إذا كان لديك 100 ألف شخص أو أكثر يمكنهم مساعدتك في عملك البحثي، فما الذي يمنعك من الاستفادة بهم؟

ربما مثلت الإجابة عن ذلك السؤال -البدهي- مدخلًا جيدًا للحديث عن "علم المواطن"، الذي شق طريقه للظهور لأول مرة في عام 1979، قبل أن يصبح إحدى الأدوات الفاعلة والمهمة في العديد من المجالات العلمية المختلفة، بدايةً من مراقبة الحياة البرية بشبكاتها المعقدة وانتهاءً بتجارب الحياة اليومية التي يعيشها السجناء في الزنازين!

لكن محاولة التعريف والتنظير للمصطلح ظهرت -بشكل مفصل- في منتصف التسعينيات من القرن الماضي على يد ريك بوني، وهو الآن باحث زائر ومدير متقاعد لمشروع المشاركة العامة في العلوم في مختبر كورنيل لعلم الطيور في الولايات المتحدة الأمريكية، وعالِم الاجتماع الاقتصادي البريطاني آلان إروين الذي أصدر كتابًا خصصه للحديث عن علم المواطن والتنمية المستدامة.

ويُعرف "علم المواطن" بعدة أسماء أخرى، منها "علم المجتمع"، و"علم الجماهير"، و"علم مراقبة المتطوعين"، و"المشاركة العامة في البحث العلمي"، وهو في الأساس عملية بحثية علمية يتم إجراؤها، كليًّا أو جزئيًّا، بواسطة باحثين هواة (أو غير محترفين)، وتعزز نتائجه تقدُّم البحث العلمي من خلال تحسين قدرة المجتمعات العلمية، فضلًا عن زيادة فهم الجمهور للعلم.

مجالات مختلفة

تتنوع المجالات والتخصصات العلمية التي يؤدي فيها "علم المواطن" دورًا بارزًا، ومنها علوم البيئة، والفلك، والطب، والكمبيوتر، والإحصاء، وعلم النفس، والوراثة، والهندسة وغيرها، إذ تسمح عمليات التعاون الهائلة بإجراء تحقيقات على المستويات القارية والعالمية -عبر عقود- مما يؤدي إلى اكتشافات لا يمكن لعالِم واحد تحقيقها بمفرده.

والعلماء المواطنون عادةً ليسوا علماء محترفين، وإنما هم مجرد أشخاص يهتمون بالتعاون مع العلماء المحترفين بطرق تعزز البحث العلمي في الموضوعات التي يهتمون بها، ويأتي العلماء المواطنون من جميع مناحي الحياة، ويشمل ذلك المتقاعدين الذين يسعون إلى التواصل الاجتماعي مع الآخرين ونقل معارفهم وخبراتهم إلى الآخرين، واللاعبين عبر الإنترنت الذين يقدمون مهاراتهم للعلماء من خلال تصميم برامج تساعد في اللبنات الأساسية للحياة، والمعلمين والطلاب الذين يبحثون عن مزيد من الخبرة العملية خارج الفصل الدراسي، ودعاة العدالة البيئية الذين يريدون رؤية البيانات المهمة بأعينهم، بل حتى السجناء الذين لديهم رغبة في رصد تجارب يكونون شهود عيان عليها بصورة يصعب على العلماء المحترفين الوصول إليها.

المواطنة العلمية

يقول "إروين"، أستاذ التنظيم في كلية كوبنهاجن للأعمال وأحد رواد المنظرين الأوائل لعلم المواطن، في تصريحات لـ"للعلم": يُعد علم المواطن تطويرًا لمفهوم المواطنة العلمية، ويعني إشراك المواطنين غير المتخصصين في عملية البحث العلمي، وأحد مجالات البحث التي تستخدم علم المواطن على نحوٍ متكرر هو مجال المراقبة البيئية، مثل برامج مراقبة جودة الهواء والماء، إضافةً إلى مشروعات علم الفلك التي قد تجند مشاركين -غير محترفين- للمساعدة في رسم خرائط للسماء الليلية.

