كشفت دراسة مصرية حديثة أن اختبارات رسم المنزل والشجرة ورسم الشخص لذاته يمكنها الكشف عن تحسُّن مستوى التوافق وتنمية مهارات الأطفال المصابين بـ"متلازمة داون"، التي تظهر كإعاقة ذهنيّة.

واعتمدت الدراسة[i]، التي نشرتها دورية "علم النفس"، على تتبُّع حالة ثلاثة أطفال مصابين بـ"متلازمة داون"، وجميعهم يتبعون مؤسسة "بهجة للإرشاد النفسي وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة" بمدينة قويسنا في محافظة المنوفية (بدلتا مصر).

برنامج لتنمية المهارات

وخضع الأطفال الثلاثة (ولدان وبنت) لبرنامج خاص لتنمية المهارات اعتمد على ثلاث مراحل، وطُلب منهم في كل مرحلة رسم صورة لذاتهم وأخرى لمنزلهم وثالثة للشجرة، وجرت دراسة حالة كل طفل قبل خضوعه للبرنامج التدريبي للتعرُّف على حالته من خلال تقييم رسوماته في تلك المرحلة، وكذلك تقييم تلك الرسوم في أثناء خضوعه لبرنامج تأهيلي امتد لـ3 أشهر، ثم تقييم حالته بعد الانتهاء من برنامج تطبيقي آخر امتد لـ3 أشهر وانتهى بتقييم رسومات الأطفال الثلاثة، ما وفر للباحثين فرصةً لدراسة رسومات الأطفال الثلاثة "قبل تطبيق البرنامج وفي أثنائه وبعده".

يقول عادل كمال خضر -أستاذ علم النفس الإكلينيكي والتحليل النفسي في كلية الآداب بجامعة بنها، والمشرف على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن البرنامج ساعدنا على أن تكون لدينا رسومات للمنزل والشجرة والذات لكل حالة من عينة البحث خلال المراحل الثلاث من عمر الدراسة، وتَبيَّن من النتائج الأثر الإيجابي لبرنامج تنمية المهارات المطبق على أطفال متلازمة داون، وهو ما انعكس على رسوماتهم لذواتهم ولمنازلهم وللأشجار".

ويضيف "خضر": بالنسبة للمنزل، اتضح من رسم المنزل لدى الحالات الثلاث أن رسوم الأطفال قبل خضوعهم للبرنامج تضمَّنت بعض المؤشرات الدالة على سوء التوافق، مثل حذف التفاصيل الأساسية كالأبواب والنوافذ، ورسم المنزل بحجم صغير، لكن الأمر تطور في أثناء خضوعهم للبرنامج التدريبي؛ إذ تضمَّنت رسوماتهم ظهور تلك التفاصيل، إضافةً إلى ظهور الاهتمام برسم "أسقف" المنازل. أما عقب الانتهاء من البرنامج التدريبي، فقد أصبح حجم المنزل متناسقًا مع حجم الصفحة التي يستخدمها الأطفال في الرسم، وكانت الرسومات في منتصف الصفحة، كما ظهر اهتمام الأطفال برسم قاعدة المنزل، بصورة تعكس زيادة التوافق بين الطفل والبيئة المحيطة به".

وفيما يتعلق برسم الشجرة، شهدت حالة الأطفال الثلاثة تطورًا كبيرًا؛ ففي مرحلة ما قبل الخضوع للبرنامج، حذف الأطفال التفاصيل الأساسية للشجرة، وتجاهلوا رسم أوراق الشجرة واكتفوا برسم فروع قليلة ومتناثرة، وكانت الأشجار صغيرة الحجم مقارنةً بحجم الصفحة التي يرسمون عليها، في إشارة إلى عدم قدرة الأطفال على التوافق مع البيئة المحيطة بهم.

وفي المرحلة الثانية، ظهرت بعض المؤشرات الانفعالية الدالة على التوافق النسبي، مثل رسم فروع أكثر مما في الرسم الأول، ووجود تناسُب بين حجم الجذع والفروع، فضلًا عن ظهور تناسُب بين حجم الشجرة وحجم صفحة الرسم.

أما في مرحلة ما بعد انتهاء البرنامج، فزادت العلامات الدالة على تَوافُق الأطفال مع الواقع من خلال تضمين الرسوم لأوراق الشجر، وأحيانًا الثمار، ووجود تَناسُب أكثر وضوحًا بين حجم الجذع والفروع وحجم صفحة الرسم.

 وبالنسبة للرسومات التي رسمها الأطفال لأنفسهم، فقد شهدت هي الأخرى تطورًا كبيرًا؛ إذ اتسمت في البداية بوجود علامات دالة على سوء التوافق، كحذف ملامح الوجه، وأحيانًا الجذع والأطراف، ورسم الأشخاص لأنفسهم بأحجام صغيرة منزوية في أحد أركان الصفحة، وعدم الاهتمام بتوضيح الأطفال لجنسهم.

