"قوتي في جدائل شعري السبع، فإذا حُلقتْ ذهبت قوتي".. مقولة ارتبطت بقوة "شمشون الجبار"، الذي فقد جبروته في اللحظة ذاتها التي علم فيها المحيطون به أن سر قوته في جدائل شعره، ربما ارتقت قصة "شمشون" إلى حد الأسطورة، لكنها باتت مضرب الأمثال كلما امتد الحديث إلى شعر الرأس وألغازه المشفرة وخزائن أسراره التي تبوح يومًا بعد يوم بأشياء بسيطة مما يكتنز داخلها.

وربما باتت خصلات الشعر، التي لا يزيد طولها في أغلب الأحيان عن بضعة سنتيمترات قليلة، كاشفةً لحجم الضغوط النفسية التي تعرض لها الشخص في غضون الشهور الماضية، وقد تكون تلك الخصلات شاهدًا على ما يعتري الأشخاص من تقلبات مزاجية وعاطفية.

فعلى مدى العقود الماضية، ذهب العلماء إلى أن عوامل الإجهاد والتوتر والقلق تؤثر سلبًا على نمو أنسجة الشعر، لكن آلية هذا التأثير السلبي ظلت خافيةً إلى حدٍّ كبير، ما دفع فريقًا بحثيًّا من جامعة هارفارد الأمريكية إلى محاولة التعرف على الآلية البيولوجية التي تكشف ارتباط التوتر المزمن بتساقط الشعر.

هرمون الكورتيكوستيرون

أُجريت الدراسة، التي نشرتها دورية "نيتشر" (Nature)، على مجموعة من فئران التجارب، وأظهرت أن "هرمون الكورتيكوستيرون -المعروف بهرمون التوتر، والذي تنتجه الغدة الكظرية ويعادل هرمون الكورتيزول لدى الإنسان- يتسبب في بقاء خلايا بصيلات الشعر الجذعية في مرحلة سكون وراحة طويلة دون تجديد الأنسجة؛ إذ تؤدي زيادة التعرض للإجهاد إلى ارتفاع مستوياته، وبالتالي إطالة مدة سكون نمو بصيلات الشعر الجذعية وبقاء بصيلات الشعر في حالة راحة".

وفي المقابل، فإن غياب الكورتيكوستيرون يؤدي إلى دخول خلايا بصيلات الشعر الجذعية العديد من دورات التجدُّد التي يزيد عددها على عدد دورات التجدُّد التي تمر بها البصيلات في حالة عدم وجود هذا الهرمون.

وأهم ما توصل إليه الباحثون في هذه الأطروحة الجديدة هو الكشف عما يحدث على المستوى الجزيئي للأنسجة، إذ يؤثر هرمون "الكورتيكوستيرون" على "الحليمات الأدمية"، وهي عبارة عن بروز مخروطي الشكل يوجد في قاعدة بصيلة الشعر، وتقوم بتغذية البصيلة بالدم والمواد الغذائية.

وعندما تستقبل الخلايا الجلدية المحيطة ببصيلات الشعر إشارات التوتر، تمتنع عن إطلاق الجين المعروف باسم Gas6، وهو جين ينشط الخلايا الجذعية ويساعدها على الدخول في طور النمو من جديد، بينما تحفز عودة التعبير عن هذا الجين خلايا بصيلات الشعر الجذعية على تجديد الشعر ونموه، ما قد يفتح آفاقًا جديدةً في مسارات العلاج الخاصة بسقوط الشعر لدى البشر.

ويحتوي رأس كل شخص على حوالي 100 ألف بصيلة شعر،، وقد تحتوي رؤوس بعض الأشخاص على 150 ألف بصيلة أو أكثر، وقد تعطي كل بصيلة نحو 20 شعرة جديدة في الحياة، وتنمو كل شعرة جديدة لعدة سنوات.

بصيلات الشعر الجذعية

توضح يا تشيه هسو -الأستاذ المشارك في قسم الخلايا الجذعية والبيولوجيا العصبية التجديدية، والمشاركة في الدراسة- أن "هرمون الكورتيكوستيرون يؤثر على البيئة التي توجد فيها بصيلات الشعر الجذعية، إذ يساعد على تثبيط نشاط هذه الخلايا".

تقول "تشيه هسو" في تصريحات لـ"للعلم": يمكن أن يؤثر التعرُّض المزمن والمستدام للضغوط بشكل كبير على توازن الأنسجة، لكن الآليات التي تحدث بها هذه التغييرات ظلت غير معروفة إلى حدٍّ كبير، وهذا ما حاولنا استكشافه في هذه الأطروحة.

وتؤكد نتائجنا أن الكورتيكوستيرون يعمل كمثبط لنشاط الخلايا الجذعية لبصيلات الشعر من خلال تأثيره على الحليمات الأدمية بحيث يكبح التعبير عن جين Gas6 المسؤول عن تنشيط بصيلات الشعر الجذعية ودخولها إلى طور التنامي، وتوضح النتائج أن إزالة هذا التثبيط تحث خلايا بصيلات الشعر الجذعية على الدخول في دورات تجدُّد متكررة، دون أن تكون هناك أي عيوب ملحوظة على المدى الطويل.

