رصدت دراسة أعدها فريق دولي من الباحثين من عدد من الجامعات زيادةً غريبة في انبعاثات مركب ثلاثي كلورو فلورو الميثان ((CFC-11، المعروف تجاريًّا باسم "الفريون"، والذي يُلحِق أضرارًا بالغة بطبقة الأوزون.

كشفت الدراسة عن أن "معدل الانخفاض في التركيزات المرصودة من مركبات ثلاثي كلورو فلورو الميثان في الغلاف الجوي في مواقع القياس المختلفة التي ثُبِّتت بها أدوات رصد الانبعاثات حول العالم، اتسم بالثبات، في الفترة من عام ٢٠٠٢ وحتى عام ٢٠١٢، إلا أنه تباطأ بحوالي ٥٠٪ بعد عام ٢٠١٢، بالتزامن مع زيادة قدرها 50 في المئة في متوسط فرق التركيز الملحوظ بين نصف الكرة الشمالي والجنوبي؛ إذ ترتفع نسبة التركيزات في النصف الشمالي عنها في نصفها الجنوبي، بسبب تركُّز الأنشطة البشرية المسببة للانبعاثات في النصف الشمالي.

كما حدد الباحثون، بواسطة مرصد "مونا لوا" Mauna Loa Observatory الجوي الواقع في جزيرة هاواي الأمريكية في المحيط الهادي، وجود علاقة قوية تربط بين تركيزات هذه المركبات، ومواد كيميائية أخرى مرتبطة بالانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية، مثل أكسيد النيتروجين، والبروم الذري.

وتشدد الدراسة، التي نشرتها دورية "نيتشر"، على أن "تقليل تركيز ثلاثي كلورو فلورو الميثان في الغلاف الجوي أدى دورًا بارزًا في خفض إجمالي تركيزات مركبات الكلورين المستنفد لطبقة الأوزون في الغلاف الجوي، منذ تسعينيات القرن الماضي".

وتؤدي طبقة الأوزون دورًا مهمًّا في تنظم درجة حرارة الأرض، كما تحمي الكائنات الحيَّة من الأشعة فوق البنفسجية التي تتسبب في كثير من الأمراض مثل سرطان الجلد وبعض أمراض العيون، ويعتمد تعافي هذه الطبقة على استمرار تراجع معدل انبعاث هذه المركبات.

آسيا في قفص الاتهام

عندما اكتشف العلماء ثقب طبقة الأوزون، لأول مرة، في عام 1985، عزوا ظهوره سريعًا إلى وجود مركبات الكربون الكلورية فلورية في الغلاف الجوي، وهي مواد يتم استخدامها على نطاق واسع كغازات مبردة وكوقود وفي العديد من التطبيقات كالمذيبات العضوية.

وبعد أن وُضع هذا التهديد على طاولة النقاش بين الدول، حشد العالم بسرعة لإدخال بروتوكول مونتريال حيز التنفيذ بعد عامين فقط، وهو عمل أدى إلى التخلص التدريجي من هذه المركبات.

وتُعَدُّ مركبات الكلور، ومن ضمنها ثلاثي كلورو فلورو الميثان، من المواد الضارة المستنفدة لطبقة الأوزون التي نص بروتوكول مونتريال (الذي وقعت عليه 24 دولة في 16 سبتمبر 1987 ودخل حيز التنفيذ في عام ١٩٩٩، ووصل عدد الدول الموقعة عليه حاليًّا إلى أكثر من ١٩٠ دولة) على حظر استخدامها.

وتنفي الدراسة وجود علاقة ارتباط بين الزيادة الأخيرة في الانبعاثات، والإنتاج العالمي (من مركبات الكلورو فلورو كربون) السابق على توقيع بروتوكول مونتريال.

استخدم الباحثون المؤشرات التي رصدتها عشرات المراصد المنتشرة حول العالم، ووجدوا أن الانبعاثات الغريبة تصدر من مكانٍ ما حول الصين ومنغوليا وشبه الجزيرة الكورية في قارة آسيا، بمعدل بلغ حوالي ١٤٠٠ طن منذ عام ٢٠١٣.

 بأخذ عامل تدفق الهواء في المناطق التي توجد بها محطات المراقبة الخاصة في الاعتبار، خلص العلماء إلى أن شرق آسيا هو المصدر الأكثر احتمالًا لهذه الموجة الجديدة من الانبعاثات، على الرغم من أن السبب الدقيق لذلك غير واضح.

