يصعب أن يرى المرء عملًا فنيًّا يستند إلى أحداث حقيقية، دون أن يسأل نفسه: ما نسبة الحقيقة فيما نراه أو نقرأه؟ ما الذي حدث حقًّا في الواقع؟ وما الذي استلزمت الدراما إضافته من أحداث؟ وهذا الفضول طبيعي للغاية، خاصةً وأن المساحات التي يتصرّف فيها أصحاب هذه الأعمال الدرامية، تبدو منذ اللحظة الأولى للمسلسل، غائمةً وغير واضحة إلا لمن يعرفها.

يبدو أن هذه الفكرة مثلت هاجسًا حقيقيًّا عند صُناع مسلسل «تشيرنوبل» الأخير. لأنهم يكررون في لقاءاتهم وأحاديثهم، أن هناك مساحة كبيرة بين الواقع والخيال، وأن أي محاولة درامية لإعادة تمثيل الحدث، ينبغي أن تؤخذ بعناية وحرص، "نحن نذهب إلى الواقع؛ لأنه مبهر بالفعل، ثم نعيد صياغته في قصة".

صدع في بنيان دولة

ارتبطت كارثة تشيرنوبل، منذ بدايات إدراكي الأولى لمدى حجمها وتأثيرها، بقصة للكاتب المصري محمد المخزنجي، في مجموعة «لحظات غرق جزيرة الحوت»، التي كتب فصولها في عام وقوع الكارثة ذاته، ونُشرت الطبعة الأولى في 1998. هكذا عرفت عمّا حدث، وأدركت حدوده وأبعاده، من شخص مصري كان يعايش التجربة في هذا الوقت بكل ما فيها، في مدينة كييف بأوكرانيا السوفيتية في هذا الوقت. ثم قرر أن يحكي ما عاينه بعد ذلك.

ومنذ لحظات إطلاق هذه المجموعة الأولى، والمخزنجي يَصِفُ ما حدث، باعتباره صدعًا في بنيان الاتحاد السوفيتي بأكمله. الملحوظة ذاتها التي عبّر عنها ميخائيل جورباتشوف نفسه -الذي كان وقتها أمينًا عامًّا للحزب الشيوعي- بعد الكارثة بعدة سنوات، تحديدًا في 2006، بأن تشيرنوبل كانت المُسبب الرئيسي للانهيار الكامل للاتحاد السوفيتي.

لكن الأمر يتعدّى كلًّا من السياسة وانهيار الدول. إن التأمل في هذه الكارثة يخبرنا الكثير عن النفس البشرية والعلاقات الاجتماعية، وعن العلم وعلاقتنا به. لم تكن تلك حادثةً عادية بأيٍّ من المقاييس، فأمور كهذه لا تحدث كل يوم. لكن بحدوثها، يصبح أمامنا مساحة كبيرة من الأفعال وردود الأفعال للفحص والتفكير.

كُلفة الكذب

عادت كارثة «تشيرنوبل» مرةً أخرى إلى الثقافة الشعبية هذه الأيام، ربما بقدرٍ لم تحظَ به منذ وقوع الحادثة نفسها. منذ عرضه، سيطر المسلسل الدرامي الذي أنتجته «إتش بي أو» من 5 حلقات -تبلغ الواحدة منها قرابة الساعة- على تقارير المواقع المهتمة بالدراما، ووسائل التواصل الاجتماعي، وحظي بمعدلات مشاهدة مرتفعة. مع نهاية عرض الحلقات في الثالث من يونيو 2019، كان المسلسل يحتلّ المرتبة الأولى في قائمة أفضل الأعمال التلفزيونية على قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت (IMDB).

هناك أسباب كثيرة للنجاح الجماهيري والنقدي، وصعود المسلسل سريعًا لقائمة أفضل الأعمال الدرامية لعام 2019. لا يمكن إغفال نهاية مسلسل «صراع العروش» Game of Thrones، المخيّبة لآمال كثير من المتابعين، وهو مسلسل تنتجه إتش بي أو كذلك. لكن من التعليقات المتكررة حول ما يجعل تشيرنوبل «مهمًّا»، الملحوظة المتكررة عن الدقة الكبيرة في إعادة خلق اللحظة التاريخية مرةً أخرى، بكل ما يحيط بها من أحداث، ما جعل العمل الدرامي كله محاولةً محكمة بدرجة كبيرة (باستثناء بعض الثغرات بطبيعة الحال)، ورسم صورة دقيقة لأشخاص عاينوا الواقعة وتعاملوا معها عن قرب. أما ما يجعله «ذا صلة» باللحظة التاريخية القائمة، فهو أن فكرته الأساسية قائمة على تساؤل واحد: ما هي كُلفة الكذب؟ 

