قد يقف تعرُّضك لبعض الضغوط النفسية، أو حتى تناولك لوجبة طعام دسمة قبل النوم، وربما عادات نومك السيئة، وراء شعورك بالأرق، فلا تنعم بنوم هادئ، ما ينعكس بالسلب على مزاجك العام في اليوم التالي.

قد يكون هذا الشعور عارضًا ولا يدعو للقلق، لكن جرس الإنذار يجب أن يدق، إذا استمر الأرق طويلًا، وتحول من حالة عارضة إلى أمر مزمن، يؤثر على مستوى طاقتك وصحتك وأدائك في العمل ومهماتك اليومية، إذ إن ذلك ربما يكون مقدمةً لتداعيات صحية أخرى تؤدي إلى تراجُع في مستويات الذاكرة لديك، وفق ما كشفت عنه دراسة حديثة، نُشرت في دورية (Sleep) العلمية، لباحثين من جامعة كونكورديا ومعهد بحوث جامعة مونتريال في كندا.

وكشف الباحثون أن اضطراب الأرق المزمن له تأثير سلبي مباشر على الوظيفة الإدراكية، ويؤدي إلى تراجُع ذاكرة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 45 عامًا.

في السابق، كشفت عدة دراسات وجود صلات بين الأرق والمشكلات المعرفية، لكن ما كان يعيبها هو إجراؤها على عدد محدود من البشر، كما أنها لم تميز بين الأرق البسيط والأرق المزمن، والأخير يرتبط غالبًا بمشكلات صحية أخرى، مثل القلق أو الألم المزمن، ما ينعكس بالسلب أيضًا على الوظائف الإدراكية.

ووفق الفريق البحثي، فإن دراستهم هدفت إلى كشف العلاقة الدقيقة بين الأرق المزمن والوظائف الإدراكية وتراجُع مستوياتها لدى كبار السن، مع مراعاة تأثير العوامل الصحية الأخرى التي قد تؤدي دورًا في تراجع وظائف المخ مثل القلق أو الألم المزمن.

والأرق هو اضطراب شائع في النوم يمكن أن يؤدي إلى صعوبة النوم أو الاستمرار فيه، أو يجعلك تستيقظ مبكرًا، مع عدم القدرة على العودة إلى النوم مرة أخرى، ويمتد الشعور بالإرهاق عند الاستيقاظ.

ويتحول الأرق من عارض إلى اضطراب مزمن إذا كان الشخص يعاني من صعوبة في النوم 3 ليالٍ على الأقل أسبوعيًّا، لأكثر من 3 أشهر مستمرة؛ إذ يؤثر على المزاج، والانتباه، والتركيز خلال ساعات النهار، على عكس الأرق البسيط أو العارض الذي لا يؤثر على أداء المهمات اليومية، ولا يرتبط بالمشكلات المعرفية.

من جانبه، يوضح ساهر هاشم -أستاذ أمراض المخ والأعصاب بكلية الطب جامعة القاهرة، والرئيس السابق للاتحاد العربي لأمراض المخ والأعصاب- في تصريحات لـ"للعلم"، أن الأرق ينجم عن خلل في الدورة الفسيولوجية للنوم، ناتج عن نقص في الميلاتونين (Melatonin)، وهو هرمون في الجسد يؤدي دورًا في عملية النوم، ويرتبط إفرازه في المخ بتوقيت معين؛ إذ يزيد عندما يأتي الليل، وينقص في النهار، كما ينخفض إنتاجه مع التقدم في العمر.

وأوضح أن نقص الميلاتونين يترتب عليه أيضًا نقص في هرمون السيروتونين (Serotonin)، وهو عبارة عن ناقل عصبي تتبادله النهايات العصبية في الدماغ، وقد يؤدي انخفاض مستوياته إلى اضطرابات في المزاج كالقلق والاكتئاب، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى مشكلات في الذاكرة.

فحوصات جسدية ونفسية

شارك في اختبارات الدراسة الأخيرة 28 ألفًا و485 شخصًا تزيد أعمارهم على 45 عامًا، ويعيشون في عدة مدن بكندا. قسم الباحثون المشاركين إلى 3 مجموعات اعتمادًا على نتائج استبانة أجريت لهم عن حالة الأرق والذاكرة، إذ كانت الأولى تعاني من الأرق المزمن، في حين كانت الثانية تعاني من الأرق البسيط الذي لم يؤثر على أداء المهمات اليومية، أما المجموعة الثالثة فتنعم بنوم طبيعي ولا تعاني من الأرق. وبالإضافة إلى تعبئة استبانة عن حالة الأرق والذاكرة، خضعت المجموعات الثلاث لفحوصات جسدية ومجموعة من الاختبارات النفسية العصبية لتقييم الوظائف المعرفية المختلفة ونوعية النوم.