وتطور الأمر في المرحلة الثانية؛ إذ ظهرت مؤشرات تدل على تحسُّن التوافق، كاهتمامهم برسم ملامح الوجه والجذع والأطراف، وهو الأمر الذي تطور بصورة كبيرة في المرحلة الثالثة، إذ زاد اهتمام الأطفال بإبراز تفاصيل ملامح الوجه والجذع والأطراف، وكان هناك اهتمام واضح بإظهار الملابس، فضلًا عن إدراك عينة البحث للفروقات الجنسية بينهم وبين غيرهم، مما عُدَّ مؤشرًا على تحسُّن التوافق بين الأطفال والبيئة المحيطة بهم.

يقول "خضر": إن الدراسة على جانب كبير من الأهمية، وهي دراسة طولية اعتمدت على برنامجين استغرق كل واحد منهما 3 أشهر، كما تضمنت ثلاثة تقييمات بدأت بتقييم لمرحلة الطفل قبل خضوعه لأي برامج تدريبية، ثم تقييم حالته بعد الخضوع لبرنامج تأهيلي، ثم تقييم حالته بعد إنهائه للبرنامج التطبيقي الثاني، ما يجعلنا نوصي المتخصصين في مجال تنمية المهارات وتعديل السلوكيات الخاصة بالأطفال المصابين بـ"متلازمة داون" على استخدام اختبارات الرسم (وتحديدًا بالنسبة للشجرة والمنزل والصورة الشخصية) باعتباره وسيلةً سهلةً وسريعةً ودقيقةً تساعدهم على تَعرُّف مدى التوافق الشخصي والاجتماعي لهؤلاء الأطفال، وتحديد مدى التحسُّن الذي يطرأ عليهم بعد إخضاعهم لبرامج تنمية المهارات وتعديل السلوك.

من جهتها، تقول "ياسمين رضا زكي" -الباحثة المشاركة في الدراسة والحاصلة على ماجستير علم النفس الإكلينيكي والأخصائية النفسية- في تصريحات لـ"للعلم": "يمكننا القول بأن الأطفال، بشكل عام، يعبِّرون بالرسم و"الشخبطة" قبل أن يتعلموا الكلام، والرسم هنا أسلوب لتكيُّف الأطفال مع البيئة؛ إذ يسجل الطفل صراعاته وما يعانيه ومدى توافقه مع البيئة المحيطة به"، موضحةً أن "الرسوم تُعَد مرآةً تعكس المشاعر الاجتماعية للطفل وعلاقاته بالآخرين؛ إذ يعبر الطفل عن شخصيته بأسلوب حر طليق وبتعبيراته الخاصة به، وهي تعبيرات تنبع من منطقه الخاص، ولا تقوم بناءً على القواعد والقوانين التي يخضع لها البالغون، كما تخلق الرسوم جسرًا بين الطفل والعالم الخارجي وتعكس حالته المعرفية والانفعالية".

وأوضح الباحثون أن رسوم الأطفال تحمل تطورًا[ii] دالًّا ومنتظمًا، بما في ذلك الرسوم التي بدت للوهلة الأولى غيرَ هادفة؛ إذ ساعدت على توضيح نمو قدرة الأطفال على السيطرة على الخطوط والأشكال، كما أنها تُعَدُّ تعبيرًا عن الانفتاح التدريجي لعقل الطفل على العالم الخارجي.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول قلة عدد أطفال العينة، قال "خضر": "إن الدراسة اعتمدت على منهج دراسة الحالة، وهو منهج متعارف عليه في علم النفس لا يعتمد على استخدام المعالجات الإحصائية، ويسمح بأن تعتمد الدراسة على عدد قليل من عينة البحث (حتى لو كانت فردًا واحدًا)، بما يضمن تتبُّع الحالات الخاضعة للدراسة بصورة أكثر دقة"، مشددًا على أن "تتبُّع ثلاث حالات فقط يزيد من قيمة الدراسة ولا يقلل منها، وهو عدد متوافق مع طبيعة دراسات الحالة"، مضيفًا أن الدراسة استغرقت أكثر من عام، واعتمدت على التمويل الذاتي للباحثين".

الشعور بالعزلة

وسبق أن أجرى فريق من الباحثين في جامعة "أوسلو" النرويجية دراسة تحت عنوان "العلاقة بين الإخوة في أسر لديها أطفال ذوي احتياجات خاصة"، واعتمدت الدراسة -التي أُجريت على أسرة نرويجية لديها طفلة مُصابة بـ"متلازمة داون"- على استخدام الرسوم والمقابلات المباشرة لفهم طبيعة العلاقات داخل الأسرة.

وتكونت الأسرة من 6 أفراد (أب وأم وولدان أعمارهما 10و7 سنوات، وطفلة طبيعية عمرها 5 سنوات، وطفلة مصابة بمتلازمة داون عمرها 11 عامًا).

