قبل أكثر من 50 عامًا، كلف الكونجرس الأمريكي مجموعةً من المراكز البحثية لعمل دراسة شاملة عن منظومة التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية، من ضمن الاتجاهات التي رصدتها تلك الدراسة الضخمة -والتي لا تزال مستمرةً حتى الآن- العلاقة بين التحصيل الدراسي ودخل الأسرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وجدت الدراسة أن فقر الطلاب يرتبط عكسيًّا بقدرتهم على التحصيل؛ فكلما زادت الضغوط الاقتصادية على أسرهم تراجع مستوى الطُّلاب التعليمي. تُعرف تلك المشكلة بفجوة الدخل والإنجاز، وهي مشكلة مجتمعية هائلة، ولكن لا يُعرف الكثير عن الآليات المعرفية العصبية أو البيولوجية التي قد تكون مسؤولةً عن العجز المرتبط بالدخل في التحصيل الدراسي.

الفقر والذاكرة العاملة

في هذا الإطار، تُظهر دراسة جديدة نُشرت نتائجها في دورية "نيتشر: كومينكيشن بيولوجي" أن فقر الأطفال يرتبط عكسيًّا بالذاكرة العاملة لديهم، مُشكلًا علاقة غير اعتيادية تُسبب -من خلال الضغط المزمن المرتفع في أثناء الطفولة- حدوث إجهاد مزمن يصنع "علامات بيولوجية" في الدماغ يُمكن أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا ليس بالذاكرة العاملة فحسب، بل أيضًا بعدد من العوامل المعرفية والآليات العصبية.

ففي الأطفال، حسبما رصدت الدراسة الجديدة، يُمكن أن ينجم عن الحالة الاجتماعية والاقتصادية اختلافات في مستوى الذكاء السيكومتري، وسعة الذاكرة العاملة، ومهارات القراءة، والأداء الأكاديمي... وبالطبع تكون تلك الاختلافات في صالح الأغنياء.

ويُعرف الذكاء السيكومتري بأنه عبارة عن مجموعة من القدرات المعرفية، إذ يُنظر إليه على أنه مزيج من القدرات المختلفة التي يمكن قياسها عن طريق الاختبارات المعرفية أو العقلية، مثل: الانتباه والسرعة والذاكرة والتخيُّل. وقد ظهرت نظريات الذكاء السيكومتري بناءً على البيانات المستمدة من اختبارات القدرات العقلية المختلفة، مثل التفكير المنطقي والقدرة على حل المشكلات وما إلى ذلك، محاولة فهم طبيعة الذكاء، وما هي أشكاله المختلفة، وكيف يمكن قياسه، وما إلى ذلك.

وهناك العديد من الأوراق العلمية التي تحمل دلائل قوية على وجود فجوة واسعة النطاق بين الدخل والإنجاز؛ فدخل الأسرة مؤشر قوي ومتسق لمؤشرات الإنجاز المتعددة، التي تتضمن الاختبارات الموحدة، والدرجات في المدرسة، والتحصيل العلمي، كما أنه مهم للنمو المعرفي للأطفال، فمواجهة الأسر لصعوبات اقتصادية كبيرة تحمل ضررًا كبيرًا للأطفال.

توقيع بيولوجي للذكاء

يُمكن تعريف فجوة الدخل والإنجاز بأنها ذلك التبايُن الكبير والمستمر في الأداء الأكاديمي أو التحصيل العلمي بين مجموعات مختلفة من الطلاب، مثل الطلاب من أصحاب الدخل المرتفع والمنخفض، والطلاب البيض والسود، أو الطلاب من فئة الأغلبية وفئة الأقليات.

تفيد نتائج دراسات سابقة أن تلك الفجوة تبدأ في الظهور في سن رياض الأطفال، ثم تزداد الهوة مع مرور الوقت وتتسارع عبر الزمن؛ فكلما طالت مدة تعرُّض الأطفال للفقر، ازدادت مستويات الإنجاز سوءًا، لكن لا تُخبرنا الدراسات العلمية عن العمليات الإدراكية العصبية التي تتأثر بفقر الطفولة، كما لا تُقدم في مجملها تناولًا للتفسيرات البيولوجية الأساسية التي ترصد علاقة الفقر بتدهوُر الأداء والتحصيل.

تعرض الدراسة الجديدة الارتباط بين الحالة الاجتماعية والاقتصادية للأطفال وذكائهم السيكومتري القابل للقياس، وتُظهر تحليلات الباحثين -على مجموعة من الأطفال اليابانيين بمتوسط أعمار 11.2 سنة- أن الحالة الاجتماعية والاقتصادية المرتفعة مرتبطة بزيادة في مستويات الذكاء السيكومتري، كما توضح النتائج أيضًا أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي العالي يرتبط بمقاييس ذكاء نفسي أعلى تم رصد توقيعها فسيولوجيًّا وبيولوجيًّا في خلايا الدماغ العصبية في منطقة التلفيق المغزلي، وهي جزء من الفص الصدغي وتؤدي دورًا رئيسيًّا في القراءة والكتابة والتعرُّف على الحروف.

