كشف "جول هوفمان" -عالم الأحياء الفرنسي الحاصل على جائزة نوبل في الطب لعام 2011 مناصفةً مع الأمريكي "بروس باتلر"؛ تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بـ"تفعيل الحصانة الفطرية- أن ما بين ٢٠ إلى ٣٠٪ من العائلات الفرنسية، ومن بينهم عائلات لأطباء، يرفضون تطعيم أطفالهم، مشددًا على "ضرورة تطعيم الأطفال من أجل حمايتهم من الأمراض الخطيرة".

وقال "هوفمان"، في مقابلة أجراها معه موقع "للعلم": "إن التطعيم أنقذ حياة مئات الملايين من البشر، خاصة من مرض الجدري الذي فتك بحياة مليار ونصف مليار شخص، وإن الهنود الحمر لم ينقرضوا بسبب تعرُّضهم لمذابح، بل بسبب تعرُّضهم لأوبئة قاتلة ومنها الطاعون"، والكلام لا يزال لـ"هوفمان".

ولا يختلف الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية عن فرنسا؛ إذ أظهرت بيانات "المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها" أن نسبة الإصابة بالسعال الديكي عام 2010 بلغت 27.550 حالة إصابة، مقارنةً بـ16.858 حالة في 2009 و7.867 حالة إصابة في عام 2000 و1.730 في عام 1980؛ فعلى الرغم من أنه يتم إعطاء الأطفال الأمريكيين عدة جرعات متتالية من التطعيمات للوقاية من السعال الديكي (في عمر شهرين وأربعة أشهر وستة أشهر و18 شهرًا ثم عامين وستة أعوام)، إلا أن 46 ولاية أمريكية تتيح للوالدين حق رفض تطعيم أطفالهم.

يقول "بول أوفيت" -مدير مركز اللقاحات التعليمي بمستشفى الأطفال في فيلادلفيا-: "إن حماية المجتمعات من الأمراض تتطلب ألا تقل نسبة مَن يتلقون التطعيمات عن 95% من إجمالي تعداد السكان، وإذا زادت نسبة مَن لم يتم تطعيمهم عن ٥٪، فإن هذا الأمر يعرض المجتمع للخطر، وهو ما دفع ولايات مثل واشنطن وكاليفورنيا وغيرها إلى إقرار تشريعات تحظر على الآباء عدم تطعيم أطفالهم إلا بعد إجراء مقابلات مع أطباء متخصصين في مجال المرض المراد الحصول على تطعيم ضده".

وربما كان غياب انتشار الأمراض المعدية في الدول المتقدمة، فضلًا عن طبيعة اللقاحات التي تعمل تلك الدول على تزويد مواطنيها بها سببًّا رئيسيًّا وراء تراجع معدلات الإقبال على تلقي اللقاحات في تلك الدول مقارنةً بدول "العالم الثالث".

تصريحات "أوفيت" و"هوفمان" حول عدم الإقبال على التطعيمات الوقائية في بلديهما، دفعتنا للتساؤل عن الحال بالنسبة لمصر، خاصةً أننا لا نمتلك القدر الكافي من الوعي بأهمية "الصحة العامة" مقارنةً بدولتين مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

وقد تَبيَّن أن تجنُّب المرونة التي تتيح للوالدين اختيار تطعيم أطفالهم من عدمه، في دولة كمصر ربما كان السر وراء ارتفاع معدلات التطعيم فيها، خاصة وأنها تتبع نظمًا إجبارية في مجال تطعيم الأطفال، من بينها "التطعيم داخل المنازل"، وتوفير فرق متحركة بالشوارع، مع وجود فرق ثابتة في المراكز الصحية ومكاتب الصحة، والوحدات الريفية ومراكز رعاية الأمومة والطفولة، وبجوار المساجد والكنائس والنوادي، وفي الأسواق ومحطات القطارات ومترو الأنفاق، ومواقف سيارات السفر والحدائق العامة؛ لضمان الوصول إلى الأطفال المستهدفين بالتطعيم؛ إذ تشير التقارير الحكومية إلى أن مصر تنفق مليارًا و200 مليون جنيه سنويًّا على التطعيمات.

ففي فبراير من العام الحالي 2018، أطلقت وزارة الصحة المصرية حملةً قوميةً ضد شلل الأطفال، استهدفت تطعيم حوالى 16.5 مليون طفل (مصريًّا وغير مصري تتراوح أعمارهم بين يوم وخمس سنوات)؛ بهدف رفع الحالة المناعية للأطفال دون الخامسة واستمرار الحفاظ على مصر خاليةً من مرض شلل الأطفال ومنع حدوث حالات "شلل رخو حاد"، وهي الإجراءات التي انتهت إلى إعلان منظمة الصحة العالمية في 2006 أن مصر باتت خاليةً من مرض شلل الأطفال.