محاولة للسرد عن قرب

في المسلسل نتعرّف على 3 شخصيات رئيسية، والعديد من الشخصيات الفرعية، أغلبها شخصيات حقيقيّة على علاقة وثيقة بانفجار المفاعل النووي. فاليري ليجاسوف، (يؤدي دوره جاريد هاريس) هو بطل الحكاية. يُعرف "ليجاسوف" بوصفه عضوًا في أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفيتي، الدور ذاته الذي أدته الشخصية الحقيقيّة، وكعضو رئيسي في لجنة تقصِّي هذه الكارثة والتعامل معها. يصاحبه كذلك شخصية بوريس شربينا (يؤدي دوره ستيلان سكارسجارد)، الذي كان نائبًا لرئيس مجلس الوزراء آنذاك، والمشرف على لجنة الإنقاذ بأكملها. منذ بداية المسلسل، تتحرك هاتان الشخصيتان معًا، وتتطوّر ملامحهما بالتدريج.

يبدو «ليجاسوف» مرتبكًا طول الوقت، معرفته بما يحدث تسيطر على أفكاره، وتتيح له في كثير من الأحيان اتخاذ قرارات حاسمة علمية، وإبداء اعتراضات ربما لم يكن مسموحًا بها في ظروف أخرى. في الوقت الذي ينكشف قناع الصرامة الذي يرتديه «شربينا»، عن شخص شديد القلق، يملك معايير أخلاقية واضحة حينما يلزم الأمر.

 الشخصية الثالثة، العالِمة الفيزيائية أولانا خوميوك (أدت دورها إميلي واطسون)، وهي شخصية نكتشف في نهاية الحلقات أنها لم يكن لها أصل حقيقي، لكنها شُكلت كتمثيل درامي عن الفريق البحثي الكبير الذي عمل مع «ليجاسوف» لتقييم المخاطر واتخاذ القرارات خلال مراحل التعامل مع الكارثة النووية.

كاتب المسلسل هو كريج مازن، الذي كانت أعماله قبل تشيرنوبل –للمفارقة- كوميدية بالأساس؛ إذ تتضمّن سلسلة أفلام The Hangover ، وScary Movie. والمخرج هو يوهان رينك، الذي كانت أعماله قبل تشيرنوبل قادمة من عالم فيديوهات الموسيقى الغنائية، كما أخرج 3 حلقات من مسلسل Breaking bad، فائق الشعبية، بالإضافة إلى أعمال بعيدة في الغالب عن العلم، وتقترب من عوالم الإثارة والدراما.

حبكة تشيرنوبل بالفعل شديدة البساطة؛ ربما لأنه لا توجد مساحة كبيرة للارتجال وسط هذا الرعب، وربما لأن المفارقة أكبر من المعالجة أصلًا: انفجار يحدث في مُفاعل نووي لتوليد الطاقة، ومجموعة علماء يحاولون استيعاب هذه الكارثة، والتعامل مع آثارها قبل أن تتطوّر. وسياق الأحداث يتضمن أيضًا السلطات السوفيتيّة التي تضرب على الأمر حصارًا معلوماتيًّا عنيفًا، وتتدخّل باستمرار لتوجيه طرق التعامل، فتتحوّل مهمة هؤلاء العلماء إلى مقاومة الآثار الإشعاعية، وكذلك بيروقراطية الدولة السوفيتية العتيدة، التي يتكشف -مع الوقت- دورها في الكارثة.

الحمل بوصفه دلالة

تصعد امرأة إلى حافلة، فيقوم خمسة رجال دفعةً واحدة من أماكنهم، عارضين عليها الجلوس بينما تتعلّق عيون جميع الركاب الباقين بها. في العادة يقوم شخص واحد مثلًا. أو اثنان. لكن خمسة أفراد يبدو عددًا مبالغًا فيه بعض الشيء.

يحدث هذا في بداية القصة التي أستعيدها كثيرًا من مجموعة «لحظات غرق جزيرة الحوت»، لمحمد المخزنجي. نعرف في نهاية القصة هذه أن المرأة حامل. وأن الناس ينظرون إلى بطنها، مُحمّلين بكافة الانفعالات والتخيّلات الممكنة، لأن هذه لم تعد مجرد امرأة حامل.

