اهتز المجتمع الطبي لوفاة سيدة أمريكية سبعينية، في شهر أغسطس الماضي، حين أعلن المركز الأمريكي للتحكم في المرض والوقاية أن وفاتها جاءت من جَرَّاء إصابتها بجرثومة شائعة تتسبب في معظم أمراض العدوى الرئوية والدموية. الجرثومة المعروفة بـالكليبسيلة الرئوية (Klebsiella pneumoniae) هي من النوع المقاوم لعائلة المضادات الحيوية الكاربابينيم Carbapenems.

وأوضحت الفحوصات أن النوع الذي أصيبت به السيدة يحمل الإنزيم NDM-1، وهو الإنزيم المسؤول عن برمجة مقاومة البكتيريا لمعظم المضادات الحيوية المعروفة إن لم يكن جميعها. وجاء تقرير المركز ليثبت أن البكتيريا التي أصيبت بها السيدة أظهرت مقاومة لـ26 نوعًا من المضادات الحيوية المعروفة، من بينها عائلة الكاربابينيم التي تُعَد خط الدفاع الأخير لدى البشرية ضد أشد أنواع البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية، وتُعرف أيضًا بين المتخصصين بالملاذ الأخير.

ووفقًا لما هو متعارف عليه فإن انخفاض فاعلية المضادات الحيوية تحدث بسبب تحوُّر بعض الجينات بالشريط الوراثي للبكتيريا، مما يزيد من قدرتها على مقاومة الدواء. ومن الممكن أن تقاوم البكتيريا المضاد الحيوي دون أن يحدث تحوُّر بالشريط الوراثي، وذلك بإنتاج إنزيمات محددة تعمل على تغيير التركيب الكيميائي للمضاد الحيوي، مما يعوق تفاعله وتأثيره على البكتيريا.

تهديد جوهري

وكان تقرير لمنظمة الصحة العالمية، صدر عام 2014، قد ذكر أنه في بعض البلاد تفقد مضادات كاربابينيم الحيوية مفعولها لدى أكثر من نصف المرضى الذين يعالَجون من عدوى الكليبسيلة الرئوية. وبالرغم من أن اكتشاف المضادات الحيوية يُعَد أحد أهم الاكتشافات العلمية في مجال الطب في القرن العشرين، إلا أن أنواع البكتيريا التي تستهدفها هذه المضادات سرعان ما طورت نوعًا من المقاومة ضدها. ويُعَد الاستخدام المتواصل للمضادات الحيوية دون ضوابط أو مراعاة لإرشادات الأطباء، أحد أبرز الأسباب التي عزّزت عوامل المقاومة للأدوية بين أنواع البكتيريا. وتوقع تقرير الصحة العالمية أن تقتل الجراثيم 300 مليون شخص بحلول عام 2050، ما دفع الأمم المتحدة إلى اعتبار الأمر "تهديدًا جوهريًّا" للبشرية.

وفي إطار مساعي المجتمع العلمي لمحاربة هذا الخطر المحدق بالبشرية، عمل فريق من الباحثين على تخليق جزيء كيميائي يمكنه إعادة فاعلية المضادات الحيوية ضد البكتيريا المقاومة لها، وذلك من خلال استهداف الإنزيم NDM-1 ومنعه من التعبير عن نفسه، وبالتالي استعادة حساسية البكتيريا تجاه المضادات الحيوية المستعملة.

والجزيء الجديد هو أحد أنواع peptide-conjugated Phosphorodiamidate morpholino oligomers والمعروف اختصارًا بـ(PPMO)، ويتألف من مضاهئات الأحماض النووية (PMO)، وهي مركبات ذات بناء مشابه للحمض النووي، مرتبطة بسلسلة من الأحماض الأمينية الغنية بالحمض الأميني (الأرجنين) والتي تسهل عملية اختراق الأحماض النووية للبكتيريا.

ومضاهئات الأحماض النووية هي مركبات ذات بناء مشابه لبناء حمض نووي ريبوزي منقوص الأكسجين والحمض النووي الريبوزي، وعادة ما تستخدم في الطب وبحوث البيولوجيا الجزيئية للأغراض البحثية..

