فالوجهُ مِثل الصُّبحِ مُبيَضٌّ * والشَّعرُ مِثل اللَّيلِ مُسوَدُّ

ضِدَّانِ لمَا استجمِعَا حَسُنا * والضِّدُ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِّدُّ

من القصيدة الملقَّبة باليتيمة، والتي اختُلف كثيرًا في قائلها.

مثلما تظهر النقطة السوداء بأوضح ما يكون على خلفيةٍ من بياضٍ شاهق، يبدو أن ما حدث في ربيع عام 1986 في تشيرنوبل -ومقطع الاسم الأول يشير في اللغة الأوكرانية إلى معنى السَّواد- كان خلفيةً حالكة ومسرحًا شديد الظلمة لأبلغ صور التناقض ولوحات التبايُن. لهذا مثلًا نرى الكاتب الكبير د. محمد المخزنجي يتساءل في إحدى قصص كتابه "لحظات غرق جزيرة الحوت" -الذي خصصه بالكامل لرواية لحظات وقوع الكارثة كما شهدها خلال إقامته حينها بأوكرانيا- عما توحي به بالونة يشيع مَرآها في معتاد أجواء الطفولة والاحتفالات، لكن ما إن تظهر واحدةٌ على طريق تشيرنوبل هائمةً بين المركبات الذاهبة إلى مركز الكارثة أو العائدة منه، حتى يقرر أحدهم إطلاق النار عليها! على خلفيةٍ كهذه لا تظهر البالونة سوى كشبح لذكرى آلاف الأطفال الذين هُجِّروا من مدينتهم أو هَجَروا الدنيا كلها، ولا يظهر إطلاق النار عليها حينئذٍ سوى كرمز لعملية قتلٍ رحيم يريح البالونة وقبلها أرواح الناظرين.

وعلى أوتار التناقُض نفسها لعب مسلسل "تشيرنوبل" المعروض مؤخرًا على شبكة (هوم بوكس أوفيس) HBO الأمريكية، الذي نشد غايةً شبه مستحيلة بمحاولة تقديم تلك الكارثة الكبرى بأبعادها الإنسانية والطبيعية والسياسية والعلمية في خمس حلقات فقط، فكان الحل في اختزال الألوان كلها إلى أبيضٍ وأسود، حيث يتجلى التبايُن وتتوهج الصور بأقصى درجات السطوع.

البداية من النهاية

وأول أسئلة التبايُن يطفو في الحال: كيف تحكي قصةً تأسر فضول المتلقي من أحداث "محروقة" بالكامل وبأدق تفاصيلها؟ على الأرجح لن يأتي المسلسل بأي جديد -من جهة الأحداث- لمَن قرأ أو شاهد وثائقيات عن تشيرنوبل، وهذا ما يعرفه صناع العمل جيدًا، بل أرادوا أن يخبرونا بذلك بوضوح حين اختاروا أن تبدأ لحظات المسلسل الأولى بانتحار بطله "فاليري ليجاسوف"، قبل الانتقال إلى لحظة اندلاع التفاعلات المتسلسلة الكارثية بعد منتصف تلك الليلة السوداء في تشيرنوبل.

كيف تسلل العلم إلى الفن؟

ومع نقطة البداية من قلب مفاعلٍ نووي يظهر السؤال الثاني: كيف تروي قصةً مليئة بالتفاصيل العلمية المعقدة لجمهور عام قد لا يعرف عن الفيزياء والكيمياء إلا أقل القليل؟ كيف تجمع في قصتك بين تقديم علمٍ يُضرب به المثل في الصعوبة والغموض كالفيزياء النووية والحفاظ على اهتمام المُشاهد العادي؟ يجيب صناع العمل عن ذلك منذ اللحظة الأولى بإغفال معظم الشرح العلمي في مشهد افتتاح الكارثة، والاكتفاء بنقل فيض المشاعر البشرية المتناقضة بين رعبِ وارتباكِ الفنيين الذين بدأوا في إدراك فداحة ما يحدث، وصَلَف وغرور رئيسهم الذي يستمر في إصدار أوامر كارثية، فقط ليُثبت للجميع أنه ما زال الرئيس هنا. ما فعلوه هنا يشبه طلاء الوجه الأول للوحةِ الرهيبة التي سيعاودون زيارتها كثيرًا بعد تسريب المفاهيم العلمية شيئًا فشيئًا وفي مواضعها المناسبة تمامًا بلا استعراض مقحَم أو شرح زائد بلا ضرورة.

