عادةً ما يشعر المدخنون بالإجهاد والتعب بمجرد بذل مجهود بسيط، وقد أرجعت دراسات علمية سابقة السبب في ذلك إلى تأثر الرئتين المباشر بدخان التبغ، ما يحد من قدرتهم على ممارسة أنشطة الحياة.

لكن دراسة دولية قادها باحثون بجامعة كاليفورنيا الأمريكية، بالتعاون مع زملائهم في معهد الكيمياء الحيوية الطبية التابع للجامعة الاتحادية في ريو دي جانيرو بالبرازيل، وجامعة كوتشي اليابانية، توصلت إلى أن التدخين لا يؤثر على الرئة وحسب، بل يدمر تدميرًا مباشرًا عضلات الجسم، وبخاصة عضلات الساق.

وكشفت الدراسة التي نُشرت في دورية (The Journal of Physiology) العلمية لأول مرة، أن تأثير دخان التبغ على العضلات أكبر بكثير مما كان يُعتقد في السابق.

وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن دخان السجائر يُضيق شرايين الجسم ويَحُدُّ بذلك من تدفق الدم إلى القلب، ويُقلل سعة الرئة فيزيد الجهد الذي يبذله الجسم خلال النشاط العضلي.

لكن الباحثين في الدراسة الجديدة استطاعوا أن يرصدوا أن تأثير التدخين يتجاوز ذلك بكثير؛ إذ يدمر العضلات مباشرةً عن طريق تقليل عدد الأوعية الدموية، وخاصةً في عضلات الساق.

مستويات النشاط البدني

ولرصد تأثير دخان السجائر على العضلات، عرَّض الباحثون عددًا من فئران التجارب لدخان التبغ، عن طريق الاستنشاق، أو التعرُّض لمحلول مشبع بدخان التبغ، لمدة 8 أسابيع، 5 أيام أسبوعيًّا.

وجد الباحثون أن دخان السجائر يقلل عدد الأوعية الدموية وخاصةً في عضلات الساق، فيتبعه تقليل كمية الأكسجين والمواد الغذائية التي يمكن أن تتلقاها العضلات.

وأضاف الفريق أن تقليل عدد الأوعية الدموية في العضلات يمكن أن يؤثر على عملية الأيض أو التمثيل الغذائي، ومستويات النشاط البدني، وكلاهما عامل خطر للعديد من الأمراض المزمنة، التي تتضمن مرض الانسداد الرئوي المزمن والسكري.

"إلين برين" -قائدة فريق البحث- قالت إن الدراسة كشفت أن دخان السجائر أدى إلى انخفاض كثافة الشعيرات الدموية للألياف العضلية بنسبة تراوحت بين 22 و34% في عضلات الساق لدى الفئران المعرضة للدخان، مقارنة بأقرانها التي لم تتعرض للتدخين.

وأوضحت لـ"للعلم" أن الشعيرات الدموية هي أصغر الأوعية الدموية في الجسم، وكثافتها في الألياف العضلية تسمح للدم بأن يتخلل الأنسجة العضلية بشكل كامل.

وبسبب تناقص الأوعية الدموية، ينخفض معدل تدفق الدم إلى العضلات، ما يحرمها من الأوكسجين والمواد المغذية لاستخدامها في الطاقة، وينتج عن ذلك ضعف العضلات وعدم قدرتها على أداء النشاط البدني بشكل كبير.

وأشارت إلى أن دخان السجائر أدى أيضًا إلى تراجُع مقاومة الجسم للإرهاق بنسبة تصل إلى 43٪ لدى الفئران، ما يعني أن العضلات تشعر بسرعة أكبر بالضعف والألم والتعب.

وقالت برين: "نحن نعلم أن التدخين يحد من قدرة الشخص على ممارسة الرياضة؛ لأنه يجعل العضلات أضعف، وكان يُعتقد على نطاق واسع أن ضعف العضلات نتيجة أن الرئة تصبح ملتهبة، فيحد ذلك من النشاط وممارسة الرياضة".

ونوهت بأنه "من الأهمية بمكان أن نُظهر للناس أن تدخين السجائر له عواقب وخيمة على جميع أنحاء الجسم، بما في ذلك مجموعات العضلات اللازمة للأنشطة البدنية التي تتطلبها الحياة اليومية، وذلك لوضع استراتيجيات لوقف الأضرار الناجمة عنه".