كنا قد عرفنا في الصفحات الأولى من الكتاب أن القصص تجري في كييف، عاصمة أوكرانيا السوفييتة، بعد عدة أعوام من كارثة تشيرنوبل النووية الكُبرى التي لا تزال آثارها موجودة. وهذه القصص بمنزلة معاينة لآثار قائمة بعد الواقعة. قصص المجموعة كلّها بضمير المتكلّم، فالكاتب هو مَن يرى، ويشاهد ويعاين. ولا يخفي «المخزنجي» منذ البداية أن القصص هي نوع من السرد الواقعي، ما يسمّيه الريبورتاج القصصي، فبينما ينظر الناس، في القصة، إلى المرأة الحامل، وما تحمله في بطنها، فإنهم يفكرون لا ريب في أمر يعيشه كل واحد منهم، تحمل هي بشارته ونذيره على حد سواء: الإشعاع وآثاره. 

كأغلب قصص المجموعة، تحمل القصة تعقيدًا بنفس درجة بساطة السرد والأحداث. لا يحدث في أيٍّ من القصص أشياء غريبة، فالغريب هو ما يعيشه الناس، وما يعيشه الراوي بينهم، كل شيء هو رد فعل على حدثٍ واحدٍ عملاق. هناك دائمًا الإشارة إلى شيء ما يستعصي على الوصف، لكن الجميع يحسّون به جاثمًا فوقهم، كالإشعاع الذي يفكّر الجميع طيلة الوقت في آثاره، دون أن يراه أحد. إشارات متتالية تحمل كل واحدة منها لمحةً لا أكثر عن الحياة في هذه اللحظة من التاريخ، هى تلك التي كان الكاتب يعاينها يومًا بيوم.

تفاعل متسلسل وتلوث إشعاعي

في فجر يوم السادس والعشرين من إبريل، عام 1986، وقعت مشكلة خلال عملية صيانة دورية للمُفاعل رقم 4 من محطة تشيرنوبل للطاقة النووية، ذلك المفاعل الذى يقع بالقرب من مدينة بريبيات، على بُعد 130 كيلومترًا من العاصمة الأوكرانية (كييف).

بريبيات مدينة بسيطة، صُممت بالكامل في بداية سبعينيات القرن الماضي، كواحدة من «المدن المغلقة» التي كان الاتحاد السوفيتي يؤسسها حول المنشآت المهمة من الناحية الإستراتيجية، خاصة النووية. حتى الاسم، بريبيات، ليس اسمًا أصيلًا، بل هو النهر الذي تطل عليه المدينة المصنوعة. في المعتاد كان دخول الأشخاص إلى هذه المدن يحتاج إلى تصريح من الجهات المختصة. لكن بريبيات كانت استثناء. وحتى مفاعل تشيرنوبل الذي يبعد عنها 3 كيلومترات، كان غير ذي أهمية كبيرة أو واضحة في ذلك التوقيت.

أُخلى السكان من مدينة بريبيات على وعد بالعودة إليها سريعًا، وهو ما لم يحدث أبدًا credit: CC0 Public Domain

استثمر الاتحاد السوفيتي بقوة في الطاقة النووية، بعد الحرب العالمية الثانية. كان إلقاء القنبلة الذرّية على مدينتين في اليابان، (هيروشيما في 6 أغسطس 1945، وناجازاكي بعد ذلك بثلاثة أيام)، أمرًا مرعبًا وعنيف التأثير على البشرية بأكملها. وهذه الطاقة العارمة أثارت انتباه الكثيرين. حوّلت الحرب العالمية الثانية مسار كثير من الأحداث في تاريخ البشرية، لكنها بالتحديد فتحت الباب على مصراعيه أمام الاستثمار في هذا النوع من الطاقة الجبارة. وبدايةً من سبعينيات القرن الماضي، شرع الاتحاد السوفيتي في إنشاء مفاعلات نووية بغرض توليد الطاقة. كان من بينها أربعة مفاعلات نووية من نوع RBMK-1000، داخل منشأة لتوليد الطاقة، على الحدود الأوكرانية البيلاروسية. أُنشئ المفاعلان رقم 1 و2، في الفترة بين عامي 1970 إلى 1977، بينما جرى الانتهاء من المفاعلين 3 و4 في عام 1983.

تتميّز مفاعلات RBMK-1000 بكونها تُدار بشكل أساسي اعتمادًا على مادة الجرافيت، واحتفظ الاتحاد السوفيتي بهذا النوع من المفاعلات لنفسه، مانعًا تصدير تقنياته إلى دول أخرى.