هكذا يتم تقديم أبسط التفاصيل الممكنة للمُشاهد، مثل رقمٍ واحد: 3.6 رونتجن، هي قراءة جهاز مقياس الجرعة الإشعاعية (الدوسيميتر) في المفاعل في قلب الكارثة. الرقم الذي تكرر في مبارزات المُنكرين لحجم الكابوس (فهو ليس رقمًا رائعًا لكنه كذلك ليس كارثيًّا، وفق رأي الرفيق أناتولي ديالتوف) والناشدين لإدراك حقيقته (مثل "ليجاسوف" الذي عرف مبكرًا أن 3.6 ليست سوى القراءة القصوى للدوسيميتر الرخيص المستخدَم في المفاعل)، حتى انطبع تمامًا في ذهن المشاهد، وصاحَبَهُ حتى بلوغ لحظة النبأ اليقين وانكشاف القراءة الحقيقية التي بلغَت أكثر من أربعة آلاف ضِعف الرقم المُقترَح وأكثر من أربعمئة ضعف قراءة ما بعد إلقاء قنبلة هيروشيما، تمامًا مثلما تنبأ "ليجاسوف".

بصدمةٍ كهذه تستعصي على التصوُّر -ولا تستعصي أبدًا على الأفهام- يُستدرَج المُشاهد إلى متابعة التفاصيل العلمية بالتدريج، حتى يصل قرب النهاية إلى الإنصات إلى محاضرة علمية كاملة عن كيفية عمل المفاعلات النووية، يُلقيها "ليجاسوف" بإيجازٍ بارع ليشرح للقضاة والحضور والمشاهدين وقائع ما جرى بكلماتٍ مُختارة بعنايةٍ شديدة لتنقل الصورة كاملة دون أن تخل بالدقة العلمية، وليمنح صناعَ الفن درسًا لا يُنسى، عن كيفية رواية القصص التي يحتل العلم فيها أدوار البطولة.

رعب المؤثرات أم رعب التأثير؟

يأخذنا هذا إلى سؤال ثالث تكشف إجابته عن صورة جديدة للتبايُن: فمنذ بداية شهود البشر للسرعة المذهلة التي يسابق التطور التقني بها الزمن والحكمة، والخواطر السوداء تحتشد في عقول ذوي الفكر والبصيرة: ماذا لو كان هذا التقدم المادي السريع يخطو في اتجاه معاكس تمامًا للرقي البشري في عالم الأفكار والقيم؟ ماذا يحدث إن وقعَت قوى الصناعة وأعاجيب التقنية في أيدي مَن لم تنضج عقولهم أو أرواحهم؟ وقد سارعت هذه الخواطر إلى التجلي فيما لا يُحصى من أعمال الأدب والفن، وسنأخذ منها هنا مثالًا واحدًا اقترب بشدة من مسلسل تشيرنوبل في جنس المخاوف (الرعب من التطور التقني في علوم الذرة)، وهو فيلم "جودزيلا" الياباني في نسخته الأصلية التي عُرضت عام 1954، بعد مرور أقل من عِقد على إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناجازاكي، والتي كانت أقرب كثيرًا إلى أفلام الرعب منها إلى أفلام الإثارة والمغامرة كما في نسخها التالية.

في عام 1946 كان مخرج الفيلم "إيتشيرو هوندا" عائدًا من الصين إلى اليابان -بعد مشاركته في الحرب- على متن طائرةٍ حين رأى من الجو ما تبقى من هيروشيما. يقول "هوندا": "كانت الأجواء هناك ثقيلة حقًّا. كان ثمة رعبٌ يهيمن على المشهد، ويوحي بأن العالم كان يسعى بالفعل نحو النهاية". وهكذا حاول "هوندا" تجسيد هذا الرعب في صورة وحش أسطوري هائل خرج من رحم عالم مسخته الإشعاعات الذرية لينسف المباني بضربة من يده، وليحرق كل ما حوله بزفراته اللاهبة. كل هذه المبالغات البصرية من أجل نقل الرعب النائم في الذرة.