ورغم أن الدراسة أوضحت أن المواد الكيميائية الضارة في دخان السجائر يبلغ عددها حوالي 4 آلاف، إلا أنها لم تحدد أي تلك المواد هو المسؤول عن تضرر العضلات.

لكن برين أشارت إلى أن خطوتهم المقبلة هي تعرُّف المواد الكيميائية المسؤولة عن هذا الضرر، إلى جانب فهم الآلية التي تقف وراء تقليل عدد الأوعية الدموية في العضلات.

بُعد جديد

"فيصل زايد" –أستاذ جراحة العظام ومناظير المفاصل، بكلية الطب، جامعة الأزهر- رأى أن نتائج الدراسة المنشورة في إحدى كُبرَيات المجلات العالمية المتخصصة في فيسولوجيا الجسم، أضافت بُعدًا جديدًا لتأثيرات دخان السجائر على نشاط الجسم والعضلات، وتسبُّبها في سهولة الإصابة بالتعب والإجهاد.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف أن الدراسة أثبتت أن التدخين يؤثر على الأوعية الدموية والشرايين الدقيقة الموجودة في العضلات، ويقلِّل عددها وسعتها، ما يسبب تصلُّب الشرايين، ونقص كمية الأكسجين الواصل للعضلات، ويؤدي إلى الإصابة بمتلازمة التعب بشكل سريع جدًّا، بمجرد بذل مجهود خفيف، لدرجة تمنع من أداء المهمات اليومية العادية.

وأوضح أن هذه الحالة تقود الأشخاص إلى عدم بذل أي مجهود بدني، وإذا بذل الشخص مجهودًا بدنيًّا خفيفًا، فإنه يشعر بآلام شديدة في العضلات، لا تختفي بسهولة.

زايد نوَّه بأن الدراسة تحدثت عن أن النيكوتين يحتوي على 4 آلاف مادة ضارة، لكن هناك دراسات أخرى تحدثت أيضًا عن احتواء دخان السجائر على 7500 مادة كيميائية ضارة، مشيرًا إلى أن تلك المواد الضارة تقتل خلايا الجسم، وتؤثر بالسلب على تجدُّد الخلايا.

واعتبر أن الحركة والنشاط بمنزلة الوقود بالنسبة للعضلات والمفاصل والعظام، وعندما تضعف الحركة، تتأثر العضلات، وتصاب المفاصل بالتيبُّس، ويؤدي ذلك إلى سهولة الإصابة بكسور وآلام في العظام والمفاصل والغضاريف.

وعن تأثيرات التدخين على العظام، أشار زايد إلى أن دخان السجائر يساعد في الإصابة بترقُّق العظام وهشاشتها، نتيجة تراجُع المجهود البدني للمدخنين، ما يقود إلى زيادة حدوث كسور العظام.

وكشف أن المرضى المدخنين، الذين يتناولون أدويةً لخشونة الركبة، غالبًا لا يعودون إلى حالتهم الصحية بسهولة؛ لأن التدخين يؤثر على تجدُّد الخلايا، وتحدث هذه الحالة أيضًا مع المصابين بكسور العظام، إذ يؤثر التدخين على سرعة تعافي الكسور، وتتكرر أيضًا لدى المرضى الذين أجروا عمليات لتركيب شرائح ومسامير، إذ يؤدي التدخين إلى صعوبة التئام الجروح والكسور بعد إجراء تلك العمليات.

ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن التبغ يقتل ما يقرب من 6 ملايين شخص بإقليم شرق المتوسط سنويًّا، بينهم أكثر من 5 ملايين متعاطٍ سابق وحالي للتبغ، وحوالي 600 ألف شخص من غير المدخنين المعرضين للتدخين السلبي.

وأوضحت المنظمة أن التدخين يُعَد أحد الأسباب الرئيسية للعديد من الأمراض المزمنة، التي تتضمن السرطان، وأمراض الرئة، وأمراض القلب والأوعية الدموية، مضيفةً أنه ما لم يُتخذ إجراء في هذا الصدد فإنه بحلول عام 2030 يمكن للتبغ أن يقتل عددًا كبيرًا يصل إلى 8 ملايين شخص سنويًّا، يعيش 80% منهم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.