فيما يمكن اعتباره "ثورة" على طريق إنتاج علاجات مناعية أكثر فاعليةً لقطاع واسع من الأمراض التي يأتي في مقدمتها مرض السرطان، توصل فريق من الباحثين في عدد من الجامعات والمعاهد الأسترالية إلى آلية من شأنها التعامل مع الطريقة التي تحمي بها تلك الأمراض نفسها من هجمات الجهاز المناعي للجسم.

فكما هو معروف، تمثل الخلايا التائية T عنصرًا رئيسيًّا في جهاز المناعة البشري، إذ تؤدي دورًاحاسمًا في حمايتنا من مسببات الأمراض الضارة، مثل الفيروسات والبكتيريا والسرطانات. وكلما زاد فهمنا لآليات إدراكها للأمراض ومسبباتها، وكيفية التفاعل مع الخلايا المصابة بالفيروسات أو البكتيريا أو الخلايا السرطانية، أو حتى قتلها، فإننا نقترب أكثر من تطوير علاجات فعالة لمجموعة واسعة من تلك الأمراض.

ووفق الدراسة، التي نشرتها دورية "ساينس" Science، فإن "السرطان" يستعين بجزيء (MR1)، الذي يظهر على سطح الخلايا السرطانية وينشط الخلايا التنظيمية؛ حتى تمنع الخلايا المناعية وكرات الدم البيضاء من مهاجمتها. وعند تزويد الجسم بمضادات تعوق ارتباط هذا الجزيء بالخلايا التائية، فإن الخلايا التنظيمية تتوقف عن النشاط، ما يسمح للجهاز المناعي والخلايا المناعية وكرات الدم البيضاء بممارسة نشاطها المضاد للخلايا السرطانية.

ومن أجل التفاعُل مع الخلايا الأخرى في الجسم، تعتمد الخلايا التائية T على تلك المستقبِلات المتخصصة، المعروفة باسم مستقبِلات الخلايا التائية، والتي تتعرف على أجزاء -أو حتى مجرد شظايا- من الفيروس أو البكتيريا المرتبطة بجزيئات بروتينية متخصصة ضرورية للجهاز المناعي للتعرُّف على خلايا غريبة عن الجسم تسمى (MHC) أو شبيهتها MHC-like. وعلى مدى العشرين عامًا الماضية، كان الرأي السائد هو أن مستقبِلات الخلايا التائية تأخذ موضعها فوق جزيئات MHC والجزيئات الشبيهة بها للتعرُّف عليها.

قام فريق الدراسة بتمييز سكان جدد ضمن فئة من الخلايا التائية غير المفهومة بشكل جيد تسمى خلايا جاما دلتا تي، يمكنها التعرف على جزيء شبيه بـMHC ويُعرف باسم MR1. وباستخدام حزمة من أشعة إكس عالي الكثافة في معامل السنكروترون الأسترالي، حصل العلماء على صورة ثلاثية الأبعاد مفصّلة للتفاعل بين مستقبلات خلايا دلتا جاما وMR1، التي تكشف عن نتيجة مثيرة للاهتمام؛ إذ تلتقي مستقبلات (جاما دلتا تي) في الخلية من أسفل جزيءMHC- للتعرف عليه. ووفق القائمين على الدراسة، "تعيد آلية التعرف غير المعتادة هذه تشكيل فهمنا لكيفية تفاعُل TCR مع جزيئاتها المستهدفة، ما يمثل تطورًا رئيسيًّا في مجال بيولوجيا الخلايا التائية".

خلايا جاما دلتا

يقول محمود كامل -أستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية والمناعة بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": إن لدينا العديد من المعلومات عن خلايا "ألفا بيتا"، لكننا لا نعرف الكثير عن خلايا "جاما دلتا"، بما في ذلك نوعية الجزيئات التي ترتبط بها حتى تؤدي وظيفتها المناعية.