تسببت هذه المشكلة التي كان يبدو في البداية أنها قابلة للاحتواء، في إطلاق تفاعل متسلسل (الفكرة أصلًا من التفاعل المتسلسل، هو أن يؤدي تفاعل كيميائي معيّن إلى تحفيز مجموعة متسلسلة من التفاعلات، التي تؤدي بدورها إلى المزيد من التفاعلات، في سلسلة مستمرة)، غير قابل للسيطرة عليه، وانتهى الأمر بانفجار كامل في المفاعل الرابع، وانكشاف قلبه المشتعل للهواء. وترتب على ذلك نثر عناصر مشعة تتضمّن البلوتونيوم، والأيودين (اليود)، والسترونتيوم، والسيزيوم إلى المنطقة المحيطة بالمفاعل. بينما اشتعلت قضبان الجرافيت، مما أدى إلى زيادة العناصر المُشعة المُطلَقة في البيئة المحيطة.

هذه أسوأ كارثة نووية وبيئية في تاريخ الإنسانية. تلوّثت المنطقة المحيطة بالكامل إشعاعيًّا، ومات في الأسابيع الأولى للكارثة -وفق التقارير الرسمية- حوالي 30 عاملًا، أغلبهم من رجال الإطفاء والمستجيبين الأوائل، بالإضافة إلى تعرُّض 600 ألف شخص ممن شاركوا في عمليات الإخلاء أو الإطفاء أو التنظيف، للإشعاع بأشكال مختلفة.

وفق تقرير «لجنة الأمم المتحدة العلمية المعنيّة بآثار الإشعاع الذري» (UNSCEAR)، فإنه خلال عام 1986، أُخلي أكثر من 115 ألف شخص من مناطق تحيط بالمفاعل النووي، وأُعيدَ تسكينهم في أماكن أخرى. تضررت مساحات شاسعة من بيلاروسيا، وأوكرانيا بالنويدات المشعة. كما رُصدت الآثار الإشعاعية في جميع دول نصف الكرة الشمالي.

وبشكل إجمالي، تعرّض أكثر من 8 ملايين شخص في بيلاروسيا، وروسيا، وأوكرانيا، للإشعاع بدرجاته المختلفة. وتلوّثت مساحة تقارب الـ155 ألف كيلومتر مربع من أراضٍ تتبع هذه البلدان.

هناك أكثر من 100 عنصر مُشع أُطلقت خلال الكارثة. أغلبها كان قليل العمر، وتحلَّل سريعًا. لكن هناك موادَّ مشعة أخرى، كانت أكثر عنفًا وخطورة. ثلاثة من العناصر المشعة الأساسية تظهر هنا: اليود المشع (عمره النصفي ثمانية أيام)، والسترونتيوم -90 المشع (عمره النصفي 28 عامًا)، والسيزيوم -137 المشع (عمره النصفي 30 عامًا). وهي عناصر لا تزال آثارها موجودةً حتى هذه اللحظة في البيئة المحيطة بالمفاعل.

ووفق تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن هناك على الأقل 1800 حالة موثقة بسرطان الغدة الدرقية عند الأطفال، بين سن الواحدة إلى 14 عامًا، وهي نسبة أعلى بكثير من النسبة الطبيعية، إذ إن الغدة الدرقية عند الأطفال تكون حساسةً بدرجة كبيرة لامتصاص مادة اليود المشع، أحد الأسباب الأساسية للإصابة بسرطان الغدة.

وبينما يرتبط اليود المشع بالغدة الدرقية، يرتبط السترونتيوم -90 المشع بسرطان الدم. أما السيزيوم -137 فهو أكثرهم قدرةً على تغطية قطاعات واسعة من الأرض، وهو أكثرهم عمرًا. تؤثر هذه العناصر في المجمل على الجسم بأكمله. وهي تمثل خطرًا حقيقيًّا، بالأخص على الأعضاء الداخلية.

لم يتخذ المسؤولون السوفيت قرارًا بالبدء في عملية إخلاء مدينة بريبيات، إلا بعد أكثر من 36 ساعة من وقوع الكارثة. وفي غضون أربعة ساعات فقط، تمكّنت القوات الروسية -بكفاءة حقيقيّة- من إبعاد ما يقارب 49 ألف شخص عن المدينة، في أسطول يتكون من 1200 حافلة، قطعت الطريق جيئةً وإيابًا. نعرف أن قرارات «شربينا» وتحذيرات «ليجاسوف» -في الواقع وفي المسلسل على حدٍّ سواء- كان لهما أثر عميق في اتخاذ القرارت هنا. بعد عدة محاولات لاستيعاب الموقف داخليًّا.

الهيكل الخرساني المحيط بتشيرنوبل credit: Hnapel

بحلول اليوم الثالث، لم يكن أي تصريح قد صدر من الاتحاد السوفيتي عن الكارثة. حتى وصل الإشعاع إلى السويد. هناك وُضعت خريطة لمستويات الإشعاع المتزايدة، واتجاهات الريح، ثم أعلنت السويد للعالم: هناك حادثة نووية وقعت في مكانٍ ما من الاتحاد السوفيتي. وفي النهاية اضطر الاتحاد السوفيتي إلى الاعتراف بوقوع كارثة نووية، في بيان قصير. يوم 28 إبريل. سريعًا أيقن العالم أننا أمام لحظات تاريخية، 30% من الـ190 طنًّا يورانيوم الموجودة في المُفاعل، تحترق وتنتشر الآن في الهواء.