ويعتمد "علم المواطن" على أربع نقاط أساسية، هي أنه "يمكن لأي شخص المشاركة في عمليات البحث العلمي"، وأن "يتبع المشاركون قواعد وإجراءات محددة تسمح بأن تكون البيانات التي يحصلون عليها عالية الجودة"، وأن "تساعد البيانات التي يحصل عليها المواطنون العاديون العلماء الحقيقيين في الوصول إلى استنتاجات حقيقية"، وأن "يعمل العلماء والمتطوعون معًا بصورة تسمح لهم بتبادل البيانات التي يحصلون عليها".

في هذا السياق، أطلق فريق بحثي من جامعة ولاية كارولينا الشمالية مشروعًا بحثيًّا علميًّا واسع النطاق، أطلقوا عليه (Carolina Candid Critters)، استهدف تدريب 580 متطوعًا من 100 مقاطعة على التقاط صور للحياة البرية وسلوكها باستخدام كاميرات حساسة للحرارة، ثم مشاركة صورهم من خلال المنصة الإلكترونية eMammal، وهي منصة تستهدف إدارة البيانات وأرشفتها من أجل استخدامها في مشروعات بحثية تعتمد على مصائد الكاميرات، وتم تصميم تلك المنصة لكي تكون مفيدةً لكلٍّ من العلماء والمواطنين الذين يساعدون العلماء في جمع الصور.

ملايين الصور 

وضع المتطوعون الكاميرات في 3093 موقعًا، والتقطوا صورًا من 4295 موقعًا في أراضٍ خاصة وعامة، وحصلوا على إذن مسبق من أصحاب الأراضي العامة والخاصة لوضع كاميراتهم في تلك المناطق، كما وضع 54% من المتطوعين الكاميرات على أراضٍ يمتلكونها.

ومن بين 2.2 مليون صورة حصل عليها الباحثون، التقط المتطوعون 1.4 مليون صورة، والتقط موظفون الصور الباقية، ما ساعد فريق البحث في الحصول على 120 ألفًا و671 ملحوظة (45% منها حصل عليها الباحثون من المتطوعين الذين خضعوا للتدريب) عن الحياة البرية، شملت 30 نوعًا مختلفًا من الثدييات وثلاثة أنواع من الطيور.

راجع الباحثون صور المتطوعين بتدقيق مضاعف، للتأكد من وضع الكاميرات بشكل صحيح، إذ رفض الباحثون أقل من 1% من مواضع الكاميرا لكونها منخفضةً للغاية، و3.2% لكونها عالية جدًّا، و4.9% لأسباب تتعلق بأعطال المعدات، بما في ذلك الكاميرات التي دمرتها الدببة.

ووفق الدراسة التي نشرتها مجلة (Citizen Science: Theory and Practice)، أبلغ الباحثون عن النجاحات والتحديات التي شهدها المشروع البحثي، الذي جمع أكثر من 2.2 مليون صورة على مدار ثلاث سنوات، وزاد من عدد سجلات الثدييات التي تم التحقق منها، والتي كانت متاحةً في الدولة، بخمسة أضعاف، أما المتطوعون فقد نجحوا في تحديد الحيوانات التي التقطوا صورها بدقة بلغت 69.7%.

عملية تعليم كبيرة 

كانت دوافع الدراسة ذات شقين: الأول زيادة إمكانية وصول العلم إلى عامة الناس من خلال المشاركة، والآخر جمع البيانات عن وجود الحياة البرية، إذ سمح علم المواطن بإجراء الجزء العلمي من الدراسة من خلال الاستعانة بقوى بشرية أقل وبتكلفة أرخص، كما سمح لنا علم المواطن أيضًا بتعليم جمهور عريض عن العلوم والحياة البرية والحفاظ على الأنواع، وفق تصريحات الباحثة الرئيسية في الدراسة "مونيكا لاسكي" لـ"للعلم".

استعان الباحثون بالمكتبات العامة في ولاية كارولينا الشمالية لاستعارة مصائد الكاميرات ومنحها للمتطوعين، الذين تمكنوا من وضع كاميرات في ساحاتهم أو في مساحات الأراضي العامة المعتمدة (مثل الحدائق الطبيعية)، تضيف "لاسكي": قام المتطوعون بتحميل بياناتهم على منصة eMammal، وجمعنا المعلومات الحيوانية بهذه الطريقة، ثم أجرينا التحليلات الإحصائية لفهم طبيعة الحياة البرية في جميع أنحاء الولاية.

