في عام 2015، تبنَّت 170 دولة من مختلِف أنحاء العالم اتفاق باريس، الذي تضمَّن هدفًا أساسيًّا يتمثل في الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، سعيًا إلى تجنُّب ارتفاع متوسط درجات الحرارة على الكوكب مع نهاية القرن الـ21، بأكثر من 1.5 درجة مئوية، عما كانت عليه في فترة ما قبل الثورة الصناعية.

ونتيجةً لهذا الاتفاق، اقترحت العديد من البلدان والمدن سياساتٍ وخطط عمل طموحةً للتخفيف من الانبعاثات الحرارية، لكن تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2020، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يكشف أنه من دون تبنِّي إجراءات صارمة وقاسية للتخفيف من أزمة المناخ، فإن الكوكب يسير باتجاه زيادة متوسط الحرارة، بأكثر من 3 درجات مئوية.

في السياق، تقدم دراسة أجراها فريق من الباحثين الصينيين ما يُعد أول مقارنة عالمية لمستويات غازات الدفيئة المنبعثة من المدن الكبرى في أنحاء العالم، بهدف تقييم مدى فاعلية السياسات المتَّبعة للحد من الانبعاثات الحرارية في 167 مدينة حول العالم، سواء في الدول المتقدمة أو في الدول النامية.

المدن في قفص الاتهام

ورغم أنها تشغل 2% فقط من سطح الأرض، تُعد المدن من أكبر أسباب أزمة المناخ العالمية، كما أن الأهداف والسياسات التي تتبناها المناطق الحضرية، في الوقت الراهن، للتخفيف من حدة التغيرات المناخية، لا تُعد كافيةً لتحقيق الأهداف العالمية لاتفاق باريس بنهاية القرن الحالي.

يقول شاوكينج تشين، الباحث المتخصص في شؤون البيئة الحضرية بجامعة "سون يات سين" الصينية، والمؤلف المشارك في الدراسة: في الوقت الراهن، يعيش أكثر من 50% من سكان العالم في المدن، وتتحمل المدن مسؤولية إنتاج أكثر من 70% من انبعاثات غازات الدفيئة، وبالتالي فإن عليها أن تتقاسم مسؤوليةً كبيرةً لتعزيز قدرة الاقتصاد العالمي على التخلص من أنشطة الانبعاثات الكربونية.

يضيف "تشين" في تصريحات لـ"للعلم": أساليب الرصد التي تتبعها المدن المختلفة لمتابعة مستوى التقدم في سياسات تخفيف آثار التغيرات المناخية، تتباين من مدينة إلى أخرى على مستوى العالم، مما يجعل من الصعب تقييم ومقارنة التقدم المحرَز في هذا المجال، بتغيُّر الزمان والمكان.

وانتهت الدراسة، التي نشرتها دورية "فرونتيرز إن ساستينابل سيتيز" (Frontiers in Sustainable Cities)، إلى عدة نتائج أهمها أن 25 مدينةً كبرى، من ضمن 167 مدينة شملتها الدراسة، مسؤولة عن إنتاج 52% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة في المناطق الحضرية، وأن المدن في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة سجلت نسبة انبعاثات للفرد أعلى بكثير من نظيرتها في مدن المناطق النامية، وأن قطاعي الطاقة الساكنة والنقل يُعدان أكبر مصدرين رئيسيين لانبعاثات غازات الدفيئة.

ثلاث مدن شرق أوسطية

في البداية، أعد فريق الدراسة قوائم رصد انبعاثات غازات الدفيئة على مستوى القطاعات، في 167 مدينة، تنوعت من المناطق الحضرية مثل ديربان في جنوب أفريقيا، إلى المدن الكبرى مثل ميلانو في إيطاليا، ثم قام الباحثون بتحليل البيانات ومقارنة التقدم المحرَز في خفض انبعاثات الكربون في المدن، استنادًا إلى سجلات الانبعاثات في سنوات سابقة، بين عامي 2012 و2016، وبعد ذلك، عمل الباحثون على تقييم الأهداف قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، التي وضعتها المدن المختلفة للتخفيف من الانبعاثات الكربونية.

