يصيب السرطان حوالي 300 ألف طفل سنويًّا حول العالم، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية. وتشمل الأورام الشائعة لدى الأطفال أورام الدم بنوعيه (سرطان الدم والليمفوما)، وأورام المخ، وكذلك بعض أورام الأنسجة الصلبة مثل النيوروبلاستوما (ورم الأرومة العصبية).

وينقسم سرطان الدم -الذي تمثل معدلات الإصابة به نسبة الثلث من إجمالي حالات الإصابة بالسرطان لدى الأطفال- إلى عدة أنواع فرعية، أكثرها شيوعًا "سرطان الدم الليمفاوي الحاد"، الذي يصيب خلايا نخاع العظام المسؤولة عن تكوين خلايا الدم المختلفة (كرات الدم الحمراء، وخلايا الدم البيضاء، والصفائح الدموية)، وهو ما يصيب الطفل بفقر الدم، وضعف المناعة والنزف من أماكن مختلفة من جسمه.

وعلى الرغم من أن هذا النوع من السرطان هو الأكثر شيوعًا لدى الأطفال، إلا أن الأخبار الخاصة به ليست كلها سيئة في ظل ظهور العديد من الخيارات العلاجية الجديدة، وخاصةً العلاج المناعي.

ويعتمد العلاج المناعي على مساعدة الجسم ليتخلص بنفسه من السرطان عن طريق تقوية جهاز المناعة، إذ يتم استخدام مواد أو خلايا حية لعلاج السرطان، وقد نجح هذا النوع من العلاج في تغيير المعادلة الخاصة بعلاج العديد من أنواع السرطان خلال العقد الماضي، خاصةً في حالات علاج سرطان الجلد (الميلانوما)، وسرطان الرئة لدى البالغين.

وللأسف، لم تكن هذه الخيارات "ناجحة تمامًا في التعامل مع أورام الأطفال"، الأمر الذي يُرجعه الباحثون إلى أن هذه العلاجات تعمل ضد أنواع الأورام التي تحتوي على عدد كبير من الطفرات الجينية، ولا تنجح في الأورام التي تحتوي على عدد محدود منها، وهو الحال في معظم أنواع سرطانات الأطفال. لكن هذا الاعتقاد تغير وفق نتائج دراسة حديثة نشرتها مجلة "ساينس ترانسليشنال ميديسن" اليوم "الأربعاء"، 26 يونيو.

تعامل فعال

تشير الدراسة التي أعدها فريق من الباحثين الأمريكيين، إلى أن هناك دليلًا على أن جهاز المناعة الخاص بالأطفال المصابين بسرطان الدم الليمفاوي الحاد يستطيع تعرُّف خلايا السرطان لديهم والتعامل معها.

يقول بول توماس -الباحث بقسم المناعة بمستشفى سانت جود لبحوث الأطفال بالولايات المتحدة، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الأبحاث التي يتم إجراؤها لدراسة استجابة الجهاز المناعي للأورام تركز أساسًا على أورام البالغين التي تحتوي على عدد كبير من الطفرات (حوالي 100 طفرة)، ويتعرف جهاز المناعة عادةً على 2% فقط من هذه الطفرات"، موضحًا أنه ساد اعتقاد بأن جهاز المناعة بالجسم لا يستطيع تعرُّف الأورام التي تحتوي على عدد محدود من الطفرات (قرابة 10 فقط)، وبالتالي لا يمكنه التعامل معها.

الخلايا المناعية التائية

يضيف "توماس": قمنا بفحص نخاع العظام في أطفال مصابين بسرطان الدم الليمفاوي الحاد، ولديهم 10 طفرات فقط في الورم. وكانت معظم الخلايا سرطانية، وتحتوي على عدد محدود من الخلايا المناعية التائية CD8. واستخدمنا عدة طرق لدراسة هذه الخلايا المناعية، ووجدنا أنه على الرغم من قلة عدد الطفرات، فإن أغلبها جرى استهدافه بواسطة هذه الخلايا المناعية التي تكونت من أجل مقاومة الخلايا السرطانية.