وفي أكتوبر 2017، قامت وزارة الصحة المصرية بتطعيم مليونين و926 ألف طالب بالمرحلة الابتدائية ضد الديدان المعوية، التي تؤدي إلى آلام بالبطن مع قيء وإسهال وفقدان للشهية، بالإضافة الى فقدان للوزن، وأنيميا، وضعف عام مع قلة التركيز.

ما هي طبيعة التطعيمات؟

والتطعيمات هي "مواد حيوية بيولوجية يتم تصنيعها بطريقة معينة وفي ظروف معينة عن طريق أخذ البكتيريا (أو الفيروس المُمْرِض)، لتجري معالجتها بطريقة مخبرية فتكون غير ضارة بصحة الإنسان إذا ما دخلت جسمه؛ لتقوم بتنشيط الجهاز المناعي للطفل بإنتاج مجموعة من الأجسام المضادة القادرة على حماية الجسم من الأمراض والفيروسات بقية حياته".

ولهذه الأجسام المضادة قدرة عالية على مهاجمة أسباب الأمراض والفيروسات في جسم الطفل والتخلص منها؛ إذ يحتوي التطعيم على فيروسات وجراثيم ولكنها أُضعفت بحيث لا تكون خطيرة، ولكنها في الوقت نفسه تكون قادرةً على تحفيز جهاز المناعة في الجسم وتجعله يصنع أجسامًا مضادة لها.

يقول "محمد المالكي" -أستاذ طب الأطفال ورئيس وحدة المناعة بجامعة الزقازيق- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الهدف من التطعيم هو تحفيز جسم الإنسان أو الطفل لإنتاج مواد مضادة للفيروسات والأمراض، بحيث تمنع الطفل من الإصابة بتلك الأمراض في المستقبل أو تقلل من درجة الإصابة بالفيروس عند التعرُّض له".

ويضيف "المالكي" أن "أهم التطعيمات التي يتم تزويد الأطفال بها في مصر هي: الدرن، وشلل الأطفال، والتيتانوس، والدفتريا، والحصبة، والالتهاب الكبدي "ب"، والسعال الديكي، والحصبة الألمانية، والنكاف، وهي تطعيمات في غاية الأهمية؛ لأن عدم حصول الطفل عليها قد يؤدي إلى إصابته بأمراض خطيرة أو إعاقة مستديمة".

وعن التطعيمات غير الشائعة في مصر، والتي لا يحصل عليها غالبية الأطفال، يقول "المالكي": "إن هناك بعض التطعيمات غير المدرجة في جداول وزارة الصحة، ومنها تطعيم فيروس الروتا (السبب الأكثر شيوعًا لمرض الإسهال الحاد لدى الأطفال الصغار في جميع أنحاء العالم، ويؤدي إلى وفاة نحو 450 ألف طفل دون سن الخامسة سنويًّا حول العام، معظمهم من البلدان ذات الدخل المنخفض، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية).

كما لا توفر مصر أيضًا تطعيمات مضادة لمرض "المكورات الرئوية"، التي تنشأ عن "المكورات العنقودية الرئوية"، وهي بكتيريا تتسبب في الإصابة بعدد من الأمراض الشائعة التي تتراوح من الأمراض الخطيرة مثل التهاب السحايا وتسمم الدم وحالات الالتهاب الرئوي، إلى العدوى التي تكون أكثر اعتدالًا ولكنها أكثر شيوعًا مثل التهاب الجيوب الأنفية والتهاب الأذن الوسطى، وكذلك الفيروس المضاد للالتهاب الكبدي الوبائي "أ" والجديري المائي وفيروس "الورم الحليمي البشري".

لكن "المالكي" يعود ليؤكد توافر هذه التطعيمات في هيئة المصل واللقاح وبعض الصيدليات الخاصة، مشددًا على ضرورة العمل على توفيرها كتطعيمات إجبارية في المستقبل؛ لأهميتها الكبيرة في مكافحة كثير من الأمراض الخطيرة، ومنها فيروس "الورم الحليمي البشري"، إذ إن القضاء عليه يساعد على التخلُّص تمامًا من مرض "سرطان عنق الرحم".

التطعيم الثلاثي والتوحد

تسود تَخَوُّفات كبيرة العديد من الدول، بما في ذلك الدول المتقدمة، حول وجود علاقة بين الحصول على "التطعيم الثلاثي" من جهة، الذي يُعطَى لمنع إصابة الأطفال بالحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، والإصابة بمرض "التوحد" من جهة أخرى.

