بنظرة واحدة إلى الوجه، يمكنك ببساطة أن تقرأ المشاعر الإنسانية للآخرين؛ فما يشعرون به يظهر بوضوح على وجوههم، من تعبيرات الفرح إلى الحزن وحتى الخوف والغضب، وتُعَد هذه العملية نقطةً محوريةً في تعاملاتنا مع الآخرين، خاصةً خلال المحادثات المباشرة.

لكن في المقابل، فإن التعرُّف على مشاعر الآخرين لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد يشكل تحديًا خاصًّا؛ إذ يفتقرون إلى هذه المَلَكة، خاصةً مع الغرباء، فهم يعانون عادةً من صعوبة في التعرُّف على الإشارات غير اللفظية، مثل تفسير تعبيرات الوجه للأشخاص، أو وضعية أجزاء الجسم أو نبرة الصوت ولهجته، ما يعوق تفاعلاتهم الاجتماعية، ويقودهم إلى قلّة الاهتمام بالحديث مع الآخرين أو التواصل البصري معهم.

لكن فريقًا بحثيًّا من جامعة فلوريدا أتلانتيك الأمريكية، كشف أن الأطفال المصابين بالتوحد يمتلكون قدرة التعرُّف على تعبيرات الوجه الإيجابية والسلبية بدرجة أكبر مما كان يُعتقد من قبل. اكتشف الباحثون، في دراسة نُشرت بدورية شيلد سيكاتري أند هيومان ديفلوبمنت أن الأطفال الذين يعانون من التوحد، يمتلكون مهارات معالجة عاطفية بارعة في التعرُّف على تعبيرات وجوه أمّهاتهم، وأنهم متناغمون تمامًا مع مشاعر أمهاتهم، مثلهم مثل الأطفال غير المصابين بالتوحد. وكانت هذه الدراسة قد اختبرت المهارات الاجتماعية -العاطفية، باستخدام وسيلة للتعرُّف على التعبيرات العاطفية للوجه، يمكنها أن تميز بين الوجوه غير المألوفة والوجوه المألوفة، عند الأطفال الذين يعانون من اضطرابات طيف التوحد، مقارنةً بنظرائهم من الأطفال الذين ينمون بشكل طبيعي.

أظهرت النتائج أن الأطفال الذين ينمون بشكل طبيعي كانوا أكثر كفاءةً في تمييز الوجوه بشكل عام، في حين أن أطفال المصابين بالتوحُّد تعرفوا على تعبيرات أصحاب الوجوه المألوفة بشكل أكثر دقةً من تلك الوجوه غير المألوفة. علاوةً على ذلك، لم يختلف الأطفال المصابون بالتوحد عن الأطفال الذين ينمون طبيعيًّا من حيث قدرتهم في التعرف على التعبيرات السعيدة، ولكن الأطفال المصابين بالتوحد كانوا أقل مهارةً في التعرُّف على التعبيرات السلبية.

ويبدأ اضطراب طيف التوحد في مرحلة الطفولة المبكرة، ويتسبب في نهاية المطاف في حدوث مشكلات على الصعيد الاجتماعي، في المدرسة والعمل، على سبيل المثال. وغالبًا ما تظهر أعراض التوحد على الطفل في غضون السنة الأولى، وتظهر بعض علاماته عليه، مثل قلة الاتصال بالعين، أو عدم الاستجابة للنداء باسمه، أو عدم الاكتراث لمقدمي الرعاية.

وقد ينمو أطفال آخرون بشكل طبيعي خلال الأشهر أو السنوات القليلة الأولى من عمرهم، لكنهم يصبحون فجأةً انطوائيين أو عدوانيين أو يفقدون المهارات اللغوية التي اكتسبوها بالفعل، وعادةً تظهر تلك العلامات عند عمر عامين. ويعاني بعض الأطفال المصابين بالتوحد من صعوبة في التعلُّم، وبعضهم لديه نسبة ذكاء أقل من المعتاد لدى نظرائه، ورغم أنهم يتعلمون بسرعة، إلا أن لديهم مشكلةً في التواصل وتطبيق ما يعرفونه في الحياة اليومية والتكيُّف مع المواقف الاجتماعية.

التعرف على وجوه الغرباء

وكانت دراسات سابقة قد تناولت مسألة قدرة مرضى التوحد من الأطفال والبالغين على تمييز مشاعر الوجه، وخاصةً لدى الغرباء، إلا أن النتائج كانت غير متناسقة بشكل كبير؛ لأن معظم الاختبارات تمت باستخدام صور غير مألوفة للمشاركين، مع نوعين فقط من تعبيرات الوجه هي "محايدة" و"عاطفية"، وذات نطاقات عمرية واسعة.