وقد أظهر العلاج نجاحه عند تناوله مع المضاد الحيوي ميروبينيم Meropenem من عائلة الكاربابينيم Carbapenems في حماية فئران التجارب المصابة بنوع قاتل من بكتيريا إنتان (عدوى) الدم.

والميروبينيم، هو الآخر، من المضادات الحيوية القادرة على قتل مجموعةٍ واسعة من الجراثيم، من خلال إعاقة قدرتِها على تشكيل جدران خلاياها، ومن ثَمَّ فإنَّ الجراثيم تتفتَّت وتموت.

وتشير الدراسة المنشورة في الدورية العلمية Journal of Antimicrobial Chemotherapy إلى نجاح هذا الجزئ ضد عدة أنواع من البكتيريا سلبية الجرام التى تحتوي على NDM-1 مثل الإشريكية القولونية E.Coli وبكتيريا العصيات الزرقاء Pseudomonas aeruginosa وبكتيريا الراكدة البومانية Acinetobacter baumannii والكليبسيلة الرئوية، والتي تتسبب في أمراض شائعة وخطيرة، مثل حالات عدوى مجرى الدم (الإنتان)، والإسهال، والالتهاب الرئوي، وحالات عدوى المسالك البولية، والسيلان.

"معظم أنواع البكتيريا تلك موجودة في المستشفيات، وخاصة في وحدات الرعاية المركزة." وفق د. عبد الهادي مصباح، اختصاصي الميكروبيولوجيا والمناعة، وزميل الجمعية الأمريكية للمناعة، خبير مستقل لم يشارك في الدراسة، والذي أكد أهمية الدراسة في إيجاد حل للمشكلة.

قيد التجربة

ويؤكد د. بروس جيللير -الباحث الرئيسي بالدراسة، وأستاذ الميكروبيولوجيا بجامعة ولاية أوريجن بالولايات المتحدة الأمريكية- أنه بالرغم من النتائج المبشرة لا يزال هذا الجزئ قيد التجربة، وأنه لا بد أن يمر بتجارب أكثر على النماذج الحيوانية للتحقق من مدى سميته، وحركته الدوائية ودراسة آلية عمله، ومن ثَم البدء في تجربته على البشر للتحقق من أمانه ومدى فاعليته والجرعة المناسبة، قائلًا لـ"للعلم": "لقد قمنا بأبحاث لمدة 16 عامًا للوصول إلى هذا العلاج المحتمل، ولا يزال أمامنا نحوٌ من خمس سنوات أخرى إلى ست ليصبح متوفرًا بالأسواق".

وعلى جانب آخر، نجحت دراسة أخرى أُجريت حول آلية عمل إنزيم يقف وراء ضعف فاعلية أحد المضادات الحيوية المهمة المدرجة على القوائم الأساسية لعلاج الأمراض البكتيرية التعرُّف على الإنزيم المسبب لضعف فاعلية أحد المضادات الحيوية الشهيرة والمعروف باسم Rifampicin ريفامبيسين، وتحديد بنيته. الدراسة التي نُشرت أوائل أكتوبر الماضي بمجلة الكيمياء البيولوجية Journal of Biological Chemistry ودورية بلوس وان PLOS One، هي نتاج عمل الباحثة المصرية هبة عبد الوهاب، بالاشتراك مع الفريق البحثي للبروفيسور بابلو سوبرادو، بكلية الزراعة وعلوم الحياة، والفريق البحثي للبروفيسور كجاك تانرك بجامعة ميسوري.

وفى إطار البحث عن بدائل لمشكلة مقلومة البكتريا للمضادات الحيوية، كانت دراسة حديثة قد كشفت عن أن وظائف الدماغ لا تقتصر على التحكم في الأفكار وفي وظائف الجسم الأساسية، ولكنها تتحكم أيضًا في طريقة استجابة الجسم لخطر الالتهابات البكتيرية الجرثومية. الدراسة التي نُشرت منتصف ديسمبر الماضي في دورية المناعة Immunity، ازاحت اللثام عن أن الدماغ يحارب البكتيريا من خلال تعزيز عملية إنتاج جزيء يسمى بـ«البروتكتين المقترن بتجديد الأنسجة 1» أو (PCTR1)، يساعد خلايا كريات الدم البيضاء في قتل البكتيريا المعتدية.