وتُعَد الخلايا المناعية التائية CD8 خلايا فعالة في جهاز المناعة ضد أي ميكروب خارجي وكذلك ضد خلايا السرطان، وتوصف بأنها "الخلايا التائية القاتلة"؛ إذ تتعرف على خلايا الأورام من خلال مستضدات غريبة -تنتج بسبب وجود الطفرات داخل هذه الخلايا- توجد على سطحها لتهاجمها وتقتلها.

ويمثل عدد الطفرات (أو ما يُعرف بحمل الطفرات في الورم) في خلايا السرطان أحد العوامل التي ترتبط بالاستجابة للعلاج المناعي، وفق دراسة نشرتها مجلة نيتشر جينيتكس في يناير الماضي. ضمت عينة الدراسة، التي أجراها باحثون من "مركز ميموريال سلون كيتيرينج للسرطان" ومراكز أمريكية أخرى، حوالي 7000 مريض، مصابين بعدة أنواع من الأورام، حصل بعضهم على علاج مناعي والبعض الآخر لم يحصل على العلاج نفسه، أكدت نتائج الدراسة أن زيادة عدد الطفرات لدى المرضى الذين يحصلون على علاج مناعي ارتبطت بمعدل أعلى للبقاء على قيد الحياة لديهم.

من جهته، يقول محمود كامل -أستاذ الباثولوجيا الإكلنيكية والمناعة بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة– في تصريحات لـ"للعلم": على الرغم من شراسة مرض سرطان الدم الليمفاوي الحاد في الأطفال، إلا أنه قابل للعلاج، والمشكلة الرئيسية تتمثل في الحالات التي تنتكس؛ إذ ليس لديهم خيارات علاجية كثيرة.

ويضيف "كامل" أن "أحد الأسباب التي تساعد خلايا السرطان على البقاء هو قدرتها على الاختباء وخداع جهاز المناعة، ويعمل بعض أنواع العلاج المناعي على وضع علامة مميزة على خلايا السرطان، بحيث يتمكن جهاز المناعة من رؤيتها والتعامل معها، أما الأنواع الأخرى فتعمل على تقوية جهاز المناعة حتى يستطيع مواجهة خلايا السرطان".

 ويضيف: "يمكن للعلاجات المناعية أن تغير الكثير من قواعد اللعبة في تعاملنا مع أنواع السرطان المختلفة، خاصةً أن هذا العلاج سيكون موجهًا بشكل أفضل من العلاجات الحالية التي تؤدي إلى الكثير من الأعراض الجانبية".

خطوات مستقبلية

بدوره، يعلق "توماس" على الأمر، قائلًا: يمكننا القول إن نتائج دراستنا قلبت الطاولة رأسًا على عقب. ففي بحثنا، وجدنا أن الجهاز المناعي نجح في التعرف على 70 إلى 90% من الطفرات في سرطان الدم الليمفاوي الحاد في الأطفال وتكوين خلايا مناعية ضدها، وهو عكس المعتاد في الأورام الصلبة كما ذكرنا.

ويوضح أنهم يُرجعون هذا إلى ظاهرة تسمى "السيادة المناعية"، إذ يعتقدون أن خلايا المناعة حين تواجه عددًا كبيرًا من الطفرات أو المستضدات تختار بعضها فقط لتواجهها. ويستطرد: لكنها إذا واجهت خلايا تحتوي على عدد قليل من الطفرات، كما هو الحال في هذا النوع من سرطان الدم، فإنها تختار عددًا كبيرًا منها، مضيفًا أنهم يعتقدون أيضًا أن نوع الورم وسن المريض قد يكونان عوامل مؤثرة في استجابته المناعية للورم.

ويشدد "توماس" على أهمية النتائج التي توصل إليها فريقه البحثي، مضيفًا: "أثبتنا إمكانية استخدام العلاجات المناعية في الأورام التي تحتوي على عدد قليل من الطفرات".

ويختتم كلامه بالقول: نعتقد أن الأبحاث المستقبلية يمكن أن تعمل على تعديل وتعزيز دور جهاز المناعة في علاج سرطان الدم الليمفاوي الحاد لدى الأطفال. وقد نُجري مثلًا محاولة لزيادة قوة الاستجابة المناعية عن طريق زيادة الخلايا المناعية من نوع CD8، أو حتى إنتاجها وتعديلها في المعمل.