لكن يبدو أننا على موعد لفهم المزيد عن الخلايا "جاما دلتا"؛ إذ استطاع الباحثون الأستراليون التعرُّف على معلومات جديدة عن هذه الخلايا، فقد اكتشفوا للمرة الأولى أن هذه الخلايا ترتبط بجزيء (MR1) بآلية مختلفة عن خلايا "ألفا بيتا"، كما نجحوا في الحصول على صور ثلاثية الأبعاد لهذا الارتباط، وهو ما يمثل نقلةً في فهمنا للدور الذي يمكن أن تؤديه هذه الخلايا في المناعة.

وعلى الرغم من أن نشأة الخلايا (ألفا بيتا وجاما دلتا)، التي تؤدي دورًا حيويًّا في  الجهاز المناعي وحماية الجسم، تتم في الغدة الزعترية من خلايا متشابهة، إلا أن أدوار تلك الخلايا البيولوجية وتركيبها الجزيئي يختلف بشكل كبير. إذ تقوم غالبية الخلايا التائية بإعادة ترتيب سلاسل "ألفا بيتا" على مستقبِلات الخلايا، في إطار ما يُعرف بنظام "المناعة التكيفي" في الجسم، في حين تحتوي خلايا "جاما دلتا" على مستقبِلات تائية تعمل ضمن "الجهاز المناعي الفطري".

يعتمد تنشيط خلايا "ألفا بيتا" المناعية على الارتباط بين المستقبِل الموجود على سطحها والخلايا المعروفة باسم الخلايا المقدمة للمستضدات. وهذه الخلايا تقدم المستضد الغريب على شكل مركبات ترتبط مع "مركبات التوافق النسيجي الرئيسة" الموجودة على سطحها، أو مع جزيء يسمى بالبروتين رقم 1، المرتبط بمركبات التوافق النسيجي الرئيسة (MR1) لتتعرَّف عليها الخلية التائية باستخدام المستقبِلات الخاصة بها.

وتقوم الخلايا المقدمة للمستضدات بمعالجة المستضد داخلها لتنتج بعض المركبات التي تقدمها على سطحها للخلايا التائية. وهذا الارتباط يتم من خلال وجود المستقبِل الخاص بالخلايا التائية من أعلى. ويمكن تصور هذا الارتباط من خلال تخيُّل عَلَم أو راية ترتبط بالخلية المقدمة للمستضدات؛ إذ تأتي الخلية التائية لتتعرف على هذا العَلَم، وترتبط به من أعلى، ومن ثم تتم عملية تنشيط الخلية. وفي المقابل تبيَّن من نتائج البحث الأخير أن خلايا "جاما دلتا" لا تعمل بالطريقة ذاتها.

طريقة غير معتادة

يقول وائل عوض-المدرس بكلية العلوم في جامعة القاهرة، والذي يعمل حاليًّا بجامعة "موناش" الأسترالية، والباحث المصري المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": في هذه الدراسة استخدمنا العديد من التقنيات، وعلى رأسها تصوير أشعة إكس عالي الكثافة، ومن المثير للاهتمام أن الصور ثلاثية الأبعاد لهذه المستقبِلات مع جزيئات MR1 أظهرت أن الارتباط بها يتم من أسفل وليس من أعلى، بغض النظر عن نوع المستضد الذي يقدم لها.

يشدد "عوض" على أن هذه الطريقة غير المعتادة للارتباط تغير مفهومنا لارتباط الخلايا التائية مع الجزيئات الأخرى، وهو ما يمثل نقلةً نوعيةً في مجال فهمنا للخلايا التائية بصفة عامة، تغير ما كنا نعرفه خلال العشرين عامًا الماضية.

يؤدي جهاز المناعة دورًا حيويًّا في الحفاظ علي صحة الإنسان وحمايته من مسببات الأمراض الموجودة في البيئة؛ إذ يُعتبر هذا الجهاز بمنزلة جيش يدافع عن الجسم من خلال مجموعة من الأعضاء والخلايا والبروتينات والعمليات الحيوية؛ من أجل حمايته من الميكروبات والسموم والخلايا السرطانية والجسيمات الغريبة.