لكن الجديد في هذه الدراسة، التي أُجريت على مجموعة من الأطفال الذين يعانون من التوحد، بالإضافة إلى أطفال أصحاء، تراوحت أعمارهم بين 4 و8 سنوات، أنها ركزت على استخدام 5 من تعبيرات الوجه المتميزة، وهي: السعادة، الحزن، الغضب، الخوف، الحيادية؛ وذلك لاكتشاف قدرة المشاركين على التمييز بين التعبيرات الإيجابية والسلبية.

واستخدم المشاركون مهاراتهم في التعرُّف على عاطفة الوجه التي ظهرت على حدٍّ سواء من خلال وجوه مألوفة لهم كالأقارب أو غير مألوفة كالغرباء، وذلك لاختبار مدى تأثير الألفة على الأداء في هاتين المجموعتين من الأطفال، باستخدام حافز مألوف للمجموعتين وهو الأم.

واكتشف الباحثون أن الأطفال الذين يعانون من التوحُّد يعانون صعوبةً في التعرف على تعبيرات الوجه السلبية مثل الحزن والغضب، مقارنةً بالتعبيرات الإيجابية مثل السعادة والإثارة. لكن المفاجئ بالنسبة لفريق البحث، أنه اكتشف أن المصابين بالتوحد لديهم مهارات معالجة عاطفية بارعة، عند عرض وجوه أمهاتهم، بصورة تماثل الأطفال الأصحاء، كما لم تختلف المجموعتين في مهارات التعرف على تعبيرات الوجوه المألوفة. في المقابل، اكتشف الباحثون أن الأطفال الأصحاء كانوا أكثر قدرةً على تمييز تعبيرات الوجوه غير المألوفة لهم، مقارنةً بأقرانهم ممن يعانون من التوحد، خاصةً بالنسبة للمشاعر السلبية مثل الخوف والحزن.

"ناثانيل شانوك"، قائد فريق البحث بكلية تشارلز شميدت للعلوم في جامعة فلوريدا أتلانتيك: "على حد علمنا، هذه أول دراسة تكتشف أن الأُلفة عاملٌ رئيسي في تعرُّف الأطفال المصابين بالتوحد على مشاعر الوجه". وأضاف في حديث لـ"للعلم" أن "الاستنتاج الرئيس للدراسة هو أن مشكلات التعرُّف على عاطفة الوجه التي تُعتبر شائعةً لدى مَن يعانون من اضطراب طيف التوحد، مرتبطةٌ ارتباطًا كبيرًا بالأفراد غير المألوفين، مقارنة بالأفراد المقربين لهم كالأمهات مثلًا". لكن في المقابل، أوضح أن نجاح مرضى التوحُّد في التناغم مع مشاعر أمهاتهم، قد يشير إلى أن لديهم إمكانية للتعلم والتواصل الاجتماعي مع أشخاص يعرفونهم ولكن بدرجة أقل، كالأقارب وزملاء المدرسة.

ونوه بأن نتائج هذه الدراسة تسلط الضوء على أهمية ممارسة مناهج التدخل الأسري تجاه مرض التوحد، فقد يكون الأطفال أكثر راحةً وتقبلًا لتلقي تدريبات المهارات الاجتماعية والعاطفية في سياق الأشخاص المقربين منهم، وبمجرد اكتساب المهارات الأساسية، قد تكون الخطوة التالية هي تدريبهم عن طريق أشخاص غير مألوفين بالنسبة لهم.

"أمنية رأفت" -أستاذ الطب النفسي للأطفال، بكلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة- قالت في تصريحات لـ"للعلم": إن ما توصل إليه العلماء يُعتبر مدخلًا جيدًا ومفيدًا للاستفادة من مهارات الأم في مساعدة طفلها المصاب بالتوحد على تمييز مشاعر الغرباء، خاصةً مشاعر الحزن والغضب.

مشكلة التواصل البصري

ولم يتوصل العلم حتى الآن إلى سبب واضح يفسر عدم قدرة الأطفال الذين يعانون من التوحد على قراءة المعلومات العاطفية من وجوه الغرباء والتعرُّف عليها، لكن يرجح الباحثون أن ذلك قد يرجع إلى عجز حقيقي في قدرتهم على معالجة المعلومات، أو الطبيعة غير المبالية للمشاعر السلبية، أو بسبب نمط عام من عدم الاهتمام في عرض المشاعر السلبية، خاصةً بالنسبة للأشخاص غير المألوفين لهم.

وأضاف فريق البحث أن تلك الصعوبات في التعرُّف على المشاعر السلبية كالحزن، ربما تكون بسبب الاختلافات في اتصال سلوك العين وتتبُّعه؛ لأن هؤلاء الأطفال يركزون بدرجة أقل على العيون، مقارنةً بمناطق الوجه الأخرى التي لا تفيد كثيرًا في كشف الحالة العاطفية للأفراد.