يقول "تشين": تضمنت الدراسة ثلاث مدن في منطقة الشرق الأوسط، هي: دبي، والعاصمة الأردنية عمَّان، ومدينة إسطنبول في تركيا، وكان اختيار هذه المدن على أساس حجم المناطق الحضرية فيها، إضافةً إلى التوزيع الإقليمي، وتم تحديد مستويات التنمية في هذه المدن، بناءً على ما إذا كانت تنتمي إلى دول متقدمة أو إلى دول نامية، وفقًا للمعايير المعمول بها ضمن تصنيف الأمم المتحدة.

انبعاثات غازات الدفيئة

أظهرت نتائج الدراسة أن كلًّا من الدول المتقدمة والنامية فيها مدن تنتج مستويات مرتفعة من غازات الدفيئة، إلا أن المدن الكبرى في آسيا، مثل شنغهاي في الصين وطوكيو في اليابان، كانت بشكل خاص، من ضمن المدن الأعلى من حيث الانبعاثات الحرارية.

وتبيَّن من خلال مقارنة حصة الفرد من الانبعاثات، أن بعض المدن في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، لديها مستويات من الانبعاثات أعلى بكثير مما لدى معظم المدن في الدول النامية، كما أن الصين لديها أيضًا العديد من المدن، التي فيها نصيب الفرد من الانبعاثات يقارب نصيب نظيره في الدول المتقدمة.

ويلفت فريق الدراسة، في هذا الصدد، إلى أنه من المهم ملاحظة أن العديد من الدول المتقدمة تلجأ إلى استخدام خطوط إنتاج في الصين، خاصةً بالنسبة لسلاسل الإنتاج عالية الكربون، مما يزيد من مستويات الانبعاثات المرتبطة بالتصدير بالنسبة للصين.

يقول "تشين": تقسيم الانبعاثات وفق القطاع يمكن أن يفيدنا في تحديد الإجراءات التي يجب أن تحظى بالأولوية لتقليل الانبعاثات الناتجة عن المباني والنقل والعمليات الصناعية وغيرها من المصادر.

وأظهرت النتائج أن أنشطة الطاقة الساكنة، التي تشمل الانبعاثات الناتجة عن احتراق الوقود، واستخدامات الكهرباء في المباني السكنية والمؤسسية والمنشآت التجارية والصناعية، تُسهم بما يتراوح بين 60 و80% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة في مدن أمريكا الشمالية وأوروبا.

في ثلث المدن التي شملتها الدراسة، جاءت نسبة تزيد على 30% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة، نتيجة أنشطة قطاع النقل البري، وفي الوقت نفسه، جاء أقل من 15% من إجمالي الانبعاثات من خطوط النقل بالسكك الحديدية، وممرات الملاحة البحرية، والطيران المدني.

تخفيف الانبعاثات

قدم الباحثون ثلاث توصيات رئيسية تتعلق بالسياسات المتبعة للتخفيف من حدة انبعاثات غازات الدفيئة، وهي تحديد قطاعات الانبعاث الرئيسية؛ للعمل على وضع إستراتيجيات تخفيف أكثر فاعلية، والحاجة إلى وضع قوائم حصر عالمية لانبعاثات غازات الدفيئة، بما يسمح بتتبُّع فاعلية سياسات خفض غازات الدفيئة في المناطق الحضرية.

وفيما يتعلق بالتوصية الثالثة، يقول "تشين": يجب أن تضع المدن أهدافًا طموحةً لتخفيف الانبعاثات بحيث يمكن تتبُّعها بسهولة، ففي مرحلة معينة، تُعد كثافة الكربون مؤشرًا مفيدًا يوضح قدرة الاقتصاد على التخلص من الأنشطة الكربونية، كما يوفر مرونةً أفضل للمدن ذات النمو الاقتصادي السريع والمستويات المرتفعة من الانبعاثات، ولكن على المدى الطويل، يُعد التحول من أهداف تخفيف كثافة الانبعاثات إلى أهداف التخفيف المطلقة أمرًا ضروريًّا لتحقيق هدف تحييد الكربون على مستوى العالم بحلول عام 2050.