داخل هذه المنظومة يقوم كل عنصر أو جندي بوظيفته، والهدف في النهاية هو التعرُّف على المعتدين ومقاومتهم، وتتمثل هذه العناصر في خلايا الدم البيضاء بأنواعها المختلفة، والجهاز الليمفاوي، والطحال، والغدة  الزعترية (وهي غدة صماء تقع على القصبة الهوائية، توجد لدى الأطفال، ثم تضمر مع البلوغ)، ونخاع العظام، وكذلك الأجسام المضادة.

تتفاعل هذه العناصر معًا في منظومة مدهشة مثيرة للإعجاب؛ من أجل تأدية تلك الوظيفة المعقدة، التي تستهدف حماية الجسم من الأخطار من دون إحداث أضرار جسيمة أو إطلاق أي نيران صديقة.

ولا توجد خلايا وبروتينات المناعة في مكان واحد أو عضو واحد كالقلب والكبد، بل تنتشر مكونات جهاز المناعة عبر الجسم من أجل تحقيق أسرع استجابة لأي هجمات خارجية. وتتحرك الخلايا المناعية عبر الدم والجهاز الليمفاوي (وهي شبكة متخصصة من الأعضاء والأنسجة التي تساعد على التخلص من السموم والفضلات)، بينما يمثل الطحال والعقد الليمفاوية مراكز للاتصال والتواصل بين الخلايا.

نوعان من المناعة

وبشكل عام، تنقسم المناعة إلى نوعين رئيسيين: مناعة طبيعية ومناعة مكتسبة، وحين يتعرض الجسم لمعتدٍ خارجي، تعمل المناعة الطبيعية-من خلال مكوناتها المختلفة- كخط أول للدفاع، إذ تسارع بمقاومة المعتدي، لكن هذا التصرف السريع قد لا يكفي للتخلص من المعتدين، ويبدأ دور الخلايا الليمفاوية (العنصر الأساسي في المناعة المكتسبة) من أجل توفير وسائل دفاع أكثر قوةً، وحماية أطول ضد تكرار الإصابة اللاحقة بالمرض ذاته. ولا يعمل نوعا المناعة بشكل مستقل، بل يتفاعلان معًا، إذ تؤدي خلايا المناعة الطبيعية دورًا رئيسيًّا في تنشيط المناعة المكتسبة وتوجيهها من أجل توحيد الجهود ضد الخطر القادم.

لكن قبل أن تنطلق الخلايا الليمفاوية لتؤدي مهمتها في الدفاع والحماية، لابد من أن  تتلقى التدريب الكافي في المراكز المخصصة لذلك، يبدأ هذا التدريب في نخاع العظام والغدة التيموسية، حيث تجري برمجة كل خلية لتكون متخصصةً في مواجهة عدو معين (مستضد معين)، وبعدها تتحرك لمواجهة الأعداء المحتملين.

وتنقسم الخلايا الليمفاوية بوجه عام إلى خلايا بائية، وأخرى تائية، وثالثة تسمى الخلايا القاتلة الطبيعية. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالخلايا التائية تنقسم هي الأخرى إلى مجموعات تؤدي وظائف مختلفة، إذ تقوم مجموعة منها بتنظيم عملية الدفاع، وتؤدي مجموعة أخرى مهمة قتل المعتدي، وتحتفظ مجموعة ثالثة بسجلات تساعد على الاستجابة بشكل سريع إذا تعرضت للهجوم ذاته في المستقبل.

التعرُّف على العدو

لكن الخلايا التائية لا تستطيع أن تتعرف على العدو (المستضد الموجود في خلايا الميكروب أو الخلية السرطانية) بنفسها. لذا تحتاج إلى مَن يقوم بمعالجة هذا العدو بطريقة معينة ثم يقدمه لها، وهو الدور الذي تقوم به الخلايا المقدمة للمستضد بشكل أساسي. لهذا السبب لابد أن تكون الخطوة الأولى في استجابة الخلايا التائية هي أن تتلقى هذه الخلايا إشارات من الخلايا المناعية الأخرى. وهذه الإشارات تتم من خلال تفاعُل المستقبِل الموجود على سطح الخلايا التائية مع روابط على سطح الخلايا المحيطة.

