في مدينة دار السلام، العاصمة السابقة لدولة تنزانيا الإفريقية، تستيقظ "لوسيانا مانديا" كل صباح، تطبع قبلةً على وجه طفلها الوحيد قبل أن تذهب إلى العمل داخل أحد المحال التجارية، وحين ينتصف النهار تعود مسرعةً إلى بيتها لتقضي عدة ساعات في طهي الطعام لأسرتها.

"لوسيانا" - 37 عامًا- اعتادت أن تستخدم الفحم النباتي كمصدر وقود أساسي للطهي، مثلها مثل غالبية السكان في مدينتها الذين يواجهون صعوباتٍ اقتصاديةً جمة، لذا يُعد شراء موقد يعمل بالغاز أو الكهرباء رفاهيةً لا يستطيعون تحمُّل ثمنها الباهظ، كما تقول في حديثها مع "للعلم".

حين تطهو "لوسيانا" الطعام، يسبب الدخان الناتج عن احتراق الفحم لها تهيجًا في العينين والصدر ويدفعها إلى السعال، يزداد الدخان مع وجود أجزاء من الفحم لم تحترق جيدًا، لكنها لا تستطيع مع ذلك أن تبتعد عن الموقد؛ إذ لا ينتج الفحم في أحيان كثيرة الحرارة الكافية لإنضاج الطعام، فتضطر إلى إضافة المزيد منه حتى تنتهي من الطهي.

تشير الإحصاءات إلى أن تنزانيا واحدة من عدة دول يحصل فيها أقل من 5% فقط من السكان على وقود نظيف للطهي، وفقًا لتقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية في يونيو الماضي، وجد التقرير أيضًا أن أعلى عشرين بلدًا تعاني هذه المشكلة، تضم 81% من سكان العالم المحرومين من إمكانية الحصول على وقود الطهي النظيف وتقنياته، ويأتي في مقدمة هذه الدول: جمهورية الكونغو وإثيوبيا ومدغشقر وموزمبيق والنيجر وأوغندا وتنزانيا.

أدوار نسائية خالصة

في البلدان النامية، ترتبط أدوار الطهي وجمع الحطب وإعداد الوقود بالنساء ارتباطًا وثيقًا، مما ينعكس بآثار خطيرة على صحتهن وعلى حياتهن الاجتماعية؛ إذ يسبب الطهي باستخدام النيران المكشوفة الملوّثة بوقود الكيروسين والفحم والحطب والمخلفات الزراعية تلوثًا للهواء الداخلي في المنازل، ينتج عنه عدة أمراض، على رأسها الالتهاب الرئوي، والسكتة الدماغية ومرض القلب الإقفاري والانسداد الرئوي المزمن وسرطان الرئة، ما يؤدي إلى وفاة نحو 3.8 ملايين شخص سنويًّا، وأغلب الأثر يقع على النساء والأطفال، وفق منظمة الصحة العالمية.

"لوسيانا" واحدة من ضمن 2.6 مليار شخص في العالم ما زالوا يطهون طعامهم بوقود ملوث، إذ لم تستطع تحقيق حلمها البسيط في الحصول على موقد يعمل بالغاز حتى توفِّر الوقت الطويل الذي تقضيه في صنع طعامها، وحتى تنجوَ بصحتها من المتاعب، أما حلم الكهرباء فهي لا تمتلك رفاهية التفكير فيه، لأنها لا تتخيل تحمُّل كلفته الباهظة.

حين يحترق الوقود الصلب داخل المنزل ينتج عنه جسيمات دقيقة تخترق الأغشية المخاطية بالجسم وتدخل إلى الدم مسببةً الإصابة بأمراض الدماغ والجلطات واضطرابات الجهاز التنفسي، مما يؤدي إلى الاحتقان والسعال والتهابات العين، كما تقول راجية الجيزاوي -مسؤولة ملف الصحة والبيئة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية- في تصريحات خاصة لـ"للعلم"، ونظرًا إلى أن النساء والأطفال يقضون عادةً وقتًا أطول في المنزل، فهم إذًا الفئات الأكثر تعرضًا وتأثرًا بهذه الأمراض، بالإضافة إلى تحمُّلهم الأعباء المتعلقة بجمع الحطب من أجل عملية الطهي واحتمالات تعرُّضهن للعنف أو التحرش الجنسي في أثناء رحلاتهن من أجل جمعه.

وفقًا لـ"الجيزاوي"، هناك علاقة مثبتة بالأبحاث العلمية بين تلوث الهواء واحتمالات الإصابة بأمراض سرطان الرئة والحساسية الصدرية، وتزيد درجة الخطورة داخل المنزل؛ لأن الهواء فيه لا يتجدد بما يكفي مقارنةً بالهواء خارج المنزل، في الوقت ذاته، يحمل التلوث المخاطر للجميع، ويُسهم الوقود الأحفوري في زيادة هذه الانبعاثات الكربونية ويؤدي بالتالي إلى رفع معدلات التلوث.

