يقتل تلوث الهواء الناجم عن تصنيع السلع والبضائع التي يجري إنتاجها في منطقة لتُستهلك في منطقة أخرى نحو 762 ألفًا و400 شخص سنويًّا من إجمالي 3.5 ملايين حالة وفاة مبكرة تنجم عن تلوُّث الهواء بصورة عامة، وفق دراسة علمية جديدة.

وكشفت الدراسة عن أن الجسيمات الدقيقة، المعروفة باسمPM 2.5 ، المنبعثة من صناعات من بينها محطات توليد الكهرباء والطائرات والشحن وتصنيع الأسمدة والبتروكيماويات والسيراميك مسؤولة عن أكثر من 90% من حالات الوفاة بسبب تلوث الهواء الخارجي حول العالم.

واستند البحث، الذي نُشرت نتائجه في دورية "نيتشر"، إلى بيانات 228 دولة، وشمل 13 منطقة حول العالم، من بينها الشرق الأوسط وأفريقيا، إضافة إلى بيانات "مشروع تحليل التجارة العالمية" لقياس العلاقة بين طلب المستهلكين على البضائع المستوردة.

وخلص إلى أن المستهلكين في الدول الأوروبية الذين يشترون البضائع المستوردة والهواتف والملابس الرخيصة يُسهمون بصورة غير مباشرة في وفاة عشرات الآلاف في الدول التي تُنتَج فيها تلك البضائع.

ويضرب دابو غوان -كبير الباحثين في الدراسة، وأستاذ اقتصاديات التغير المناخي في جامعة ويست أنجيليا في بريطانيا- مثلًا بالهاتف المحمول المصنوع في الصين، والمُباع بنحو 200 دولار.

ويقول إن 70 في المئة من سعر الهاتف تذهب إلى الشركة الغربية مصممة المنتج، في حين تذهب من 5 إلى 6 دولارات فقط إلى المصنع الصيني الذي تتعرض بيئته وسكان دولته لأشكال التلوث الناجمة عن التصنيع.

وتشير الدراسة إلى أن الانبعاثات الصينية تسببت في أكثر من ضِعف حالات الوفاة حول العالم من أي منطقة أخرى، تليها الهند وباقي دول آسيا.

"صندوق قمامة"

ويعد البحث التحليلي أول صورة مفصلة عن مدى إسهام طلبات المستهلكين في الولايات المتحدة والدول الأوروبية في تلوث الدول النامية التي تقوم بإنتاج سلع بأسعار مخفّضة.

ويقول الباحثون إنه "إذا كانت تكلفة بعض المنتجات المستوردة مخفضة بسبب تدني ضوابط مكافحة التلوث، فإن فائض المستهلكين المالي في الدولة المتقدمة ربما جاء على حساب موت البشر في أماكن أخرى".

سميح منصور -الخبير بالاتحاد الدولي للسميات، وأستاذ علوم السموم البيئية بالمركز القومي للبحوث في مصر- يحذر من أن التجارة العالمية حوّلت "الدول النامية إلى صندوق قمامة لمخلفات الدول المتقدمة".

فالدول المتقدمة لا يمكنها بأي حال السماح بتصنيع سلع لها مثل هذه الأخطار، فتلجأ إلى العالم النامي لإنتاجها، كما يرى منصور في تعليقه لـ "للعلم".

ويوضح أن "ثمة صناعات تشتهر بها بعض دول العالم النامي. في مصر مثلًا تنتشر صناعات السيراميك والورق والبلاستيك والحديد والصلب، مما ينتج عنه مئات المجموعات السمية الخطيرة مثل الدايوكسين وPCBs".

وبلغ عدد المتوفين فى بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بسبب أمراض مرتبطة بتلوث الهواء نحو 125 ألف شخص في 2013، وفقًا لدراسة أجراها البنك الدولي.

وأكدت الدراسة أن مصر وإيران من أكثر البلاد تضررًا، سواء من حيث أعداد الوفيات التقديرية أو التكلفة الاقتصادية.

"استعمار اقتصادي"

واتفق مع هذا الطرح الخبير بالمركز القومي للسموم، محمود عمرو، مشددًا على أن صناعات مثل الأسمنت والسيراميك والبتروكيماويات لا يُجرى العمل فيها على الإطلاق في الدول المتقدمة؛ لخطورتها البيئية والصحية.

ويذهب عمرو، في حديثه "للعلم"، إلى أن "الدول المتقدمة تمارس استعمارًا اقتصاديًّا ضد الدول النامية".

ولا يتوقف الأمر -وفق عمرو- عند استيراد منتجات نظيفة بعد تصنيعها، بل يصل أحيانًا إلى تصدير الدول المتقدمة مواد خام محظورة لديها إلى دول فقيرة، كالكاميرون، لتصنيعها، ومن ثم استيرادها بأسعار زهيدة؛ نظرًا لمشاركتها في عملية التصنيع بتوفير المواد الخام.

وقد حذّرت الدراسة من التداعيات الاقتصادية لتلوث الهواء على المستويين الإقليمي والعالمي، وأوصت بتكثيف الجهود المبذولة لتعزيز استخدام الطاقة النظيفة والتنمية المستدامة.

ويكلف تلوث الهواء دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر من 9 مليارات دولار سنويًّا، إلى جانب خسارة الاقتصاد العالمي نحو 225 مليار دولار، وفق إحصاءات دولية.

ويشدد سميح منصور على أن "النفقات التي تتكبدها الدول النامية لعلاج الأمراض المرتبطة بتلوث الهواء تفوق بكثير ما تجنيه من استثمارات هذه الصناعات".

مستوى الوعي

وناشد سميح سلطات الدول النامية "تطبيق معايير صارمة للغاية لمكافحة تلوث الهواء".

وأضاف: "مصر وحدها تنفق نحو 30 مليار جنيه سنويًّا لعلاج الأمراض المرتطبة بتلوث البيئة." وتساءل: "ماذا لو طُبقت معايير صارمة في مكافحة البيئة وادخار هذه الأموال؟".

لكن أستاذ العلوم البيئية في جامعة الزقازيق، بدر مبروك، أوضح في حديثه لـ"للعلم" أن "أخطر تحدٍّ تواجهه سلطات الدول النامية في هذا الشأن هو مدى وعي المواطنين بالأخطار البيئية. فالحكومات تستطيع فرض ضوابط لمكافحة التلوث، لكن لا يمكنها التحكم بنفس الوسائل في زيادة الوعي".

ويضيف: "منطقة الدلتا في دولة نامية كمصر تعاني من معدلات تلوث هواء مرتفعة؛ بسبب انتشار مصانع الطوب التي لا تلتزم بأي ضوابط أو معايير للحد من انبعاثاتها الناجمة عن عملية الحرق".

وشدد على أن "ثمة حاجة شديدة لرفع الوعي لدى المستثمرين وأصحاب الأعمال بخطورة التلوث قبل الحديث عن تطبيق الضوابط والمعايير الصارمة. وهذا ما نجح فيه الغرب إلى حد كبير".

كما دعا محمود عمرو، من ناحيته، المؤتمرات الدولية المعنية بمكافحة التلوث إلى فرض قيود على المساهمة في تلويث أراضي الغير؛ من خلال وضع معايير عادلة للتجارة العالمية دون تمييز ضد الدول النامية.

ووفقًا لبحث أجرته منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 92% في العالم يعيشون في أماكن يتجاوز فيها تلوث الهواء الحدود الآمنة ويستنشقون هواءً ملوثًا.