إيجابيات وتحديات 

تلخص "لاسكي" إيجابيات هذه العملية البحثية قائلة: تمكنَّا من مشاركة العلم مع الجمهور وزيادة الاهتمام بالحياة البرية والمحافظة عليها في جميع أنحاء ولاية كارولينا الشمالية، وكانت البيانات التي حصلنا عليها مفيدةً للغاية للعلماء والمختصين بالحياة البرية لفهم وجود الأنواع في جميع أنحاء الولاية.

في المقابل، واجه فريق البحث تحديات عدة، منها صعوبة إنشاء نظام مناسب لإعارة الكاميرات للمتطوعين من خلال المكتبات العامة في نورث كارولاينا، التي أدت دورًا مفيدًا في توفير تلك الكاميرات "للمتطوعين".

تقول "لاسكي": أصبح علم المواطن شائعًا فقط في السنوات الأخيرة، ولا يزال هناك الكثير من الجدل حول قدرته على جمع بيانات علمية قوية، ومع ذلك، فإننا نعمل حاليًّا على خلق نموذج يستهدف توثيق البيانات التي يحصل عليها المواطنون وتدقيقها، بما يضمن الحد من حالة الجدل.

علاقة العلم بالمجتمع 

يشدد "إروين" على أهمية التوجه إلى استخدام آليات "علم المواطن" في البحث العلمي، موضحًا أنه "يساعد في توفير احتياطي ضخم من المعرفة وجمع البيانات، وبالتالي يسهم في جلب موارد كبيرة في خدمة تنمية المعرفة"، ويضيف في تصريحات لـ"للعلم": يعد علم المواطن طريقةً مُثلى لتقوية العلاقة الأوسع بين العلم والمجتمع، إذ يقدم طريقةً شاملةً ومفتوحة للمواطنين العاديين للانخراط في العلوم، ولا ينبغي الاستهانة بفوائد هذه العلاقة على المدى الطويل.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول مدى مصداقية المعلومات والبيانات القائمة على "علم المواطن"، يقول "إروين": أريد أن أؤكد أنه يمكن الحكم على مصداقية المعلومات من وجهات نظر متعددة، ومن المشكلات التي تواجهنا أن البيانات التي قدمها المواطنون -في مجالات البيئة على سبيل المثال- يتم رفضها أو التعامل معها على أنها بيانات غير مهمة؛ لأنها تفتقر إلى وجود دليل علمي يؤكدها، وأعتقد أن صانعي السياسات على وجه الخصوص يمكنهم التفكير في كيفية الاستفادة المُثلى من هذه البيانات، مضيفًا أن علم المواطن لا يتمحور فقط حول إجراء التجربة العلمية، بل يمكنه أيضًا طرح وجهات نظر متنوعة.

وعن مستقبل علم المواطن يقول "إروين": يتخذ علم المواطن العديد من الأشكال والأنماط على عدد من المستويات، أهمها الإسهام في البحث العلمي وخلق طريقة عملية للتفاعل مع العالم من حولنا، وأنا شخصيًّا أرى أنه يمثل أداة قوة للبحث العلمي.

ويتابع: علاوةً على ذلك، فإن علم المواطن يمنحنا فرصًا أكبر للاستفادة من مصادر البيانات غير التقليدية، ويمنح صناع السياسات العلمية القدرة على الاستفادة من جميع الأدلة المتاحة بطريقة مناسبة، لذلك بينما يعتقد العديد من العلماء أن علم المواطن هو مجرد وسيلة إضافية لجمع البيانات، أعتقد أنه يقدم قيمةً مضافةً لمصادر المعرفة المختلفة، ومن منظور إيجابي، أود أن أرى نموًّا في تطور علم المواطن مصحوبًا بمناقشة بناءة حول كيفية استخدامه بوصفه إحدى الأدوات المهمة لإنتاج المعرفة.