المادة الرمادية

يكشف التصوير المقطعي المحوسب وجود تغييرات في هياكل دماغ الأطفال الصغار نتيجة اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية، تؤكد تلك الدراسات وجود اختلاف في كمية المادة الرمادية الموجودة في قشرة الفص الجبهي، والفص الصدغي الأيسر والمناطق المتعلقة بتعلُّم اللغات.

إلا أن نتائج الدراسات السابقة كانت غير متسقة بسبب حجم العينات الصغير، ولم تستطع تأكيد وجود ارتباطات بين الدخل الأسري المنخفض وحجم المادة الرمادية... حلت الدراسة الحالية تلك المشكلة.

تؤدي المادة الرمادية دورًا شديد الأهمية في أدمغتنا، فهي تتكون بشكل أساسي من خلايا عصبية ومحاور مائلة تمتد فيما بين تلك الخلايا وتحمل الإشارات بين الأعصاب، وتعمل على معالجة المعلومات والاستجابة للمنبهات، ولها دور كبير في عملية التعلم، يعني نقصان المادة الرمادية وجود صعوبات في التعلم والإدراك والاستجابة.. لكن، ما علاقتها بالذكاء؟

يقول الباحث في قسم الأعصاب الإدراكية ومعهد الشيخوخة بجامعة توهوكو اليابانية،هاكوري تاكويوشي، وهو المؤلف الأول لتلك الدراسة: إن المادة الرمادية تُسهم في تشكيل الهياكل العصبية الدماغية، وتؤدي دورًا رئيسيًّا في ذكاء الطفولة، "يُمكن أن يؤثر حجم المادة الرمادية على تبادل الإشارات في الدماغ".

الجذور الجينية للذكاء

لكن هناك العديد من الدراسات الأخرى التي تؤكد أن الذكاء موروث وله جذور في الجينات، يقول "تاكويوشي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن تلك الدراسة "ليست معنية بالذكاء الموروث"، فعلى الرغم من أن الذكاء يُمكن توريثه "كصفات الطول والوزن"، إلا أن "تاكويوشي" يقول إن هناك أبحاثًا تفيد "أن البيئة يُمكن أن تؤثر على الجينات" وكان ذلك هو المحرك الرئيسي لتلك الدراسة.

فقبل سنوات، وتحديدًا في عام 2008، خاض "تاكويوشي" نقاشًا مع أستاذه "كاواشيما"، خلال ذلك النقاش اتفقا على بدء مشروع يبحث في التطور الإدراكي العصبي للأطفال والعوامل المؤثرة فيه، يقول تاكويوشي: "لم نأخد الجينات ضمن الدراسة"، بل قررنا فحص مجموعة أخرى من العوامل، من ضمنها تأثير الوضع الاجتماعي والاقتصادي على الإدراك العصبي للأطفال.

وفي العام ذاته، بدأت التجربة التي استمرت طيلة 12 عامًا كاملة.

اختار الباحثون مجموعات كبيرة من الأطفال، وجرى تقسيمها وفق وضعها الاجتماعي والاقتصادي، ثم استخدموا أداة ثورية لقياس سُمك القشرة في المناطق الدماغية الأمامية للأطفال، وقياس حجم الحصين، واللوزة الدماغية.

كان جميع المشاركين أطفالًا يابانيين جرى اختيارهم من عامة السكان، في البداية، وزع الباحثون 29740 إعلانًا يلخص الهدف من الدراسة على مختلِف رياض الأطفال والمدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في محافظة مياجي باليابان.

بعد توزيع الإعلان، تلقَّى الباحثون اتصالات من 1423 من أولياء الأمور المهتمين عن طريق البريد، بعد ذلك، أرسل الباحثون بالبريد المعلومات التفصيلية عن الدراسة إلى هؤلاء الآباء، انخفضت أعداد المستجيبين؛ إذ اتصل بالباحثين 776 من الآباء والأشخاص الراغبين في المشاركة مرةً أخرى عبر البريد.

عمل الباحثون على فرز المعلومات الواردة إليهم من أولياء الأمور، واستبعدوا الأطفال الذين لديهم أي تاريخ من الأورام الخبيثة، أو صدمات الرأس مع فقدان الوعي لأكثر من خمس دقائق، أو اضطرابات النمو، أو الصرع أو الأمراض النفسية، ورهاب الأماكن المغلقة، وضعف رؤية الألوان، والزيارات الروتينية للمستشفى بسبب المرض أو الاضطرابات الخلقية، وغيرها من العوامل التي يُمكن أن تؤثر على نتائج الدراسة.

واستقر بهم المطاف على اختيار 285 طفلًا، بمتوسط أعمار 11.2 سنة، 138 منهم فتيان و147 فتاة.

تقنية تصوير ثورية

استخدم الباحثون أداة التصوير الموتر للانتشار، وهو نوع من أنواع الرنين المغناطيسي يُستخدم لوصف سلوك انتشار المواد في الجسم، لا سيَّما الدماغ.

