف الأراضي والمياه، خاصةً في الدول النامية. وأضاف أن تناوُل كميات أقل من اللحوم، وزراعة أعداد أكبر من الأشجار، سيساعد في تقليل انبعاثات الكربون وتحسين الصحة العامة. وكما أورد الزميل محمد السعيد عن التقرير، أدت التغيرات في درجات الحرارة ونسب هطول الأمطار خلال العقود الأخيرة إلى انخفاض إنتاجية محاصيل رئيسية كالقمح والذرة في بعض المناطق، وزيادتها في مناطق أخرى.

وتُسهم عمليات إنتاج الغذاء والأعلاف الحيوانية وصناعة الألياف -التي تُستخدم في الأغراض المختلفة، وفي مقدمتها إنتاج الملابس- في تغير المناخ، إذ تتسبب الأنشطة الزراعية في قرابة ربع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ويتسبب إنتاج الملابس والأحذية في 8% من تلك الانبعاثات، ويُتوقع أن يصل هذا الرقم إلى قرابة 50% تقريبًا بحلول عام 2030.

بحلول عام 2030، من المتوقع أن تستخدم صناعة الأزياء 35 في المائة من الأراضي — أي أكثر من 115 مليون هكتار، وهو ما يعادل مساحة دولة كولومبيا credit: simonlong/ Moment RF

في هذا الإطار، توصي الأمم المتحدة عبر أحد مواقعها على شبكة الإنترنت، في اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، بضرورة إدخال تعديلات جوهرية في سلوك المستهلك والشركات، داعيةً إلى اعتماد تخطيط أكثر كفاءةً والإتيان بممارسات مستدامة، كالسعي إلى صون الأراضي الزراعية تلبيةً للاحتياجات البشرية والحيوانية أيضًا. كما تدعو إلى إرسال رسائل قوية وواضحة إلى الشركات والمنتجين وصانعي القرار عبر شراء المستهلكين المنتجات التي لا ترتبط بتدهور الأراضي الزراعية، والتوقف عن شراء تلك التي تؤدي إلى تدهور الأراضي الزراعية وإلى تراجُع إنتاجيتها وفقدانها لتنوعها البيولوجي. إذ يمكن أن تؤدي التغييرات في سلوكيات المستهلكين، وفي النظم الغذائية للدول -مثل الحد من فضلات الطعام ومخلفاته، والاعتماد بشكل أساسي على الشراء من الأسواق المحلية ومبادلة الملابس قدر الإمكان بدلًا من شراء ملابس جديدة- إلى توفير تلك الأراضي لاستخدامات أخرى أكثر استدامةً، وإلى خفض انبعاثات الكربون الضارة.

وتولِّد النظم الغذائية لسكان الحضر بشكل خاص -عمليات إنتاج الطعام وطهيه ونقله وتجميده، وانتهاءً بالتخلص من مخلفاته- ما بين 20 إلى 30% من انبعاثات غازات الدفيئة عالميًّا. ولهذا ينال التحكم في سلوكياتنا الغذائية أولويةً قصوى لدى الباحثين وواضعي السياسات لخفض انبعاثات الكربون الملوثة بالبيئة. ويمكن للتحكُّم في استهلاك الطعام أن يحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الضارة بالبيئة، كما تُظهر نتائج دراسة نشرتها دورية "إنفيرومنتال ساينس آند تكنولوجي". وكما نقلت الزميلة هبة حسين عن أوجين موهارب، الباحثة الرئيسية في الدراسة، والتي تعمل بكلية إدارة الإنشاءات والهندسة بجامعة "ريدينج" البريطانية: "إن المستهلكين في المدن الحضرية يستطيعون الإسهام في خفض البصمة الكربونية لمدنهم من خلال أمرين أساسيين: تقليل إنتاج اللحوم واستهلاكها؛ لأن 80% من الانبعاثات المرتبطة بالمزارع تتعلق بالمنتجات الحيوانية. وإذا أضيف إليها متطلبات الطاقة اللازمة لعمليات التبريد والإعداد، أمكن توفير نسبة لا بأس بها من انبعاثات الكربون، ثم من خلال ترشيد سكان المدن لاستهلاكهم من الطعام، والحد من مخلفاته". وتشير الدراسة إلى أن "رفع مساحة الرقعة الزراعية لشغل نصف مساحة الأراضي الفضاء في المدن سيحد من الانبعاثات المرتبطة بالغذاء بمقدار 1% فقط، في حين أن التحوُّل من الكهرباء المتولدة عن مصادر الوقود الأحفوري إلى مصادر خالية من الكربون سيقلل الانبعاثات بنسبة 18% على الأقل، وأن خفض مخلَّفات الطعام لدى تجار التجزئة والمستهلكين يحد منها بنسبة 11%، كما أن إحلال الدواجن محل ربع إجمالي استهلاكنا من اللحوم يخفض الانبعاثات بنحو 6%".

وتُعَد مصر من البلدان ذات الكثافة السكانية العالية مقارنةً بمساحة أراضيها، وبخاصة الرقعة الزراعية الصالحة للزراعة، ويشكل النمو المطرد في عدد السكان ومحدودية الموارد المائية والزراعية ضغطًا متناميًا على الأمن الغذائي المصري. وفي الوقت الذي يزداد فيه الطلب على الغذاء، تزداد معدلات الهدر بسبب العديد من العوامل، التي يأتي في مقدمتها سلوك المستهلك المصري.

في إطار أهمية ضبط سلوكيات المصريين المتعلقة باستهلاك الغذاء، يشدد مصطفى فودة -الرئيس السابق لقطاع حماية الطبيعة بوزارة البيئة- على ضرورة التوقف عن بعض السلوكيات التي تهدد القطاع الزراعي والتنوع البيولوجي في مصر، كالاستخدام المفرط للمبيدات والأسمدة الكيميائية، والزحف العمراني على الأراضي الزراعية، والصرف الصناعي والصحي في المجاري المائية، وإدخال الحشرات والحيوانات الغريبة والغازية إلى البيئة المحلية.