غالبًا ما تعتمد الدروع التي يصنعها الإنسان على هياكل صلبة تقوم بدور حماية المركبات والآليات العسكرية أو الإنسان نفسه بشكل ميكانيكي بحت. إذ تؤدي تلك الدروع وظيفتها عن طريق منع القذائف والطلقات من اختراق الجسم المراد حمايته بصورة ميكانيكية. وتتحمل تلك الدروع إجهادات القص والشد والضغط، ما يجعلها وسيلة حماية مثالية.

إلا أن هناك عيبًا جوهريًّا في تلك الدروع، يتمثل في افتقارها إلى المرونة، أو صعوبة حملها كنتيجة مباشرة لثقل وزنها، والعجيب أن الحيوانات تمكنت من تلافي تلك العيوب، فعلى سبيل المثال، طور نوع من الرخويات يُسمى "الكيتون" نوعًا من الدروع المرنة التي تحيط بجسمه عن طريق أحزمة ناعمة متداخلة، تضمن مرونة الحركة وحماية الجسم الأساسي اللين.

لكن دراسة نشرتها مؤخرًا دورية "نيتشر كومينيكيشنز" (Nature Communications) ذكرت أن فريقًا من الباحثين الأمريكيين تمكنوا من الجمع بين المرونة والحماية في درع جديد صُمم بطريقة مشابهة لدروع "الكيتون".

وعلى عكس معظم الرخويات التي يعتمد نظام حمايتها على قشرة صلبة واحدة أو قشرتين على الأكثر، يتمتع الكيتون بنظام حماية فريد، مكون من دروع بيولوجية فريدة متعددة، يبلغ عددها ثمانية، مكونة من كربونات الكالسيوم، وهي مادة قوية وخفيفة الوزن في الآن ذاته. وتغطي تلك الدروع الجزء العلوي من الكائن، وتمتد وصولًا إلى قاعدته التي تحتوي على مجموعة من الأحزمة تقوم بشد الدروع على الجسم الأصلي لتوفر له حمايةً ومرونة.

بدأ الباحثون بدراسة تصميم دروع الكيتون بشكل مُعمق؛ إذ أجروا تحليلًا شاملًا لذلك الدرع، والأحزمة التي تقوم بربطه على الجسم الرخو، ثم عملوا بعد ذلك على دراسة مادته بطريقة مفصلة، وتحديد بنيتها الداخلية، وتركيبها الكيميائي، وخواصها الميكانيكية النانوية، وهندستها ثلاثية الأبعاد.

استغرق العمل على دراسة درع ذلك الحيوان ثلاثة أعوام كاملة من 5 سنوات هي مدة العمل على ذلك الابتكار، وفق ما يقوله "لينج لي"، الباحث بقسم الهندسة الميكانيكية بجامعة ولاية فيرجينيا والمؤلف الرئيسي لتلك الدراسة.

يضيف "لي" في تصريحات لـ"للعلم" أن "دراسة دروع الكيتون كانت أصعب ما في تلك الورقة البحثية؛ فالنظام البيولوجي الذي يعتمد عليه ذلك الحيوان في الحماية مُعقد بحق، وتحليله إلى مكوناته الأساسية كان أمرًا شاقًّا للغاية".

بعد ذلك، قام الباحثون بعمل نمذجة ثلاثية الأبعاد لتقليد الهندسة الفريدة لدروع الكيتون. وتمكنوا عبر تلك النمذجة من تغيير أحجام الدرع ومقاسه. ثم استخدموا الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة دروع مستوحاة من المقاييس الحيوية لذلك الكائن.

ماذا يعني ذلك الأمر؟ لو تخيلنا أن مقاس الدرع الواحد هو 5 سنتميترات طولًا و2.5 سنتميتر عرضًا و0.5 سنتيمتر ارتفاعًا.. يقوم الباحثون بعمل نسبة لتلك الأبعاد عن طريق عمل نمذجة حاسوبية تُمكنهم من زيادة طول الدرع، وسماكته، وعرضه مع الحفاظ على تلك النسبة؛ "بهدف الحفاظ على هندسة الدرع" على حد ما يقول "لي" في تصريحاته لـ"للعلم".

أنتج الباحثون –باستخدام نسبة أبعاد الكيتون- مجموعةً من الدروع، كما صمموا أيضًا الأربطة التي تشد الدرع إلى الجسم، وأجروا اختباراتٍ ميكانيكيةً مباشرةً على الدروع، ما مكَّنهم من فهم الآليات الكامنة وراء صلابة الدروع البيولوجية لذلك الكائن ومرونتها.

وتوضح الدراسة أن "قوة الدرع تكمن في مقاييسه، كما أن مرونته تتعلق بالطريقة التي تجعل الدرع ملتصقًا بالجسد الرخو".

يقول "لي": تمكَّن الفريق البحثي من تصنيع درع مستوحى من الكيتون، ويجمع بين المرونة والقوة، ويُمكن استخدامه كوسيلة لحماية جسم الإنسان، وسنواصل البحث مستقبلًا لإدخال تحسينات على الدرع؛ بهدف تصنيع دروع مُحسَّنة تتفوق على مثيلتها الموجودة في الأسواق.