التوتر المزمن

يحدث التوتر المزمن عندما يواجه الشخص تهديدًا محتملًا، نباح كلب ضخم يسير في اتجاهه مثلًا، حينها تحفز منطقة ما تحت المهاد -وهي منطقة صغيرة في قاعدة الدماغ- نظام الإنذار في الجسم، ومن خلال الجمع بين الإشارات العصبية والهرمونية، فإن هذا النظام ينبه الغدد الكظرية، الموجودة فوق الكليتين، لإطلاق موجة من الهرمونات، تتضمن الأدرينالين والكورتيزول، وهي هرمونات قد يكون لها تأثيرات على أعضاء الجسم ومن ضمنها الشعر، وفق الدراسة.

من أجل اختبار كيفية تأثير هرمون التوتر على دورة حياة الشعر، قسم الباحثون جرذان التجربة إلى مجموعتين؛ إذ جرى استئصال الغدة الكظرية التي تقوم بإفراز هرمون الكورتيكوستيرون من أفراد المجموعة الأولى، وذلك بعد أن بلغ عمر الفئران 35 يومًا، وهي فترة سابقة قبل أن تدخل فيها الخلايا الجذعية لبصيلات الشعر طور راحة ثانيًا ممتدًّا، في حين لم يتم إخضاع فئران المجموعة الثانية لأي تدخلات جراحية.

وجد الباحثون أن فئران المجموعة الضابطة بدأت طور التلوجين (طور الراحة وهي الفترة الانتقالية بين اكتمال تراجُع الشعر وبداية مرحلة نمو جديدة) في الفترة ما بين اليوم الـ43 وحتى اليوم الـ45 من عمر الفئران، واستمرت تلك المرحلة نحو 13 يومًا، أي حتى بلوغ عمر الفئران 58 يومًا (بزيادة أو نقصان يبلغ يومين)، في حين لاحظ الباحثون أن الجرذان التي خضعت لاستئصال الغدة الكظرية كانت لديها فترة راحة أقل (في حدود 11 يومًا) مع نشاط مبكر لنمو الشعر.

وبمراقبة دورة نمو الشعر، وجد الباحثون أن طور نمو الشعر للجرذان التي لم تتعرض لاستئصال الغدة الكظرية أصبح متقطعًا وغير متزامن في فترتي الراحة الثالثة والرابعة، وعلى النقيض، بقيت بصيلات الشعر في فئران المجموعة التي تعرضت لاستئصال الغدة الكظرية في طور الراحة لمدة أسبوعين تقريبًا، ودخلت مرارًا وتكرارًا في طور التنامي بطريقة متزامنة.

تقول "تشيه هسو": أدت إزالة مصدر هرمونات التوتر (الغدة الكظرية) جراحيًّا إلى استمرار تجدُّد بصيلات الشعر في الفئران مع فترة توقف قصيرة جدًّا للراحة، حتى مع تقدُّم الحيوانات في السن، بالرغم من أنه مع تقدم الثدييات، تصبح بصيلات الشعر -عادةً- أقل نشاطًا، وهذا يؤكد دور الهرمونات التي تفرزها الغدة الكظرية في تنظيم نشاط بصيلات الشعر الجذعية خلال فترة الراحة.

وعندما أراد الباحثون اختبار تأثير هذه الهرمونات على بصيلات الشعر الجذعية لدى فئران المجموعة التي خضعت للتدخُّل الجراحي، وجدوا أن مستوى هرمون الكورتيكوستيرون أظهر انخفاضًا بشكل جوهري، بحيث أصبح بالكاد يمكن اكتشافه في الفئران التي تم استئصال الغدة الكظرية، وذلك مقارنةً بفئران المجموعة الضابطة.

لذلك، وضع الباحثون هذا الهرمون في شراب حيوانات التجربة، وراقبوا فترتي الراحة والنمو لديها، ووجدوا أن الزيادات المؤقتة في مستويات الكورتيكوستيرون كان لها تأثيرٌ ضئيل على دورة الشعر، لكن المكملات طويلة الأمد أطالت مرحلة التلوجين.

ولاحظ الباحثون أنه عندما جرت إزالة الكورتيكوستيرون، تمكنت الفئران من دخول طور التنامي، ما يشير إلى تأثيره على خلايا بصيلات الشعر الجذعية، واكتشفوا أن هذا الهرمون يعمل كمنظم رئيسي لقمع دخول الخلية طور التنامي في ظل الظروف الفسيولوجية الطبيعية.

واصل الباحثون تجاربهم، إذ عرَّضوا حيوانات التجربة لنوع من الضغط العصبي بتقنيات غير ضارة نسبيًّا، مثل إمالة القفص والأضواء الوامضة، ووجدوا أن إعطاء الفئران مزيدًا من الكورتيكوستيرون كان له التأثير نفسه على خلايا بصيلات الشعر الجذعية مثل تعريض الحيوانات للتوتر.