استخدم الباحثون تلك التقنية لتصوير أدمغة جميع المشاركين بشكل عرضي (أيْ لمرة واحدة فقط)، ثم اختاروا 223 مشاركًا لإجراء تصوير طولي للكشف عن التغييرات في الدماغ.

في فحوص التصوير الموتر للانتشار ذات الطبيعية الطولية، يقوم الباحثون بفحص المشاركين بشكل متكرر مع مرور الوقت للحصول على بيانات التصوير في أكثر من نقطة زمنية، وتُعد تلك الطريقة ضروريةً لفهم التغيرات الوظيفية في أدمغة المشاركين.

وعلى طول السنوات الماضية، أظهرت الدراسة وجود ارتباطات بين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسر مع الخصائص المجهرية في أدمغة الأطفال اليابانيين؛ فتماشيًا مع الفرضيات، ارتبطت المستويات الأفضل في الوضع الاجتماعي عند أسر الأطفال بمستويات أعلى في الذكاء، تنعكس صورتها على البنية الدقيقة لأدمغة الأطفال، فمنطقة التلفيف المغزلي -المرتبطة بالذكاء- أظهرت نشاطًا أفضل على طول التجربة، كما أظهرت المناطق الأخرى -كالحصين والتلفيف اللساني والتلفيف المجاور للحصين- نشاطًا أفضل مقارنةً بالأطفال الذين يعيشون في عائلات أقل من الناحية الاجتماعية والاقتصادية.

كما أظهر التصوير الطولي أيضًا نشاطًا أفضل في الإدراك الاجتماعي -والذكاء العاطفي على سبيل المثال- للأطفال الأغنياء مقارنةً بالفقراء، علاوةً على تحسينات في المناطق المسؤولة في الذاكرة العاملة، والأداء المعرفي.

وعلى الرغم من أن الدراسة الحالية عبارة عن دراسة مراقبة طولية على مدار سنوات، إلا أنه من الصعب التنبؤ بالأسباب الكامنة وراء كون أطفال الأغنياء أكثر ذكاءً من نظرائهم الفقراء، غير أن "تاكويوشي" يقول إن "التغذية" قد تكون السبب.

فالعديد من الدراسات السابقة تعتبر التغذية الجيدة والكافية عاملًا أساسيًّا لتطورنا العصبي المعرفي، على حد قول تاكويوشي.

مقياس يُعزز النتائج

لم تكتف الدراسة بالنظر في نتائج المسوح الدماغية باستخدام التصوير الموتر للانتشار، بل استطاع الباحثون أيضًا تأكيد نتائج التصوير باستخدام مقياس للذكاء يسمى WAIS-III، وهو أحد مقاييس الذكاء المعترف بها في جميع أنحاء العالم.

لدى هذه الدراسة عدد قليل جدًّا من القيود، فهي دراسة رصدية طولية وليست دراسة تدخل، تختلف دراسات التدخل بشكل كُلي عن الدراسات الرصدية؛ فالأولى مُصممة لتقييم الآثار المباشرة لحجم المشكلة أو التدابير الوقائية التي يمكن عملها لمنع المشكلة من الأساس، أما الدراسات الرصدية فتُعنى -كما يوحي اسمها- برصد المشكلة بشكل محايد دون التدخل فيها أو محاولة علاجها.

وهذا يعني أن نتائج تلك الدراسة على درجة عالية من الموثوقية، على حد قول مدير برنامج التطوير العاطفي وأستاذ طب نفس الأطفال بجامعة واشنطن، جوان لوبي، التي لم تُشارك في الدراسة.

وتُشير "لوبي" إلى أن النتائج "لا تُشكل الكثير من المفاجآت"؛ فالفقر "يؤثر سلبًا على نمو أدمغة الأطفال".

تقول "لوبي": إن العديد من الدراسات السابقة رصدت تأثيرات الفقر على حجم الحصين، وأكدت أن التعرُّض للفقر في مرحلة الطفولة المبكرة "يؤثر ماديًّا على نمو الدماغ في سن المدرسة"، ما يؤكد "الآثار المؤذية للفقر على نمو الطفل".

إلا أن الجديد الذي قدمته هذه الدراسة، وفق "لوبي"، هو تقديم دليل جديد "مادي" عبر استخدام تقنية التصوير الموتر للانتشار، "قدمت تلك الطريقة دليلًا مهمًّا يرتكز على حجم المادة الرمادية وتغييرات النشاط في الدماغ"، وتشير "لوبي" إلى أن ذلك الدليل "تآزر" مع استخدام اختبار الذكاء، "ما يجعل تلك الدراسة عصيةً على نكران نتائجها".

يأمل "تاكويوشي" أن تُستخدم نتائج تلك الدراسة في محاولات من شأنها تقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ فالأمر لا يتعلق بامتلاك الأموال والعقارات والأراضي فحسب، بل يصل إلى أحد مكونات الوجود البشري المهمة.. الذكاء.