صلاة تشيرنوبل

في حيثيات حصول الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش على جائزة نوبل في الآداب لعام 2015، عبارة تقول: إنها حصلت على الجائزة تتويجًا لكتاباتها متعددة الأصوات السردية، وهو تعبير على درجة كبيرة من الدقة.

كتبت «ألكسيفيتش» عددًا من الكتب التي تنتمي إلى فن الرواية التوثيقية. وفعلت ذلك عن طريق التأريخ لحياة الناس، من خلال رواياتهم الشخصية عن حياتهم، وكانت كتبها في الغالب عن الحياة تحت مظلة الاتحاد السوفيتي، لكن بعيدًا عن الروايات الرسمية. حكايات الناس بالدرجة الأولى، عبر ألسنتهم وباستخدام أوصافهم. الأمر مزيج بين الصحافة والعمل الأدبي إذًا. الصحافة في الحدث والتأريخ له، والعمل الأدبي ظاهر في اللغة وطريقة السرد نفسها.

يجعل هذا من أعمالها مزيجًا بين التحقيق الصحفي، والدراسة النفسية، والرواية التاريخية. كل ذلك في الوقت ذاته. كل ذلك في الحكاية نفسها.

في عام 1997، وبعد مرور أكثر من أحد عشر عامًا على الكارثة النووية، نشرت «ألكسيفيتش» كتابها «صلاة تشيرنوبل: وقائع المستقبل». لا يُعنى الكتاب كثيرًا بانفجار المفاعل النووي في ذاته، ولا بالبحث عن أسبابه. يبدو غائبًا بدرجة كبيرة، لكننا نعاين -وبشكل كامل- آثارَه على الناس. الكتاب ليس عن المفاعل، بل عن العالم الذي أنتجته كارثة انهياره. وعن طرق تفاعُل الناس بعضهم مع بعض، وواقعهم الذي تلا الكارثة. باستخدام أصواتهم وأوصافهم وتعبيراتهم عمّا مرّوا به.

أسباب الكتابة بهذه الطريقة مفهومة بشكل ما. في غمرة الأحداث الكُبرى، يُنسى الناس. تُنسى أخبارهم، وأفكارهم الشخصية، وتغيب في إطار عام من لحظة ذعر عامة تُغلّف كل شيء. من المثير للتأمل أن السلطات الروسية لم تُفرج -منذ وقت الحادث وحتى الآن- إلا عن عدد قليل من الوثائق والمعلومات التي تتعلّق به. بقي عدد القتلى ثابتًا عند رقم 38.

محاولات التأريخ لتشيرنوبل مُتعددة بالفعل، لكنها محكومة بقيدين أساسيين إذًا: قلة المعلومات، وفرادة الحدث الذي يجعل أي تعامل معه محكومًا بقدر كبير من التخمينات، والتعامل مع الآثار بدلًا من الحدث نفسه.

تأريخ كارثة

هذا ما يبدو أن مسلسل «تشيرنوبل» يلتقطه سريعًا. إذ يبدأ المسلسل من داخل المفاعل مباشرة، عند لحظة الانفجار، وشخصيات المسلسل جميعها هي من الدوائر القريبة للحدث بشدة. لا يظهر الكثير من حكايات الناس إلا على استحياء، وعلى سبيل استكمال المشهد لا غير. يحاول المسلسل إذًا إجراء عملية «تأريخ» درامي لهذه الواقعة. وهو في هذا يختلف تمامًا عن محاولتي كتاب «المخزنجي»، وحكايات «ألكسيفيتش». الفارق الأساسي هنا هو في المسافة التي تضعها كل محاولة من هذه المحاولات الثلاث من الحدث.

