أسهمت شركات النفط والغاز العملاقة حول العالم إسهامًا كبيرًا في تغيُّر المناخ العالمي من خلال انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وتشير البيانات إلى أنه من أجل تجنُّب تداعيات التغيُّر المناخي الخطير، يجب أن يصل صافي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في جميع أنحاء العالم إلى "صفر" بحلول عام 2050، بما يتوافق مع معايير حملة الأمم المتحدة "السباق إلى الصفر".

واستجابةً لذلك، أعربت بعض شركات الطاقة عن خطط للانتقال من الوقود الأحفوري إلى بدائل الطاقة النظيفة، لكن الأبحاث السابقة تشير إلى حدوث تقدم محدود في هذا المجال.

والطاقة النظيفة هي الطاقة التي تأتي من مصادر متجددة خالية من الانبعاثات ولا تلوِّث الغلاف الجوي، مثل الطاقة الكهربائية، على خلاف الفحم والنفط وهما مصدران يزيدان من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

ولاكتساب رؤى أعمق حول نشاط تحوُّل الشركات إلى الطاقة النظيفة، أجرى فريق بحثي ياباني تحليلًا لأنشطة أربع شركات عملاقة في مجال الطاقة مسؤولة عن أكثر من 10% من انبعاثات الكربون في جميع أنحاء العالم منذ عام 1965، وهي شركات "بريتيش بتروليوم" ‏و"شيفرون" و"إكسون موبيل" و"شل".

وكشفت الدراسة التي نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE) أمس "الأربعاء"، 16 فبراير، أن خطابات الشركات الأربع وتعهداتها المتعلقة بالانتقال إلى الطاقة النظيفة لا تتسق مع إجراءات الأعمال والاستثمارات.

حلل الباحثون خطابات الشركات وتعهداتها عبر البيانات المتاحة للجمهور على مدى 12 عامًا، وتحديدًا خلال الفترة من 2009 إلى 2020، وقيّموا إستراتيجيات العمل والبيانات المالية والكلمات الرئيسية المتعلقة بالانتقال إلى الطاقة النظيفة في التقارير السنويَّة.

وكشف التحليل أن التقارير السنوية للشركات احتوت على خطاب متزايد متعلق بالكلمات الرئيسية "مناخ" و"منخفض الكربون" و"انتقال"، خاصةً بالنسبة لشركتي "بريتيش بتروليوم" و"شل".

وأظهرت إستراتيجيات الأعمال حركةً نحو نماذج إزالة الكربون والطاقة النظيفة، لكن هذا التقدُّم كان في الغالب في شكل تعهدات بدلًا من إجراءات ملموسة.

وأشارت البيانات المالية إلى أن نماذج أعمال الشركات الأربع لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري، مع استثمار ضئيل في الطاقة النظيفة، كما أنها لا تنتقل حاليًّا من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة.

يقول جريجوري ترينشر، أستاذ الدراسات البيئية العالمية المشارك في جامعة كيوتو اليابانية، والمشارك في الدراسة: الإجراءات والاستثمارات لا تدعم المطالبات المقدمة من الشركات الأربع بشأن الجهود المبذولة للانتقال إلى الطاقة النظيفة، وإلى أن يكون هناك زيادة أكبر في الإجراءات الملموسة لتحويل إستراتيجيات الأعمال والاستثمار في الطاقة الخالية من الكربون أو الطاقة المتجددة، ويبدو أن الاتهامات الموجهة إلى تلك الشركات بـ"الغسل الأخضر" (Greenwashing) مثبتة بشكل جيد.

ويصف مصطلح "الغسل الأخضر" لجوء بعض الشركات إلى تضليل الرأي العام حولها بالإيحاء له بأنها أكثر التزامًا بحماية البيئة مما هي عليه بالفعل، وبرزت هذه الظاهرة عندما بدأت شركات في المبالغة بإظهار التزاماتها الخضراء وجهودها لحفظ البيئة، على خلاف الحقيقة.

يضيف "ترينشر" في تصريحات لـ"للعلم": وجدنا أن معظم النشاط المرتبط بالطاقة النظيفة بشكل عام يكون في شكل تعهدات وليس اتخاذ إجراءات ملموسة، علاوةً على ذلك، يتعارض العديد من الإجراءات التي تُجريها تلك الشركات مع تعهداتها ببذل جهودها لحفظ البيئة، أو تعرقل احتمالية حدوث انتقالها إلى الطاقة النظيفة.

ويتابع: على سبيل المثال، أبلغت شركة "بريتيش بتروليوم" في تقريرها السنوي لعام 2019 أن إنتاج المزيد من الغاز كان متسقًا مع مستقبل صافي الصفر، في حين ذكرت "بريتيش بتروليوم" و"شيفرون" وجهة نظر في التقارير السنوية بأن تقليل إنتاج الوقود الأحفوري لن يكون فعالًا للتخفيف من تغيُّر المناخ.

وتُعدُّ هذه الدراسة المحاولة الأولى لإيجاد طريقة شاملة لرصد ومقارنة السلوك الانتقالي لشركات النفط الكبرى، وفق "ترينشر"، مضيفًا: لقد حظيت باهتمام أكبر بكثير مما توقعناه في أي وقت مضى، وبالتالي هناك حاجة مجتمعية قوية إلى البحث في هذا المجال.

واستنتج الباحثون أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة لم يحدث حتى الآن، لأن حجم الاستثمارات والإجراءات لا يتطابق مع الخطاب، وأنه يمكن للأبحاث المستقبلية أن تساعد في تأكيد هذه النتائج واستكشاف العوامل المحددة التي تكمن وراء عدم التوافق بين خطاب الشركات وأفعالها واستثماراتها.