أما "أمنية رأفت" فاعتبرت أن مشكلة التواصل البصري لدى المصابين بالتوحد، تشكّل ثلث المشكلات التي يعاني منها هؤلاء الأطفال، وتنبع من أنهم لا ينظرون إلى وجوه الآخرين بصورة مباشرة، ولكن من زاوية، بالإضافة إلى أنهم لا يتواصلون عبر العين مباشرةً، لكنهم ينظرون إلى الخد مثلًا، وبالتالي لا يميزون مشاعر الآخرين، وخاصةً الغرباء.

أما الثلث الثاني، فإنه يتمثل في عدم القدرة على التواصل اللفظي مع الآخرين، وأنهم يفضلون التواصل بالإشارات والإيماءات، في حين يقتصر الثلث الأخير على الحركات الروتينية اللفظية، كتكرار الكلمات أو الجمل، واعتماد روتين خاص بهم يصعب تغييره.

ونوهت بأنه انطلاقًا من نتائج الدراسة، يمكن للأم أن تؤدي دورًا محوريًّا في تنمية مهارات التواصل البصري لدى الطفل المصاب بالتوحد، عبر النظر في وجه الطفل، وبدء التواصل البصري معه بالعين، لتدريبه على مشاعر وتعبيرات الوجه المختلفة، وتعويده على النظر في أعين الآخرين بدلًا من التركيز على زاوية الوجه التي لا تكشف كثيرًا من مشاعر الوجه، وخاصةً الحزن والغضب.

العلاجات المتاحة

وعن العلاجات المتاحة لمواجهة التوحد، أشارت "رأفت" إلى أن التدخلات السلوكية هي السبيل الوحيدة لتحسين حالة الأطفال المصابين بالمرض، مثل تنمية المهارات اللغوية والسلوكية والحركية، والعلاج الوظيفي الذي يهدف إلى تحسين التكامل الحسِّيّ عند المصابين بالتوحد، وإكسابهم المهارات الحركية الدقيقة مثل استخدام المقص، والكتابة، وارتداء الملابس، وتحسين جودة حياة المصاب وقدرته على المشاركة في الأنشطة اليومية.

ووفق "رأفت"، تقتصر الأدوية التي يحددها الطبيب المعالج لهذه الحالة المرضية، على علاج الأعراض الشديدة للمرض، وتخفيف التصرفات المضطربة، مثل فرط الحركة، والعنف والعدوانية، وإيذاء النفس أو الغير.

من جانبه، رأى "أنور الإتربي" -أستاذ الأمراض العصبية والنفسية بجامعة عين شمس، ورئيس مشرف للجمعية المصرية للأمراض النفسية والعصبية- أن ما توصلت إليه الدراسة يُسهم في إحداث حالة من الفهم لسلوكيات مرضى التوحد، في محاولة لتعديلها.

وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن مرضى التوحد عادةً يحتاجون إلى التدخلات النفسية والاجتماعية، التي تجرى على يد متخصصين، بهدف الحد من المصاعب التي تواجه الأطفال في التواصل والسلوك الاجتماعي.

خطط الفريق المستقبلية

وعن خطط الفريق المستقبلية، أشار "شانوك" إلى أن لديهم العديد من الاتجاهات لأبحاثهم، منها أنهم يريدون أن يحددوا ما إذا كان التناغم الذي ظهر بين الأمهات وأطفالهن من مرضى التوحد، يمكن أن يشمل الأشخاص المقربين الآخرين، مثل الآباء أو الأشقاء، وكذلك المعلمين والأصدقاء.

بالإضافة إلى ذلك، كشف "شانوك" أن الفريق يعمل على جمع بيانات تنشيط الدماغ في حالة الراحة، ويأملون أن يتوصلوا إلى فهم المناطق الحساسة في الدماغ لدى مرضى التوحد التي تتنبأ بصعوبات في التعرف على المشاعر، كما يتطلعون إلى تطوير برنامج تدريبي لتقييم آثار تدريب مرضى التوحد على القدرات الاجتماعية والعاطفية بشكل موضوعي.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية، إلى معاناة طفل واحد من كل 160 طفلًا في العالم من اضطراب طيف التوحد، مضيفةً أن هذه التقديرات تمثل رقمًا متوسطًا؛ إذ لا يزال معدل انتشار المرض غير معروف في عدة بلدان من ذوات الدخل المنخفض والمتوسط. وفقًا للمراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، فإن التوحد يصيب طفلًا واحدًا من بين كل 59 طفلًا، وهذا الاضطراب أكثر شيوعًا بين الأطفال الذكور بحوالي 4 أضعاف حدوثه بين الإناث.