"كنت أشعر بالقلق من الغد، ودائمًا ما كان ينتابني الخوف من هذا المجهول، كل مشاجرات والديَّ كانت تحدث في المساء، وقبل أن أُهرع إلى فراشي، كنت أشعر بأن أسرتنا تعيش على صفيح ساخن وبأنني سأسمع خبر انفصال والديَّ كل صباح، لم أكن أدري ماذا سيكون مصيري فى خضمِّ هذا الجو المشحون الذى يسعى فيه كل طرف عند العراك لكسب الجولة".

بتلك العبارات عبرت "رشا" -أربعينية العمر وتعمل معلمة- عن معاناتها، هي وشقيقتها الكبرى، مع الحرمان العاطفي بسبب الخلافات المستمرة بين والديها.

تقول "رشا"، التي رفضت ذكر اسمها الحقيقي، في تصريحات لـ"للعلم": ربما شكلت هذه التجربة في مرحلة الطفولة أيامنا اللاحقة، وتحديدًا عندما شرعنا في تكوين أسرة، ربما حملنا معنا هذا الإرث الذي ترك بصماته على نوعية علاقتنا بشريكي حياتنا لكن بطريقة متباينة، حاولت شقيقتي تقديم كل التنازلات للطرف الآخر كي تتخلص من عقدة الرفض، أما أنا فكان حرصي شديدًا على الاحتفاظ باستقلاليتي، حاولت دومًا ألا أرتبط بالأشياء والأشخاص، وفي كلتا الحالتين لم تكن علاقتنا، أنا وشقيقتي، مع شركاء حياتنا علاقات صحية أو متوازنة أو على درجة عالية من الجودة، حاول كلٌّ منَّا التعامل مع ما واجهنا من سوء المعاملة في الطفولة على طريقته، لكننا فى الواقع ما زلنا نعاني.

تتفق تعبيرات "رشا" المقتضبة مع ما انتهت إليه دراسة نشرتها دورية شايلد أبييوز آند نيجليكت (Child Abuse & Neglect)، التي تتناول بالبحث قضايا تتعلق بـ"إساءة معاملة الأطفال وإهمالهم"، وأجراها فريق بحثي هولندي انتهى إلى أن "سوء معاملة الأطفال يرتبط في المستقبل بعلاقات أقل جودةً مع شركاء حياتهم".

قام الباحثون بتحليل بيانات 2035 شخصًا بالغًا اشتملت عليها "الدراسة الهولندية للاكتئاب والقلق" (NESDA)، وهي دراسة طولية هولندية بدأت عام 2008، وشارك فيها 2981 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 18 و65 عامًا، يعانون الاكتئاب و/أو اضطراب القلق، و907 من الأشخاص معرضون لخطر الإصابة بـ"الاكتئاب و/أو اضطراب القلق" بسبب وجود تاريخ عائلي للإصابة بمثل هذه الاضطرابات، و373 شخصًا سليمًا يمثلون "المجموعة الضابطة".

صدمة الطفولة

إذا كانت الأبحاث السابقة قد ذكرت أن إساءة معاملة الأطفال أو إهمالهم يمكن أن تؤدي إلى أنماط ارتباط غير آمنة في مرحلة البلوغ، فإن الدراسة الحالية تذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدةً أن "هذه المشكلات تنشأ في المقام الأول بسبب الاكتئاب الشديد المرتبط بصدمة الطفولة".

توضح منى شهاب –أستاذة علم النفس الإكلينيكي بجامعة "ليدن" الهولندية، والباحثة الرئيسية في الدراسة- أنه "من المرجح أن يعاني البالغون الذين لديهم تاريخ من سوء المعاملة في مرحلة الطفولة من عدم الثقة، والشعور بالابتعاد عن الآخرين، والارتباط غير الآمن الذي يؤثر أيضًا على جودة علاقاتهم بشركاء الحياة".

تقول "شهاب" في تصريحات لـ"للعلم": حاولنا ربط سوء معاملة الأطفال بالعديد من مشكلات الصحة العقلية، التي تتضمن الإصابة بالاكتئاب، والقلق، والإفراط في تناول الكحوليات، والتي قد تؤثر أيضًا على حياتهم الأسرية.