وبشكل عام، هناك نوعان من الخلايا التائية فيما يتعلق بنوع المستقبِل الموجود على سطحها. النوع الأول الأكثر شيوعًا، وهي الخلايا التي يتكون المستقبل فيها من نوعين من سلاسل الجليكوبروتين (ألفا وبيتا)، لذا تسمى هذه الخلايا بالاسم نفسه. أما  النوع الآخر الأقل شيوعًا فهو الذي يتكون فيه المستقبِل من نوعين أيضًا من سلاسل الجليكوبروتين، ولكن إحداهما من النوع جاما والأخرى من النوع دلتا. وهذا النوع يمثل حوالي 2% من الخلايا التائية، ويوجد بوجه خاص في الغشاء المخاطي في الأمعاء والجلد والرئتين والرحم، ويشارك في بدء الاستجابات المناعية وتطويرها.

تقدم جزيئات MHC الببتيدات الناتجة من معالجة المستضدات للخلايا التائية لتقوم بتنشيطها. لكن ماذا عن جزيئات MR1؟ ما نوع المستضد الذي تقدمه؟ وكيف تقدمه؟ الإجابة قدمها بحث نُشر في مجلة نيتشر في عام 2012. الدراسة التي أُجريت على نوع من الخلايا التائية تُعرف اختصارًا بـMAIT أوضحت أن المستضدات التي ترتبط بجزيءMR1 تمثل نواتج التمثيل الغذائي لفيتامين "ب" في الميكروبات. ونظرًا إلى أن عملية تصنيع الفيتامينات لدى البكتيريا تختلف عن تلك الموجودة لدى البشر، استنتجت الدراسة أن هذا النوع من الخلايا يتعرف على وجود العدوى الميكروبية من خلال هذه النواتج.

يضيف "عوض": نتائجنا تثبت للمرة الأولى أن جزيئات MR1 ترتبط بالخلايا من نوع جاما دلتا. وهذه الخلايا تؤدي دورًا مهمًّا في المناعة خلال العدوى، وكذلك خلال الإصابة بالسرطان. لكن الطريقة التي تفعل بها ذلك ليست مفهومةً بشكل واضح. فقد تكون جزيئات MR1 هي التي تقدم الإشارة الخاصة بوجود العدوى أو السرطان لهذه الخلايا، وبالتالي تبدأ خلايا جاما دلتا في الاستجابة والدفاع عن الكائن الحي.

يشير الباحثون إلى أن خلايا جاما دلتا لها قدرة كبيرة على قتل أنواع مختلفة من الخلايا السرطانية، يدخل فيها العديد من سرطانات الدم والأورام الصلبة، بالإضافة إلى ذلك، يمكن نقل هذه الخلايا من فرد إلى آخر دون الخوف من وجود تأثيرات مناعية. وتقف هذه الخلايا على الخط بين المناعة الطبيعية والمكتسبة، ولكل هذه الأسباب أصبح هناك اهتمامٌ متزايدٌ بهذه الخلايا والمستقبلات الخاصة بها في أوساط الباحثين؛ من أجل استخدامها في التطبيقات المناعية لعلاج السرطان.

يقول "عوض": هذا البحث يمثل خطوة في سلسلة الأبحاث التي يُجريها معملنا، فقد نشرنا أربعة أبحاث في مجلة "نيتشر" وغيرها خلال الأعوام الماضية، كما أن بحثًا آخر سيجري نشره قريبًا في دورية "نيتشر أمينولوجي"، يقدم المزيد من التفاصيل حول جزيء MR1 ومستقبلات الخلايا التائية. لذا، فنحن نأخذ بالفعل مجموعةً من الخطوات في طريق فهم هذه الخلايا وتطبيقاتها.