ليو تولستوي، الكاتب الروسي الأكثر شهرةً، في واحدٍ من التعبيرات المنسوبة له، يقول إن كل القصص الجميلة، هي واحدة من اثنتين: شخص يذهب في رحلة، أو غريب يحلّ ضيفًا على مدينة. ويمكن استعادة هذا المثل بسهولة على كتاب «المخزنجي»؛ فهو بأكلمه ملحوظات غريبٍ يحلّ ضيفًا على مدينة منكوبة بالإشعاع. وكل واحدة من قصصه في المجموعة، هي تأمُّل في جانب عميق من جوانب المأساة، عند الناس، وحتى في الطبيعة وحياة الناس خلالها. الراوي الذي يأتي من بلدٍ نامٍ يعاين بنفسه انهيار حلم الشيوعية العملاق، انهيار عنيف يشبِّهه «المخزنجي» بشعور السندباد الذي ينزل على جزيرة، كما يرد في قصة من قصص ألف ليلة وليلة، فيكتشف أن الجزيرة هذه هي ظهر حوت يستعد للغوص. لا يغرق الناس في المجموعة إلا في أفكارهم. يفقدون الثقة في البنيان الذي أنتج هذه اللحظة القاسية.

أما شرح ما حدث في المفاعل فعلًا، فهو أقرب إلى المثال الثاني. الشخص الذي يذهب في رحلة. أو أربعة أشخاص بتعبير أدق، تتوّج في الحلقة الأخيرة من المسلسل، بشرح كامل لهذه الرحلة. بكل تفاصيلها.

هذه إذًا محاولة خلق للحدث بشكل كامل، جرت في مسلسل تشيرنوبل، عبر درجة كبيرة من الالتزام بشكل الحياة في هذه اللحظة من التاريخ، سواء على مستوى ملابس الشخصيات الأساسية وحتى رصد المناخ الاجتماعي والثقافي بشكله الواسع.

أكبر الجوانب الخيالية في المسلسل، كانت شخصية أوليانا كومياك، ومثّلت ما يمكن اعتباره «ضمير ليجاسوف» الذي يدفعه نحو التمييز بين الصواب والخطأ. لم تكن شخصية كومياك حقيقيّة. وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفيتي كان على درجة من التحفّظ في مسألة السماح للنساء بدخول الهرم الوظيفي والترقي فيه، إلا أن العلم والطب كانا استثناءً واضحًا، ويبدو أن هذا ما حاول المسلسل تجسيده، عبر دمج جميع أفراد فريق الطوارئ هذا في شخصية «أوليانا»، التي تأتي مثاليةً أكثر من اللازم، لو جاز التعبير.

يحكي «ليجاسوف» في مشهد مهيب بقاعة محكمة، أن الكارثة حدثت بالأساس لأن قضبان التحكم (وهي تشبه المكابح في عالم المفاعلات النووية) كان يفترض بها أن تُبطئ التفاعل؛ نظرًا لكونها قادرةً على امتصاص النيوترونات، دون أن تنشطر هي بذاتها. لكن هذا لم يحدث. لأن قضبان التحكم كانت تحمل في أطرافها مادة الجرافيت التي تسببت في زيادة التفاعل لا في إيقافه. وعندما سأله المدعي العام عن سبب استخدام الجرافيت في مكابح الأمان هذه، أجاب قائلًا: لأنها أرخص. هنا يخرج الخطأ عن كونه خطأً بشريًّا تسببت فيه مجموعة من البشر، يجلسون لمحاكمتهم، إلى "كونه خطأ نظام إدارة بالكامل".

وعلى ناحية أخرى، فإن الحمل «ثيمة أساسية» على مدار الأحداث. الإشارة إلى المرأة الحامل في الحافلة، في قصة «المخزنجي»، تتكرر في واحدة من قصص سفيتلانا ألكسيفيتش في مجموعتها «صلاة تشيرنوبل»، وهي القصة التي يستخدمها المسلسل بالضبط كما وردت في الكتاب. لسرد حكاية لودميلا إيجانتينكو (تؤدي دورها جيسي باكلي)، التي استطاعت البقاء بجوار زوجها، رغم الحظر المفروض على جميع المتضررين من المستجيبين الأوائل للحدث. زوجها كان يعمل إطفائيًّا، ووحدته كانت من أوائل الوحدات المتحركة التي ذهبت للتعامل مع حريق المفاعل. وتضرر جسده بشدة نتيجةً للإشعاع، ثم مات بعد فترة معاناة مع آثار الحروق الإشعاعية. لزمت «ليودميلا» سرير زوجها، حتى مع كونها تحمل في رحمها رضيعًا في ذلك الوقت. كذبت على طاقم التمريض، وأخبرتهم أنها غير حامل. عاشت رضيعتها أربع ساعات فقط، ثم ماتت، ويبدو أن جسم الرضيعة قد امتص الإشعاع بالكامل.