سوء المعاملة

يمثل سوء معاملة الأطفال قلقًا كبيرًا للصحة العامة، ولا يتوقف مصدره عند حدود أفعال الوالدين، بل يمتد ليشمل أفعال مقدمي الرعاية أيضًا، ويؤدي إلى إلحاق الضرر بالطفل أو التهديد المحتمل له، حتى لو كان هذا الضرر غير مقصود.

وغالبًا ما يتم التمييز بين أربعة أنواع من سوء معاملة الأطفال، هي: الاعتداء الجسدي، والاعتداء الجنسي، والاعتداء النفسي أو العاطفي، والإهمال.

ووفق تقديرات منظمة اليونسيف، فإن حوالي 300 مليون من الأطفال، يمثلون نحو 75% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و4 سنوات في جميع أنحاء العالم، يعانون من الإيذاء النفسي و/أو العقاب البدني داخل منازلهم من قِبل مَن يتولون رعايتهم، وأن حوالي ستة من كل عشرة أطفال تقدر أعمارهم بـ12 شهرًا في 30 دولة يعانون من التأديب العنيف، ويتعرض واحد من كل عشرة أطفال منهم -تقريبًا- للضرب أو اللكم في الوجه أو الرأس.

وتذهب تقديرات "اليونسيف" إلى أن "نحو 15 مليون فتاة مراهقة حول العالم -تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عامًا- تعرضن لممارسة الجنس القسري أو غيره من الأفعال الجنسية القسرية في حياتهن، وأن 90% من المراهقات اللاتي تعرضن لممارسة الجنس بالإكراه في 28 دولة من الدول الأعضاء بالمنظمة ذكرن أن مرتكب الحادثة الأولى كان شخصًا يعرفونه".

علاقات غير آمنة

في الدراسة الحالية، ركز الباحثون تحليلهم على المشاركين الذين قدموا بيانات حول مدى جودة علاقاتهم الحميمة وأنماط ارتباطهم ضمن تقييم المتابعة الذي امتد لمدة 9 سنوات؛ إذ حلل الباحثون بيانات 2035 بالغًا -كانوا على علاقة حالية أو سابقة بشركاء حياة- تتراوح أعمارهم بين 18 و65 عامًا؛ بهدف التحقق من ارتباط إساءة معاملة الأطفال بالعلاقات الأسرية غير الآمنة وبنوعية العلاقات الحميمة في المستقبل، وعلاقة ذلك بالاكتئاب والقلق والإفراط في تناوُل الكحوليات.

شدة الاكتئاب

واعتمد الباحثون أيضًا على العديد من الاختبارات التي تُستخدم على نطاق واسع لقياس شدة الاكتئاب، مثل "التقرير الذاتي لأعراض الاكتئاب" (IDS-SR)، و"اختبار تحديد اضطرابات تعاطي الكحول"، و"مقياس بيك للاكتئاب"، الذي يتكون من 21 سؤالًا متنوعًا ما بين الأعراض والمواقف اليومية الشائعة التي يمكن أن تحدث بين الأشخاص المصابين بالاكتئاب، مثل الحالة المزاجية، والعزلة الاجتماعية، واضطراب النوم، وغيرها من المواقف.

وضمت عينة البحث، التي حلل الباحثون بياناتها، 1348 من الإناث بنسبة بلغت 66.2٪، في حين بلغت نسبة الذكور 33.8٪، وبلغت نسبة الأشخاص الذين ارتبطوا بعلاقات حميمة 87.9%، تنوعوا ما بين (68%) مرتبطين بعلاقة مع شركاء حاليين، و(16.1%) انفصلوا عن شركاء حياتهم، و(3.5%) توفي شركاء حياتهم، ووفق الدراسة، فقد أبلغ 78% من المشاركين عن تعرُّضهم لتاريخ من الاكتئاب أو القلق.