وأظهرت نتائج رسوم الإخوة أنشطةً دالةً على المرح والضحك والابتسام والتسلية، كلعب الكرة والتزلج على الجليد، وكانوا يعلقون على رسومهم دائمًا بقول: (نلعب معًا)، في إشارة إلى تمتُّعهم بالحياة في مناخ أسري يقوم على الترابط.

وفي المقابل، فإن الطفلة المُصابة بـ"متلازمة داون" اكتفت برسم نفسها–ومعها شقيقتها الصغرى فقط-فيملعب، وعزلت باقي أفراد الأسرة عن طريق وضعهم في جانب داخل المنزل، كما رسمت جميع الوحدات صغيرة الحجم وفى أعلى صفحة الرسم، وأحدثت تجزئةً غير مباشرة؛ إذ رسمت نفسها مع أختها ووالدتها فى أعلى يسار الصفحة، ورسمت والدها وشقيقيها الذكور فى أعلى يمين صفحة الرسم، وهو الأمر الذي تكرر في رسومها، بصورة تشير إلى اضطراب علاقتها بأفراد أسرتها.

العلاقة بالأمهات

ولا يتوقف الأمر عند حدود استخدام الرسوم في التعرُّف على حالة الأطفال المصابين بـ"متلازمة داون"، بل يمتد إلى أمهات هؤلاء الأطفال، وهو ما تشير إليه دراسة نُشرت عام 2007 تحت عنوان "العلاقة بين أطفال متلازمة داون وأمهاتهم كما تنعكس فى رسومهم".

وتكونت عينة البحث من 20 سيدة (بينهن 10 أمهات يعاني أطفالهن من "متلازمة داون"، و10 أخريات ليس لديهن أطفال مصابون بالمرض).

وأظهرت نتائج الدراسة أن "رسوم أمهات أطفال متلازمة داون يُكثرون من رسم خطوط تشبه الحواجز بينهن وبين أطفالهن، وذلك مقارنةً بالأمهات اللاتي ليس لديهن أطفال منغوليون".

كما أوضحت رسوم أمهات الأطفال المنغوليين وجود مساحات واسعة بينهن وبين أطفالهن، ما يعكس غياب التوافق النفسي بين هؤلاء الأطفال وأمهاتهم، لدرجة أنهن يعزلن أبناءهن عن طريق وضعهم فى فراش منفصل.

أما أمهات الأطفال الطبيعيين فقد رسمن أنفسهن بالقرب من أبنائهن، فضلًا عن أن الرسوم عكست مشاركتَهن أطفالَهن في أنشطة طبيعية، كإطعامهم أو تصفيف شعرهم.

نتائج مغايرة

لكن الأطروحة المصرية تتناقض مع ما انتهت إليه دراسة سابقة أجراها باحثان بجامعة "يورك" البريطانية على 17 طفلًا مصابًا بـ"متلازمة داون" لمعرفة مدى إمكانية تحقيق تحسُّن فيما يتعلق بقدرتهم على الرسم؛ وانتهت الدراسة إلى صعوبة تحقيق ما يمكن وصفه بـ"التطور الملحوظ" فيما يتعلق بهذه الرسوم.

وتُعرف "متلازمة داون" بأنها "اضطراب وراثي يسببه الانقسام غير الطبيعي في الخلايا، مما يؤدي إلى زيادة النسخ الكلي أو الجزئي في الكروموسوم 21. وتسبب هذه المادة الوراثية الزائدة تغيُّرات في النمو والملامح الجسدية، وتتفاوت "متلازمة داون" في حدَّتها بين المصابين بها، مما يتسبب في إعاقة ذهنية وتأخُّر في النمو مدى الحياة، كما أنها تؤدي إلى إعاقات التعلم لدى الأطفال، وتتسبب في حالات شذوذ طبية أخرى، مثل اضطرابات القلب والجهاز الهضمي.

وتتمثل أهم ملامح المصابين بـ"متلازمة داون" في الوجه المسطح والرأس الصغير والرقبة القصيرة والجفون المائلة إلى الأعلى وقصر القامة.

يُذكر أن نسبة الإصابة بمرض "متلازمة داون" أو "الطفل المنغولي"، الذي تشبه ملامحُ وجهه ملامحَ الوجه الآسيوي، في مصر تتفاوت بالنسبة لحديثي الولادة من 1/1000 وحتى 2/1000، والمرض يمكن اكتشافه بتحليل كروموسومات السائل الأمنيوسي المحيط بالجنين. وتبدأ ملاحظته في الشهور الأولى، وتتراوح نسب ذكاء الطفل المصاب به من 40% إلى 80%، ولكن الاكتشاف المبكر للمرض واستخدام طرق التنبيه قد يساعد على رفع نسبة الذكاء إلى 100%.

 

[i] مجلة علم النفس، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد (119)، ص 57-81.

[ii].د عادل كمال خضر 2006- رسوم الأطفال وقيمتها النفسية والتربوية، مجلة علم النفس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العددان 71/ 72.