كما أجروا محاكاة ثلاثية الأبعاد لتحديد حجم هذه الانبعاثات، وأظهرت النتائج زيادةً بنسبة تتراوح بين ١٣ إلى ٢٥٪ سنويًّا منذ عام ٢٠١٢، في حين كان حجم الانبعاثات المرصود في عام ٢٠٠٦ يقارب الصفر.

نتائج محيرة

يقول المؤلف المشارك في الدراسة "ستيفان مونتزكا" -الباحث في معمل أبحاث النظام الأرضي في الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة توصلت إلى نتائج محيرة ومدهشة"، مضيفًا: كنا نظن أن بروتوكول مونتريال كان ناجحًا جدًّا في التحكم في تركيزات انبعاثات المركبات المستنفدة لطبقة الأوزون، خاصةً مع التراجع الفعلي لهذه التركيزات في العقدين اﻷخيرين.

ويعبر "مونتزكا" عن دهشته من الارتفاع "غير المسوَّغ" في تركيزات هذه المركبات، قائلًا إنه "بعد أن بدأت طبقة الأوزون في التعافي، هناك مخاوف من عرقلة ذلك بعد الزيادة الأخيرة في تركيزات المواد المستنفدة لها".

ويضيف: لا يمكنني في الحقيقة تفسير سبب زيادة تركيزات هذه المركبات في الغلاف الجوي بدقة، لكننا نفترض أن هناك جهةً ما تتسبب في هذه الانبعاثات، وربما تتوقع هذه الجهة أن تتراجع هذه الانبعاثات مرة أخرى في المستقبل، من منطلق أن الطبيعة ذاتها تعمل على إزالة ٢% من هذه الانبعاثات سنويًّا.

الرسالة الرئيسية

 وبدوره، يشدد "ميكيلا هيجلن" -الباحث غير المشارك في الدراسة وأستاذ كيمياء الغلاف الجوي بجامعة "ريدنج" البريطانية- على أهمية الدراسة، موضحًا أنها "ترصد التركيزات المستنفدة لطبقة الأوزون، كما أنها تكشف عن أن هناك جهات ما لم تلتزم بمخرجات بروتوكول مونتريال، وهو ما اتضح في رصد زيادة في انبعاثات الفريون في الغلاف الجوي".

ويضيف "هيجلن"، في تصريحات لـ"للعلم" أن "عدم الامتثال لبروتوكول مونتريال هو الرسالة الرئيسية التي تخبرنا بها الدراسة، لكنها تُضيف أيضًا إلى معرفتنا بالغلاف الجوي، وبأن طبقة الستراتوسفير لاعب مهم جدًّا في تحديد تركيزات المواد طويلة الأمد مثل كلورو فلورو الميثان.

ويعبر هيجلن عن دهشته من الدور الذي تؤديه طبقة الستراتوسفير البعيدة جدًّا في التخلص من الانبعاثات الضارة. وطبقة الستراتوسفير هي طبقة الغلاف الجوي التي تعلو طبقة التروبوسفير، وتقع على ارتفاع نحو ٥٠ كم فوق سطح البحر. ويوضح أن هذه الطبقة (الستراتوسفير) هي التي يجري بها تدمير الانبعاثات الضارة للغلاف الجوي، كما تتوقف سرعة هذا التدمير للانبعاثات الضارة على معدل حركة هذه الانبعاثات بين طبقتي التروبوسفير والستراتوسفير.

وأورد برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة، في تقرير له تعليقًا على الدراسة، أنه "بينما تُظهر النماذج العلمية الحالية أن طبقة الأوزون لا تزال في طريقها إلى الانتعاش بحلول منتصف القرن الحالي، فإن الزيادة المكتشفة في انبعاثات ثلاثي كلورو فلورو الميثان عالميًّا ستعرِّض هذا التقدم للخطر".

ويشير البرنامج إلى أنه من المهم ملاحظة أن هذه النتائج تسلط الضوء أيضًا على مدى فاعلية بروتوكول مونتريال ومؤسساته وآلياته في حماية طبقة الأوزون وتقليص الانبعاثات المستنفدة لها، وأنه إذا استمرت هذه الانبعاثات فستكون لديها القدرة على إبطاء تعافي طبقة الأوزون، وهو ما يتطلب تحركًا جديًّا لمواجهته.

ووفق البرنامج، فإن اللجنة العلمية المعنية بتطبيق بروتوكول مونتريال ستقيِّم التأثيرات المتوقعة لهذه الانبعاثات، وستعد تقريرها بشأن الخطوات التي ينبغي اتخاذها لمواجهتها بنهاية العام الحالي لعرضها على الأطراف الموقعين على البروتوكول.