وفيما يتعلق بالمعاناة من الإساءة والإهمال، أوضحت تحليلات البيانات أن 33.1٪ من المشاركين عانوا من الإهمال العاطفي مرةً واحدةً على الأقل، و20.0٪ تعرضوا للإيذاء النفسي مرةً واحدةً على الأقل، و4.3٪ تعرضوا للإيذاء الجسدي مرةً واحدةً على الأقل، و4.7٪ تعرضوا للاعتداء الجنسي مرةً واحدةً على الأقل، بينما تعرض الباقون لأكثر من شكل من صور الإساءات، وفق "شهاب".

كما عمل الباحثون على تقييم سوء معاملة الأطفال في السنة الرابعة من المتابعة، وتقييم شدة الاكتئاب وشدة القلق في السنوات الأولى والثانية والرابعة والسادسة، وتقييم الإفراط في شرب الكحوليات في السنوات الثانية والرابعة والسادسة، وتقييم أنماط التعلق غير الآمن ونوعية العلاقات الحميمة في السنة التاسعة من الدراسة.

أنماط التعلق

تقول "شهاب": يسعى البالغون الذين يشعرون بالأمان في علاقتهم الأسرية إلى تحقيق توازن بين التقارب مع شركاء الحياة والاستقلالية، أما الأفراد الذين لا يعايشون هذا الشعور، فتكون لديهم أيضًا رغبة في إقامة علاقات حميمة، لكن الخوف من أن تؤدي العلاقة الحميمة إلى الحد من استقلاليتهم يدفعهم إلى الابتعاد عن شركاء حياتهم.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن المشاركين الذين لديهم تاريخٌ من سوء المعاملة يعانون أيضًا من اكتئاب وقلق أكثر حدة، كما أبلغ هؤلاء الأفراد عن علاقات أسرية منخفضة الجودة ومستويات أعلى من العلاقات غير الآمنة، و"التعلق القلِق" بأنماطه المختلفة.

ونظرية التعلق من أكثر النظريات التي شهدت رواجًا كبيرًا في الساحة العلمية العالمية في السنوات الأخيرة، وتقوم على دراسة أنماط التعلق لدى الطفل، التي تظهر من خلال طبيعة العملية التفاعلية بين الطفل ومَن يتولون رعايته، وهي -وفق أتباع هذه النظرية- أربعة أنماط، أولها "التعلق الآمن"، أما الأنماط الثلاثة الأخرى فهي غير آمنة، ويتمثل النمط الأول غير الآمن في "التعلق القلِق التجنبي"، الذي يحدث عندما لا يتم إشباع حاجة الطفل إلى الارتباط والقرب الجسدي بصورة تجعله يحس بأن تعبيره عن مشاعره سيُرفض من جانب مَن يقومون على تربيته وبالتالي يتجنب التقرب منهم أو إظهار مشاعره لهم، أما النمط الثاني فيُعرف بـ"التعلق القلق المتردد-المقاوم"، ويتصف بإفراط الشخص في الاعتماد على الآخرين في طلب المساعدة، مع صعوبة قدرته على تكوين علاقات معهم، أما النمط الثالث فيتمثل في "التعلق القلق المشوش" أو "الفوضوي"، والذي يتسم سلوك الفرد فيه بنفي أهمية الحب وتفادي تفاعلات المواجهة مع الآخرين.

جودة العلاقة

اختبر الباحثون مساراتٍ مختلفةً لمعرفة علاقة هذه العوامل بعضها ببعض، وعند التحكم في الجنس والعمر ومستوى التعليم، وجدوا أن العلاقة بين سوء المعاملة والعلاقات الحميمة ذات النوعية الرديئة ترتبط بالتعلق غير الآمن وشدة الاكتئاب.

تضيف "شهاب": بعض الأفراد الذين أبلغوا عن تعرُّضهم لسوء المعاملة في أثناء الطفولة قد يصابون بمزاج متدنٍّ وأعراض اكتئابية أخرى، ويصبحون أكثر اعتمادًا على الآخرين وغير واثقين بأنفسهم، ويواجهون مزيدًا من الضيق فيما يتعلق بالعلاقة الحميمة، مما يؤثر على جودة العلاقة في وقتٍ لاحق، كما يؤدي "التعلق القلق التجنبي" إلى علاقات ذات جودة أقل، إذ يميل الشركاء الذين يعانون من هذا النوع من التعلق إلى رفض العلاقة الحميمة، ويجدون صعوبةً في الثقة بالآخرين والاعتماد عليهم.