عمق الخلية

لم يتوقف الباحثون عند هذا الحد، إذ أرادوا الذهاب إلى أبعد من ذلك، بل والولوج إلى داخل الخلايا للتعرف على ما يدور في أعماقها، ووجدوا أن "الحليمات الأدمية" تقوم بتنظيم نشاط خلايا بصيلات الشعر الجذعية.

تقول "تشيه هسو": الحليمات الأدمية ضرورية لتنشيط خلايا بصيلات الشعر الجذعية، ووجدنا أن هرمون التوتر منع تلك الخلايا من إفراز الجين المعروف باسم Gas6 الذي يمكنه تنشيط خلايا بصيلات الشعر الجذعية.

وكان فريق البحث ذاته قد اكتشف العام الماضي أن التوتر يؤثر على نوع آخر من الخلايا الجذعية الموجودة في بصيلات الشعر، وهي الخلايا الجذعية الصبغية المنتجة لصبغة الشعر.

ووجد الباحثون أن التوتر ينشط الجهاز العصبي الودي (المسؤول عن تنظيم استجابات الجسم لمصادر الإنهاك، مثل حالات الخوف والقتال)، ما يستنزف الخلايا الجذعية الصبغية ويؤدي إلى شيب الشعر مبكرًا.

تتابع "تشيه هسو": عند ربط نتائج الدراستين معًا، نجد أنه على الرغم من أن التوتر له تأثيرات ضارة على كلٍّ من خلايا بصيلات الشعر الجذعية والخلايا الجذعية الصبغية، إلا أن آليات هذا التأثير مختلفة؛ إذ يستنفد التوتر الخلايا الجذعية الصبغية مباشرةً عن طريق الإشارات العصبية، بينما يمنع التوتر خلايا بصيلات الشعر الجذعية من تكوين شعيرات جديدة بشكل غير مباشر عن طريق تأثير هرمون التوتر على الحليمات الأدمية المحيطة بالخلايا الجذعية للبصيلة.

ماذا عن البشر؟

وردًّا على سؤال "للعلم" حول كيف يمكن ترجمة نتائج هذه الأطروحة على البشر، تقول "تشيه هسو": مرحلة نمو الشعر عند الإنسان قد تستمر لمدة عام كامل، ثم يدخل في مرحلة الراحة لمدة أسابيع أو شهور، ثم يبدأ في النمو من جديد، بينما يختلف الأمر عند الفئران؛ إذ تستمر مرحلة نمو الشعر لمدة أسبوعين فقط قبل أن يدخل في طور الراحة لفترات أطول من الوقت؛ لأن دورة حياة الشعر لديه تتأرجح بين الراحة والنمو.

وتتابع: هذه الدراسة مجرد خطوة أولى نحو الاكتشافات العلاجية لتساقط الشعر المرتبط بالإجهاد، ويتعين علينا المزيد من العمل قبل تطبيقه على البشر.

يقول هاني الناظر -استشاري الأمراض الجلدية ورئيس المركز القومي للبحوث الأسبق- في تصريحات لـ"للعلم": هناك علاقة قوية بين التوتر وسقوط الشعر، حتى إن أول سؤال يطرحه الطبيب المعالج على أي مريض يشكو من تساقط الشعر هو: هل يتعرض المريض لضغوط نفسية أم لا؟ لذا فإن الدراسة أكدت هذه الحقيقة العلمية، وأضافت إليها بُعدًا جديدًا، وهو الآلية التي تحدث بها هذه العلاقة، وكيف تؤثر الغدة الكظرية من موقعها البعيد على الخلية الجذعية لبصيلة الشعر.

ويتابع: قد يكون هذا مفتاحًا لإيجاد وسائل علاجية لتساقط الشعر في المستقبل، الأمر الذي يُعد بالغ الأهمية؛ لأن تساقط الشعر يُعد من أكثر المشكلات شيوعًا على مستوى العالم، لكن هذه الدراسة قد تقدم حلًّا لسبب واحد فقط من أسباب سقوط الشعر، وهو تساقط الشعر بسبب التوتر، في حين أن هناك أسبابًا أخرى تتعلق بالعوامل الجينية، وقد لا يكون لنتائج هذه الدراسة أهمية كبيرة بالنسبة لها.

مسارات جديدة

يضيف "الناظر": لكن يبقى أن النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة قد تفتح مسارات جديدة أمام البحث العلمي؛ إذ كشفت الدراسة أثر تغيُّر مستوى هرمون الكورتيكوستيرون على نشاط الخلايا الجذعية لبصيلات الشعر، ما يساعد –مستقبلًا- في البحث عن وسائل علاجية لتساقط الشعر من خلال التحكم في نشاط هذا الهرمون.

تعلق "تشيه هسو" قائلة: بيولوجيا الأنسجة مترابطة مع فسيولوجيا الجسم، ولا يزال لدينا الكثير لنتعلمه في هذا المجال، لكن النتائج التي توصلنا إليها تذكِّرنا باستمرار أنه من أجل فهم الخلايا الجذعية للجلد، غالبًا ما يتعين علينا التفكير فيما وراء الجلد.