تعود القصة التي جعلت اللقاحات موضع تساؤل كسبب للتوحد إلى دراسة أجراها فريق من الباحثين بقيادة طبيب الجهاز الهضمي البريطاني "إيه جي ويكفيلد"، ونشرتها مجلة "ذا لانسيت" (The Lancet) الطبية البريطانية، ذكر فيها أن العدوى الدائمة بفيروس اللقاح سببت اختلالًا بنسيج الأمعاء، مما أدى بدوره إلى مرض الأمعاء وإلى مرض التوحد.

وهي الدراسة التي تمت مراجعات وثبت عدم صحتها، وسحبتها المجلة البريطانية الشهيرة عام ٢٠١٠، كما تم سحب ترخيص مزاولة مهنة الطب في بريطانيا من "ويكفيلد"، خاصةً أنها أدت إلى امتناع كثير من أولياء الأمور عن تطعيم أطفالهم خوفًا من إصابة أطفالهم بـ"التوحد"، وهو اضطراب في النمو العصبي يتجلى بشكل أساسي في قصور في السلوكيات الاجتماعية، وكذا في التصرفات النمطية المتكررة، ويؤثر على تطور الطفل العقلي، وعلى قدراته في التواصل والتفاعل مع الآخرين، وتظهر أعراضه في الأعوام الثلاثة الأولى من عمر الطفل.

لكن دراسات عدة نفت وجود أي علاقة بين "التطعيم الثلاثي" و"التوحد"، ومنها دراسة أجراها باحثون في "مركز مكافحة العدوى الأمريكي" في عام 2013؛ إذ انتهت الدراسة إلى أن "هذه التخوفات غير صحيحة".

واعتمدت الدراسة على فحص العديد من المضادات المناعية الموجودة في الجسم، والتي يتم استخدامها في تحضير التطعيمات لتحفيز الجهاز المناعي لإنتاج أجسام مضادة للفيروسات. ولم ترصد الدراسة أي اختلاف في عدد الأجسام المضادة لدى الأطفال المصابين بالتوحد وأقرانهم ممن تلقوا تطعيمات وغير مصابين بالتوحد.

وربطت الدراسة شائعة وجود علاقة بين "التطعيم الثلاثي" و"التوحد" باحتواء التطعيم على مادة "الثيميروزال"، التي تُستخدم كمادة حافظة للتطعيمات ضد التلوث، مشيرةً إلى عدم وجود أي علاقة بين احتواء التطعيمات على هذه المادة والإصابة بـ"التوحد".

ومادة "الثيميروزال" هي إحدى المواد الحافظة التي جرت إضافتها إلى بعض اللقاحات منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ويمثل الزئبق جزءًا أساسيًّا من تركيب تلك المادة التي يتم تحويلها في الجسم إلى "إيثيل الزئبق"؛ وهذا المركب يستطيع قتل البكتيريا ومنع نموها داخل اللقاح، وقد أشارت الملحوظات من خلال استعماله للحيوان والإنسان إلى فاعليته كمادة حافظة وأمانه في اللقاح، عدا ظهور تفاعُل موضعي بسيط مكان حَقْن اللقاح على الجلد.

معدلات التطعيم في مصر

وعن نسبة تطعيم الأطفال في مصر، يقول "أمجد عبد الحميد الحداد" -مدير مركز الحساسية والمناعة بهيئة المصل واللقاح- لـ"للعلم": "إن هناك نوعين من تطعيمات الأطفال في مصر، منها ما هو إلزامي ومنها ما هو غير إلزامي، والقانون المصري يجرِّم الممتنعين عن تطعيم أطفالهم بالتطعيمات الإلزامية التي توفرها الدولة ممثلة في وزارة الصحة، وحتى لو لم يكن ذلك الأمر مفعلًا، فإنه موجود".

ويضيف أن "نسبة الأقبال على التطعيمات الإلزامية تتجاوز حاجز الـ90%؛ والنسبة الباقية تتركز في المناطق البدوية والنائية، مثل مرسى مطروح وبعض المناطق في سيناء، التي لا توجد فيها رعاية صحية كاملة"، مشيرًا إلى أن "بعض اللقاحات يتم استيراده من الخارج من شركات عالمية، وبعضها الآخر يتم تصنيعه في مصر مثل لقاح التيتانوس".

ويُرْجِع "الحداد" ما ذكره "هوفمان" حول تدنِّي نسبة التطعيمات في الغرب إلى "ارتفاع فرص انتشار الأمراض المعدية في الدول النامية مقارنةً بالدول الغربية".

ويضيف: "من الطبيعي أن تكون نسبة التطعيمات لدينا أعلى من الدول الغربية، التي لم تعد تظهر فيها أي حالات للإصابة بمرض مثل شلل الأطفال، وهو الأمر الذي يتناقض مع الدول الأفريقية على سبيل المثال".