وأظهرت الدراسة أيضًا أن الإنسان لا يلحظ ذلك لأن الأجسام البشرية على اتصال دائم مع البكتيريا، وأن الجزء الأكبر منها لا يشكل تهديدًا للجسم؛ لأن الجهاز المناعي يطور نفسه ليمنع هذه الكائنات من إيذاء الجسم.ولكن في بعض الحالات، قد تضعف الأنظمة الدفاعية للجسم أو تفشل في إيقاف الغزو البكتيري، فتحدث الإصابة. وفي الحالات القصوى، عندما تقع الإنتانات sepsis، قد تؤدي العدوى إلى الموت.

جهود غير مركزة

كان التقرير الأول لمنظمة الصحة العالمية في هذا الشأن، والصادر عام 2014، والذي تناول مقاومة المضادات الحيوية على الصعيد العالمي، بمنزلة الصرخة التي أيقظت العالم على الخطر الذي تواجهه البشرية بسبب تفشي مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية. وشدد التقرير على أهمية تحرُّك كل الجهات المعنية للسيطرة عليها، موضحًا أن مقاومة المضادات الحيوية لا تتسبب في زيادة معدلات الوفيات بين المرضى فحسب، لكن أيضًا في عبء اقتصادي على المريض وعلى الدولة؛ إذ تزداد تكلفة الرعاية الصحية بسبب طول مدة العلاج في المستشفى والاحتياج إلى العناية المركزة. وأشار التقرير إلى وجود مشكلة بإقليم شرق المتوسط من حيث انقطاع الخدمات الصحية الأساسية بسبب ما تعانيه المنطقة حاليًّا من حالات الطوارئ الإنسانية المعقدة.

واعتمدت اللجنة الإقليمية لشرق المتوسط في عام 2002 وعام 2013 قرارات للتعامل مع مشكلة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، ولكن الجهود التي تبذلها المنطقة غير مركزة، وذلك بسبب تقييد الجهود اللازمة لمكافحة المشكلة والحاجة إلى التركيز على الأولويات الملحَّة الأخرى بالمنطقة.

سوء استخدام

"للأسف ليس لدينا أي إحصائيات ترشدنا عن مدى سوء الوضع سواء في مصر أو البلاد العربية"، قال مصباح معلقًا على نتائج التقرير، وبالرغم من نقص البيانات، فقد أكد أنه من خلال تعامله اليومي مع المرضى، لحظ بوضوح سوء استخدام المضادات الحيوية. وأشار مصباح إلى الأسباب التي تؤدي لذلك سواء كانت اقتصادية تدفع بعض المرضى لتناول المضادات الحيوية على فترات أبعد من تلك المقررة له للتوفير، أو نتيجة إهمال من جانب المريض وعدم المواظبة على مواعيد المضاد الحيوي، أو عدم إكمال المريض للجرعة المقررة حالما يشعر بتحسن، أو حتى بسبب تناول مضاد حيوي غير مناسب للحالة المرضية، ويضيف قائلًا: "لتحسين الوضع لا بد من أخذ خطوات لتغيير أسلوب كلٍّ من الطبيب والمريض، على حد سواء، تجاه استعمال المضاد الحيوي"، موضحًا أن ما يقرب من 25% -على حد قوله- من الوصفات الطبية للأطفال بها مضادات حيوية ليس لها أي فائدة.

توجيهات واجبة

وقد أوصت منظمة الصحة العالمية بتعاون جميع القطاعات لحل المشكلة. وطلبت من صانعي القرار تحسين تتبُّع مقاومة الأدوية في دولهم والقدرة المختبرية على اكتشاف السلالات المقاومة، والعمل على تنظيم وتشجيع الاستعمال الرشيد للمضادات الحيوية.

وطالبت كذلك العاملين في القطاع الصحي، بالتركيز على معايير الوقاية من العدوى، وعدم وصف المضادات الحيوية من دون وجود تحاليل تؤكد نوع العدوى، وتأكيد أهمية تناول الجرعة المحددة من المضاد الحيوي للقضاء عليها. من جانب آخر، تعمل المنظمة على تشجيع قطاع صناعة الأدوية على العودة للاستثمار في البحوث وتطوير أنواع جديدة من المضادات الحيوية.