ومن بين مَن أُجريت عليهم الدراسة، تبين أن 1068 شخصًا أو 3.7% من المشاركين، يعانون من الأرق المزمن، بينما عانى 7813 (27.5٪) من أعراض الأرق البسيط، في حين نعِم باقي المشاركين بنوم طبيعي.

الذاكرة الصريحة

كشفت النتائج أن الأشخاص الذين يعانون من الأرق المزمن كانوا أكثر عرضةً للمشكلات المعرفية التي تتعلق بشكل أساسي بالذاكرة الصريحة، وهي ذاكرة المفاهيم والأحداث والحقائق، كما عانوا أيضًا من نمط الحياة السلبي مثل القلق والاكتئاب، مقارنةً بالمجموعتين الثانية والثالثة.

والذاكرة الصريحة، أو الذاكرة التوضيحية (Declarative Memory) هى نوع من الذاكرة يتكون من معلومات يمكن تخزينها واسترجاعها بشكل صريح، ويستخدمها الأشخاص الطبيعيون طوال اليوم في تذكُّر وقت موعدٍ ما أو حدث من الماضي.

وتتكون الذاكرة الصريحة من قسمين: الذاكرة العرضية والذاكرة الدلالية، وتستند الأولى إلى تذكر أحداث محددة أو "حلقات" تشكل جزءًا من تاريخك الشخصي، مثل تذكُّر اسم معلمك في الصف الخامس الابتدائي، وأين كنت حينما سمعت خبر وفاة صديقك من سنوات، أما الثانية (الدلالية) فهي القدرة على تذكُّر الحقائق والمفاهيم، والتي يشار إليها غالبًا باسم المعرفة العامة، مثل الفرق بين الكلب والقط، وكيفية استخدام الهاتف، وأنواع الطعام، وعواصم منطقة جغرافية بعينها.

ناثان كروس -قائد فريق البحث- قال لـ"للعلم": إن الدراسة أثبتت أن اضطراب الأرق المزمن له تأثير سلبي مباشر على الوظائف الإدراكية، وخاصةً أداء الذاكرة، بالنسبة للأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 45 عامًا، بغض النظر عن تأثير المشكلات الصحية الأخرى التي يعانون منها.

واعتبر أن هذه النتائج مهمة، خاصة وأن تدهور الذاكرة في وقتٍ ما من حياة الإنسان قد يشير إلى احتمالية تعرُّضه لأمراض عصبية تنكسية مثل الخرف وألزهايمر. ومن المعروف أن نوعية النوم تزداد سوءًا مع تقدم العمر، وقد تؤدي قلة النوم إلى تعريض كبار السن المصابين باضطراب الأرق لخطر أكبر من الإصابة بعجز في الذاكرة.

ومن جانبه، أشار "كروس" إلى أن تحسين جودة النوم قد يكون مفيدًا في إبطاء التدهور المعرفي أو ظهور الخرف أو منعهما، قائلًا: "لكن هذا يحتاج إلى مزيد من البحث والتحقيق، وهو ما سنعمل عليه لاحقًا".

وعن خطواتهم المستقبلية، نوه بأن محور المرحلة التالية من الدراسة سيستمر 20 عامًا، مضيفًا أنهم سيُجرون تتبُّعًا للمشاركين مع مرور الوقت، لتقييم التغييرات التي ستطرأ على وظائفهم الإدراكية. وتابع: سيسمح لنا ذلك باكتشاف ما إذا كانت اضطرابات الأرق المزمن ستضع البالغين في خطر أكبر بسبب التدهور المعرفي وتدهور الذاكرة، وأيضًا ما إذا كانت هناك عوامل أخرى تتعلق بالصحة أو نمط الحياة قد تؤدي دورًا في تدهور الذاكرة، وسيكون لهذه النتائج تأثير كبير على الوقاية والعلاج من الاضطرابات المعرفية المرتبطة بالتقدم في العمر.

أسباب الأرق المزمن

أنور الإتربي -أستاذ الأمراض العصبية والنفسية بجامعة عين شمس، ورئيس مشرف للجمعية المصرية للأمراض النفسية والعصبية- قال: إن نتائج الدراسة تضيف مزيدًا من الأدلة وتكشف حقائق عن دور الأرق المزمن في الأمراض العقلية.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف أنه لكي نتحاشى انعكاسات الأرق المزمن وتأثيراته، لا بد أن نبحث عن الأسباب الخفية وراء هذه الحالة، التي تؤرق الكثيرين، وخاصةً كبار السن، وهذا يأتي عبر دراسة الحالة النفسية والعصبية، بالإضافة إلى سؤاله المريض عن حالته الصحية العامة وما يشتكي من أمراض تؤرق نومه، ومحاولة علاجها.