فماذا فعل صناع مسلسل تشيرنوبل من أجل نقل الرعب نفسه؟ لم يقدموا سوى مشاهد سريعة تبدو في الظاهر معتادةً للغاية. ما المرعب في مشهد مجموعة من الرجال يعملون على إزالة بعض الركام؟ لكن ماذا إن عرفنا أن هذا الركام ليس سوى حطام الجرافيت المتبقي على سطح المبنى من انفجار قلب المفاعل؟ وأن التعرض له لأكثر من تسعين ثانية -حتى مع طبقات الملابس الواقية- هو انتحار عاجل وبأبشع طرق الموت؟ هنا نرى الكاميرا وهي تتابع الرجال في حركات مرتجفة مهزوزة وهم يخطون إلى فم الموت، ويُهْرَعون بشجاعة فريدة للتخلص من أكبر قدر ممكن من الحطام قبل أن يلتهمهم الإشعاع، ونسمع قرقعات الدوسيميتر المجنونة تتعالى وهم ينتقلون من موضع خطير إلى موضع أكثر خطرًا، وأخيرًا يخرج أحدهم لنرى ما لم يكن من الممكن أن نتخيله: قَطْع صغير جدًّا في حذائه الواقي!

هكذا نرى الرعب! دون أدنى احتياج إلى خدع خاصة أو مؤثرات بصرية ضخمة، في تفاصيل اعتادتها أعيننا تمامًا في الحياة اليومية، ككل تفصيلةٍ في مشهد سكان مدينة "بريبايت" وهم يخرجون في الليل إلى محطة القطار لاستطلاع أنباء ما حدث في المفاعل، ويراقبون في غفلةٍ البريقَ الأخاذ للهواء المتأين. لكننا نفهم، ونراقبهم نحن في لوعة وهم وقوف في مهب عاصفة خفية من إشعاعٍ قاتل يخترق كل شيء دون أن تدركه الحواس، بجلودٍ مكشوفة ومشاعرَ تتخللها نسائم ليل الربيع ومشروباتهم في أيديهم، وأطفالهم يجرون هنا وهناك فوق تراب الأرض في نوبةِ مرحٍ أطلقتها هذه النزهة الليلية المفاجئة. والكبار هنا أطفالٌ كذلك، لم يفهموا بعدُ معنى هذه الأضواء الليلية الفاتنة، فنرى امرأةً تستند إلى كتف زوجها وتهمس: "يبدو هذا جميلًا!"، ويهز الرجل رأسه موافقًا وهو يكمل مشروبه.

رجلان

وتتوالى أسئلة التبايُن حين نتعرف على بطلَي قصتنا عن قرب، ونتوقع وقوع الجفاء الشديد بين "فاليري ليجاسوف" العالِم المتشكك الناقد الساعي إلى كشف الحقائق، و"بوريس شِربينا" السياسي رجل الدولة وموضع ثقتها والمكلف باحتواء الأزمة بأقل قدر ممكن من الخسائر والفضائح. الشخصيتان متناقضتان طبعًا بالفطرة والضرورة، لكن الكارثة لا تكشف لنا فقط معادن الرجال، بل تصهر وتدمج معدني هذين الرجلين في سبيكة عجيبة، ونرى "شربينا" وهو يبدأ ببطء في إدراك أن "ليجاسوف" يعرف حقًّا ما يتكلم عنه، وسط مجموعة من الحمقى معدومي المواهب الذين يرددون طوال الوقت عبارات الولاء والثقة عن جهل مطبق، ونرى في الوقت نفسه "ليجاسوف" وهو يستوعب أن هناك استثناءات وسط كل هؤلاء الحمقى، وأن "بوريس" يحاول صادقًا -رغم كل شيء- أن يوفر له كل مساعدةٍ في حدود الممكن. ونرى صداقةً مستبعَدة تمامًا تنمو بين الرجلين، ولحظات ناصعة من الصدق تتجلى وسط كل هذه الغابات من الكذب الأسود.