وتتفق نتائج الدراسة مع أطروحة سابقة أجراها باحثون بجامعة "نورث تكساس" الأمريكية على 285 طالبًا جامعيًّا في علاقات مواعدة، مشددةً على أن "سوء المعاملة العاطفية في مرحلة الطفولة يؤثر على أنماط التعلق غير الآمن في مرحلة البلوغ، مما يؤثر على جودة بدء العلاقات".

كما تشير دراسة سابقة أخرى إلى أن "مشكلات الصحة العقلية قد تؤدي دور الوسيط في العلاقة بين سوء معاملة الأطفال ونوعية العلاقات الحميمة"، مؤكدةً ضرورة "وضع برامج تتناول دعم مَن يتعرضون للاعتداء الجسدي والنفسي والجنسي من شركاء حياتهم".

من جهتها، تؤكد ندى أبو المجد -استشاري الأمراض النفسية والعصبية- أن "السنوات الأولى من الطفولة بمنزلة مراحل نمو نفسي؛ إذ تتكون شخصية الطفل خلال هذه الفترة، لذا فإن الطفل الذي يُعامَل بشكل جيد يستوفي كل احتياجاته اللازمة وينشأ نشأةً سليمةً تُشعره بالأمان، والارتباط بالعائلة والشعور بالثقة بالنفس".

التنشئة السليمة

تقول "أبو المجد" في تصريحات لـ"للعلم": تنعكس التنشئة السليمة على شخصية الطفل في سن البلوغ، بحيث يصبح أكثر قدرةً على إقامة علاقات -سواء زواج أو صداقات- على درجة عالية من الثبات والجودة، وذلك لأن شخصيته تتسم بالتوازن، ولا يعاني  من اضطرابات المزاج أو القلق أو الاكتئاب.

وتضيف: في المقابل، نجد أن الأطفال الذين تجري تنشئتهم في كنف آباء متسلطين أو عنيفين تكون شخصيتهم مذبذبة، ويعانون من تقلب مزاجي، ويكونون عرضةً للعديد من الأمراض مثل الاكتئاب والرهاب النفسي، وتكون لديهم مشكلات بخصوص التعلق بالأشخاص أو الارتباط بأشياء؛ إذ إن منطقة الأمان بالنسبة لهؤلاء الأشخاص تتوقف عند حدود المساحة التي يعيشون فيها باستقلالية ولا يرتبطون فيها بأشخاص أو أشياء.

وترى "أبو المجد" أن الدراسة عانت من عدة نقاط ضعف، أهمها أن تقييم سوء معاملة الطفولة تم بأثر رجعي، ما يعني أن التحيُّز في الاسترجاع، والذي قد يؤدي إلى المبالغة في التقدير أو التقليل من مقدار سوء المعاملة التي تعرَّض لها المشاركون في طفولتهم ونوعه، قد يتفاقم تحت تأثير معاناتهم من أعراض الاكتئاب، كما أن الجودة المنخفضة للعلاقة الحميمة قد تؤدي أيضًا إلى مزيد من القلق والتجنب من حيث أنماط التعلق، ما قد يؤثر على حيادية نتائج الدراسة.

لكن "شهاب" توصي في الوقت ذاته بـ"ضرورة أخذ النتائج التي توصلت إليها الدراسة بعين الاعتبار وطرحها على القائمين على مجالات التربية"، مضيفةً أن "تعريف الآباء والمعلمين -وكذلك عامة الناس- بالتأثير المدمر المحتمل لإساءة معاملة الأطفال على الرفاه العقلي وعلاقاتهم الحميمة المستقبلية، يمكن أن يعزز من فرص تقويم سلوكيات هؤلاء الأطفال وحمايتهم من السقوط في علاقات حميمة غير سوية".