وأوضح أن أحد أبرز أسباب الأرق المزمن هو تراجُع الحالة النفسية أو ما يسمى بـ"الاكتئاب المقنَّع"، وهذا النوع من الاكتئاب يؤثر على الإدراك المعرفي والتركيز والذاكرة القصية والانتباه، وسرعة رد الفعل.

ويُقصد بالاكتئاب المقنَّع أن يعاني الشخص من مشاعر الحزن والاكتئاب، وأن يكون مزاجه سيئًا في أغلب الأحيان دون سبب يذكر، وبمعنى آخر أن تكون لدى الشخص سمات ومؤشرات قوية تدل على إصابته بالاكتئاب النفسي، ولكن لا تظهر عليه الأعراض الكلاسيكية المتعارف عليها للمرض، كشخص يعاني من فقدان في شهيته وقلة في نشاطاته الاجتماعية وإنتاجيته، ولكن لا تظهر على تعابير وجهه المؤشرات والصفات والسمات الأخرى للاكتئاب النفسي.

وأضاف "الإتربي" أن هناك أسبابًا مرضية قد تصيب بالأرق المزمن، منها اضطراب عملية التبول، واضطراب نقص الأكسجين أو توقف التنفس في أثناء النوم، بالإضافة إلى حساسية الصدر، وأمراض القلب، والفشل الكلوي، وسيزول هذا الأرق بمجرد علاج تلك الأمراض.

وأشار "الإتربي" أيضًا إلى أن هناك اضطرابات نفسية يمكن أن تسبب الأرق أيضًا، كالقلق بشأن العمل أو الدراسة أو الصحة أو المال أو العائلة، بالإضافة إلى الضغط النفسي أو الصدمة بسبب وفاة أحد الأقارب والأصدقاء أو مرضه، أو الطلاق أو فقدان الوظيفة، ناهيك بضغوط فترة الامتحانات.

كما حذّر "الإتربي" الشباب من اضطراب مدمني الأجهزة والهواتف الذكية، الذي أصبح أحد أبرز مسببات الأرق المزمن، خاصة بالنسبة للشباب الذين يقضون ساعات طويلة على مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، خاصةً قبل الذهاب إلى النوم، وما ينتج عن ذلك من فقدان التركيز الدراسي وقلة التحصيل، وانخفاض الدرجات بسبب قلة النوم.

الأرق والاكتئاب

وهو ما اتفق معه فيه "هاشم"، مؤكدًا أن هناك علاقة وثيقة بين الأرق وأمراض أخرى بخلاف تراجع الذاكرة، أبرزها الاكتئاب، مشددًا على صعوبة هذه الحالة.

"هاشم" أشار إلى أن هناك تأثيرات صحية للأرق المزمن، أبرزها الأمراض النفسية والتأثير على وظائف المخ المتعلقة بمهمات التفكير والتخطيط والذاكرة، بالإضافة إلى الضعف العام لجميع أعضاء الجسم، الناجم عن ذبول الخلايا وموتها، والتأثير على الجهاز المناعي، ناهيك بزيادة مستويات الآلام المزمنة، ولذلك عادةً ما يلجأ الأطباء إلى المنومات والعقاقير المخدرة لتسكين الآلام، وخاصةً آلام السرطان.

تشخيص اضطرابات النوم

ولتشخيص اضطرابات النوم بشكل دقيق، أكد "الإتربي" أن أطباء الأمراض النفسية يلجأون عادةً إلى معمل النوم، وهو فحص مختص لحالة المريض فسيولوجيًّا، ويتم فيه عمل رسم مخ، ورصد لحركة العين، ورسم عضلات، ورسم قلب، ومقاييس للتنفس في أثناء النوم، لرصد حالة المريض ومدى استغراقه في النوم بدقة متناهية.

بينما اعتبر "هاشم" أن تشخيص اضطرابات النوم والأرق مسألة معقدة، ولا تحتاج إلى طبيب واحد فحسب؛ إذ تتطلب تخصصات عدة، أبرزها أمراض الأعصاب والطب النفسي، بالإضافة إلى علاج الأمراض التي تكون مصدرًا للآلام المزمنة التي تحرم الأشخاص النوم.

وأشار إلى أن هناك عوامل تساعد على تحسين جودة النوم، هي التعايش والرضا بالواقع أيًّا كان، وعدم السخط، بالإضافة إلى الشعور بالأمان الذي تفتقر إليه شعوب كثيرة بسبب الحروب والنزاعات، بالإضافة إلى ممارسة الرياضة قدر المستطاع، بشرط عدم التعرض للإجهاد العضلي؛ لأن الرياضة تساعد الدماغ على إنتاج العديد من الببتيدات الداخلية شبيهة الأفيونية (أي تشبه في تركيبها مادة الأفيون المخدرة)، وتساعد على تسكين الآلام بشكل طبيعي.