لكن بخلاف هذا المشهد، ومشهد آخر عابر عن التهجير، لا يبدو المسلسل مهتمًّا بالآثار المباشرة على الناس. ربما لمحدودية حلقاته، وقرار الاختصار والتكثيف (مازن، كاتب المسلسل، بنفسه قال إن الهدف كان الوصول إلى 10 حلقات، ثم اختُصرت لـ5). حتى عندما نصل إلى واحد من أعنف مشاهد المسلسل نفسيًّا، حينما تخرج مجموعة لاصطياد الحيوانات، وهو إجراء متَّبع بالفعل في ذلك الوقت، بغرض التقليل من انتشار الإشعاع. لا نرى ذلك من منظور أصحاب الحيوانات الأليفة، بل من منظور الجنود الذين يتولون عمليات اصطياد الحيوانات هذه.

الحلقة الأخيرة

تنفرد الحلقة الأخيرة بسرد الأحداث في غرفة التحكّم بالتفصيل، رؤية درامية عن اللحظات التي سبقت انفجار المفاعل، بالتوازي مع إعادة خلق درامي لمشهد محاكمة هؤلاء المتسبِّبين في الكارثة.

كانت هذه هي اللحظات التي تتشكّل فيها بإحكام سرديةُ المسلسل بأكمله. لا باعتباره ضد الطاقة النووية بذاتها، لكن ضد ما تحمله من مخاطر، بالذات في بيئة شديدة البيروقراطية مثل الاتحاد السوفيتي. وبينما يقف «ليجاسوف» أمام لوحة تنقسم إلى قسمين: قسم للبطاقات الزرقاء (التي تُمثّل مكابح المفاعل النووي)، وقسم آخر للبطاقات الحمراء (التي تُمثل مُحفّزات التفاعل)، تبدو الطريقة التي يعمل بها المفاعل النووي واضحةً للجمهور غير المتخصص بشكل كبير.

لحظة الفهم العلمي هذه، بكل تبسيطها هذا، هي التي تخلق التأثير الدرامي المنشود. حينما يبدأ «ليجاسوف» بانتزاع البطاقات الزرقاء واحدةً تلو الأخرى، يفهم المشاهد الآن إلى أين تتجه الأمور الآن، لم يعد هناك ما يكبح جماح هذا التفاعل، إلا بطاقة واحدة، تمثّل قضبان البورون التي تُعَد عنصر التدخل الأخير لإيقاف التفاعل النووي. لكن، وكما يتكشّف، اختارت الإدارة المشرفة على بناء المفاعل النووي نوعًا رخيصًا، يحمل رأسه مادة الجرافيت التي تسببت في زيادة التفاعل بدلًا من إيقافه، بمجرد تشغيل حالة الطوارئ. وعليه، يمكن وصف الحلقة الأخيرة من المسلسل تحت بند المعالجة الدرامية بغرض «تبسيط العلوم».

القول بأن هذا المشهد يمثّل سردية المسلسل، هو تعبير ينطبق كذلك على أنه يمثّل تصور المسلسل الدرامي ذاته. ففي الحقيقة، لم تسر الأمور في جلسة المحاكمة على هذا الشكل مطلقًا، ولم يكن «ليجاسوف» موجودًا أصلًا. لكن إعادة الخلق الدرامي هنا، تجعل من وجوده ضرورةً ليقدم محاضرته الختامية عميقة التأثير هذه.

لم يكن الأشخاص الموجودون في قاعة المحكمة على كرسي الاتهام، هم المتسببون الوحيدون في الكارثة. كانوا جزءًا أصيلًا بطبيعة الحال، لكن الأمر كان أكبر من ذلك. الأكاذيب والتحايل والبيروقراطية والفساد، مذنبة بالقدر ذاته، وربما أكثر.

نحن بحاجة إلى المساعدة

في عام 1990، أعلن الاتحاد السوفيتي لأول مرة عن حاجته إلى مساعدة دولية. وبناءً على ذلك اعتمدت الجمعية العامة القرار 190/45، داعيةً فيه إلى التعاون الدولي لتخفيف الآثار الناتجة عن هذه الكارثة.

ما بَقِيَ من المفاعل، يقع داخل حاوية هيكل احتوائي عملاق من الصلب، وُضعت في هذا المكان عام 2016، ومن المتوقع أن تستمر محاولات التنظيف هذه حتى عام 2065. والمنطقة التي تحيط بالمفاعل على قطر 30 كيلومترًا، تُعرف بمنطقة الحظر التي تعتبر غير مأهولة بالسكان.

أكثر من 100 عنصر مُشع أُطلقت خلال الكارثة credit: CC0 Public Domain

التأثيرات تبقى قيد البحث بالطبع. لكن هناك المنطقة المحيطة بالمفاعل على قُطر أربعة أمتار مثلًا تحولت الغابات فيها فجأة إلى اللون الأحمر. تُعرف بالغابة الحمراء. أصبح لون أوراق الشجر فيها مزيجًا من الأحمر والرمادي، وماتت. كل هذا نتيجةً للمستويات المرتفعة من الإشعاع التي تعرّضت لها.