في لقائهما الأخير يحمل "شربينا" منديلًا أبيضَ في كفه، ويُريه لصديقه قائلًا بعد نوبة من السعال الدامي: "يقولون إن أمامي سنة تقريبًا. أعرف أنك قلتَ لي، ولقد صدقتك. لكن الوقت كان يمر وكنت أفكر: ربما لن يحدث لي أنا. لكنني ضيعتُ الوقت، وضيعتُ كل شيء"، ثم يخبره في لحظةٍ لا تتكرر من الصدق، وهو يرى نفسه في مرآة صديقه: "لقد صدَّقتُهم حين أخبروني بتكليفي بالمهمة وقالوا لي إن الأمر غير خطير. أتدري لماذا؟ لأنني كنت أعرف أنني رجل غير مهم يا فاليرا، لطالما كنتُ. ولطالما تمنيتُ أن أفعل يومًا شيئًا مهمًّا، لكنني لم أفعل. فقط كنت أقف بجوار مَن فعلوا"، ويرد عليه "ليجاسوف" الذي فهم الإشارة: "هناك الكثير من العلماء مثلي، وكلهم كانوا سيفعلون الشيء نفسه. لكن مَن غيرك كان يقدر على أن يوفر لنا كل ما احتجناه؟ ربما كان رجال الدولة يسمعونني، لكنهم كانوا ينصتون إليك أنت. مِن بين كل أولئك الحمقى لديهم أرسلوا إلى هنا -بالخطأ- الرجل الوحيد الجيد. بحق الله يا "بوريس"، لقد كنتَ أنتَ الرجل الأهم".

وينتهي الحوار ببوريس شربينا، رجل الدولة شديد المراس، وهو يلاحظ -بعيني شاعر أو رسام- تلك اليرقة الخضراء الصغيرة التي تسلقت بنطاله، ويمد إليها إصبعه لتتسلقها ويرفعها أمام عينيه متأملًا حركتها الدودية، وما يعنيه وجودها في هذا المكان وفي تلك اللحظة، وفي إشارة شديدة البراعة إلى العبارة التي رددتها المرأة ببراءة وسذاجة في ليلة الكارثة، يهمس الرجل الذي صار الآن يعرف الكثير: "آه.. يبدو هذا جميلًا"، وهو ما يصادف أيضًا لفتة مماثلة في إحدى قصص "لحظات غرق جزيرة الحوت"، يقول "المخزنجي" في مطلعها: "عندي شهود على أنني أول مَن أطلق حكاية الأخذ بحيوية النباتات ووجود الحيوانات البرية والطيور كمقياس لعدم خطورة الإشعاع"، ويحكي عن كهلٍ يرى غرابًا يطير هناك في الأفق بسوادٍ قطيفي جميل ومضيء، فيهتف ويردد الراوي من خلفه: "غراب! غراب! غراب!".

وحتى هذه اللحظة لا تزال آثار البشر في تشيرنوبل تقف في تبايُن صارخ مع الطبيعة التي واصلَت زحفها بنباتها وحيوانها (بوم وعقبان ولقالق وسلاحف وثعالب وذئاب وغزلان وثيران وحتى نوع من الخيول البرية النادرة تُعرف بخيول برزوالسكي اتخذت من تشيرنوبل مأوى لها يحميها -للمفارقة- من خطر الانقراض!) حتى أعلنَت سيطرتها المطلقة على المكان بعد فرار البشر منه ذات يوم هربًا من قاتلٍ لا يُرى ولا يَرحم، يذكِّرنا التناقض بين صغر حجمه اللامتناهي وفداحة آثاره اللامحدودة بحقيقة حجمنا وآثارنا في هذا العالم الكبير المليء بآيات التبايُن الساطعة كنجومِ منتصف ليلةٍ ربيعيةٍ شديدة الصفاء.