الذكرى الأبدية

في واحدة من قصص لحظات غرق جزيرة الحوت، يحكي الراوي كيف أن الناس الذين سُرقت منهم بهجة الصيف ونزهاته، يستغلّون فرصة حلول الشتاء القارس للخروج إلى ساحات التزلّج التي هي بالأصل بحيرات متجمّدة. الراوي الذي يأتي من بلد لا يعرف هذه الأمور، يتخبّط كثيرًا رغم محاولات أصدقائه أن يعلموه كيفية التزلّج بطريقة صحيحة. حذاء الجليد هذا مربك. والحركة على الثلج صعبة، فما بالك بالانزلاق عليه والتحكّم في الخطوات في أثناء ذلك. مع تكرار الوقوع، يدوي صوت أحد المتزلجين ناصحًا المجموعة: علّموه أولًا كيف يقع. كيف يلمّ جسده عندما يختلّ توازنه. كيف يسقط على الأجزاء اللحيمة من جسمه، فيقلّ ألم الوقعة. يجدها الراوي فكرة لطيفة. يتعلّم كيف يقع، قبل أن يتعلّم كيف يتحرك. وهو ما يحدث بالفعل.

مرةً تلو الأخرى، يسقط مرةً تلو الأخرى. وفي كل مرة يسقط بطريقة أفضل من سابقتها. وعندما يتمكّن من مهارة السقوط هذه، ينتبه فجأةً إلى كونه قادرًا على التزلّج بحريّة الآن. لأنه يعرف بالضبط كيف سيدير الأمر لو اختل توازنه، دون أن يؤذي نفسه.

كانت حادثة تشيرنوبل عميقة الأثر، من ناحية مفاجأتها، ومساحة تأثيرها. بالإضافة إلى ذلك، فهي واقعة فريدة من نوعها. لم يكن لدى المسؤولين فكرة عمّا تعنيه كارثةٌ بهذا الحجم، ولا نقاط تصرّف أساسية لمثل هذه الظروف. كانت هذه مساحة تصلح للارتجال.

يحمل عنوان الحلقة الأخيرة من المسلسل Vichnaya Pamyat -وهو تعبير أوكراني، يمكن ترجمته إلى: الذكرى الأبدية- تعبيرًا دقيقًا عمّا حدث في تشيرنوبل، وعن آثار هذا الحدث خلال الفترة الأخيرة. هي ذكرى قائمة في وعينا، لأن تكرار تشيرنوبل احتمال ممكن دائمًا. هذا الخليط من العجرفة والجهل والاندفاع، يُنتج في العادة كوارث كهذه. والاستثناءات بالفعل قليلة.

من الممكن قراءة قصة المخزنجي عن السقوط بأكثر من طريقة وتأويل. وهي في ذاتها تحمل -كعادة القصص الجيّدة- أفكارًا تنتمي إلى مساحة واسعة للغاية من الوجود الإنساني. لكنني أجدها التمثيل الأفضل لثيمة المجموعة بأكملها. وما كان المخزنجي يحاول قوله عبر القصص المتوالية فيها، أنه من الواجب علينا أن نتعلّم ونفكر في تهيئة أنفسنا لو سارت الأمور عكس ما ينبغي، وماذا سنفعل في التعامل مع الآثار الجانبية، قبل أن نركض باندفاع مجنون تجاه قوة مرعبة مثل الطاقة النووية؛ لأننا لن نتحمّل كُلفة الخسائر، ولأن كلفة الكذب -وهنا يظهر المسلسل وسرديته- هي الانهيار، وحسبما يقول صوت «ليجاسوف» في الحلقات الأخيرة، لا تقتصر كُلفته على أننا نُغفل الحقيقة مرة. لكن أن الكذب المتكرر، يجعلنا في النهاية نفقد أي قدرة ممكنة على تمييز الحقيقة، حتى حين نراها.

كل هذه القصص، والمحاولات الدرامية للتعامل مع الحادث، تخبرنا كذلك أن علينا أن نعرف أكثر عن الحقيقة. المحاولات التخييلية، والقصص والروايات أمور عظيمة لفهم الشعور والتفكير في مساحات أعمق من المشاعر البشرية، لكنها بحكم طبيعتها، وطبيعة الاختصار والاختزال والتكثيف، لا تنقل صورة دقيقة عن الحادث. وتكون الكارثة الحقيقيّة، هي أن تختفي الحقائق وما حدث فعلًا، وسط كل هذه المحاولات الأدبية والدرامية، وتصبح الأعمال الفنية هي تصوُّرنا الوحيد عما حدث.