هذا المصير واجهته شقيقة "لوسيانا" الصغرى بعدما أُصيبت بمرض رئوي نتيجة استنشاق دخان الفحم بكثافة، إذ تعمل في طهو "الكسافا" (نبات يشبه البطاطا) باستخدام الفحم والأخشاب ثم تبيعها للعابرين، ويحذو حذوها آلاف النساء في مدينتها، حيث يقضين ساعات طويلة في طهي الطعام والمخبوزات بالطريقة ذاتها ليبعنه في محطات المواصلات العامة والأماكن المزدحمة ليكسبن عيشهن، وفق قولها.

الإخلال بالإنصاف المجتمعي للنساء

في أزمة الطهي غير النظيف، لم يقتصر عدم الإنصاف الذي تتحمله النساء على الآثار الصحية، بل يشمل أيضًا استهلاك وقتهن في عملية جمع الوقود وتحضيره والسفر إلى مسافة طويلة أو ربما التنقل بين التضاريس الصعبة لجمع الأخشاب ثم تقطيعها، أو لصنع كرات الروث وإعداد المواقد، كما يشمل أيضًا عمليات التنظيف للأواني وغسل الملابس بعد الانتهاء من الطهي، كما يرى تقرير شارك فيه "تحالف الطهي النظيف" و"البنك الدولي" وعدة جهات أخرى. التقرير الصادر نهاية مارس الماضي، أجرى تحليلًا جندريًّا في سبعة بلدان إفريقية فوجد أن النساء يقضين في المتوسط 2.7 ساعة يوميًّا في الطهي مقابل 0.35 فقط من الساعة للرجال، وهو ما يُظهر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهن، ووافقه الرأي تقرير لمنظمة الصحة العالمية رأى أن استخدام الوقود غير النظيف يُخل بالإنصاف المجتمعي للنساء؛ إذ يسبب جمع الوقود أضرارًا عضلية، ويستغرق قدرًا كبيرًا من أوقاتهن، مما يمنعهن من أداء أنشطة مُجدية أخرى مثل إدرار الدخل، وقد يواجهن في أثناء ذلك مخاطر التعرّض للأذى البدني والعنف.

هذا التأثير يمثل جزءًا من معاناة "لوسيانا"، التي ينقسم يومها بين العمل ومهماتها المنزلية، إذ تضطر إلى بذل وقت أطول ومجهود إضافي لطهو طعامها بالطريقة التقليدية، في حين كان يمكنها أن تحظى بساعات إضافية لإنجاز المهمات المنزلية الأخرى أو الترفيه أو اللعب مع طفلها لو كان لديها كهرباء أو موقد غاز.

أكثر من 40% من سكان العالم لا يمكنهم الحصول على وقود نظيف للطهي، و10% منهم لا يحصلون على الكهرباء، وفقًا لباتريشيا إسبينوز، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ، وهذا يصاحبه آثارٌ مؤسفة على صحة النساء والأطفال والبيئة التي يعيشون فيها، موضحة خلال كلمتها بمؤتمر برلين لتحول الطاقة الشهر الماضي: "بينما يؤثر تغيُّر المناخ على كل شخص في العالم لكن الجميع لا يتأثرون بالقدر نفسه، فالنساء هن الأكثر تأثرًا، ومعاناتهن في الحصول على وقود نظيف للطهي أحد الأمثلة على ذلك".

وتابعت: "التحول العادل للطاقة النظيفة والتمكين من الوصول إليها نقطة أساسية حين نتحدث عن تغير المناخ، كيف يمكن أن نطلب من دولة نامية أن تتوقف عن استخدام الفحم إذا لم نقدم لها حلولًا بديلة؟ يجب أن نعترف أيضًا بأن تغيُّر المناخ وتحقيق التنمية أجندة واحدة ولا يمكن فصلهما".

إتاحة الطاقة للنساء

وكانت زيادة التمويل الموجه إلى الاستثمار في "إتاحة الطاقة للنساء" من مطالبات المتحدثين في المؤتمر، فقالت شيلا أوبروشا، مديرة منظمة "إنرجيا" المعنية بالمساواة الجندرية في الحصول على الطاقة، خلال كلمتها: إن هناك حاجة إلى زيادة التمويل لإنهاء فقر الطاقة الذي تعاني منه النساء من خلال توفير خدمات الطاقة مع تمكينهن من الوصول إليها، وتوفير وقود الطهي النظيف على رأس احتياجات النساء، كما يجب العمل على تحقيق مشاركة عادلة لهن في مجال الطاقة وفي أماكن اتخاذ القرارات، وإتاحة الوظائف في مجالات الطاقة المتجددة وفي المجالات التقليدية أيضًا.

يتكبد العالم خسائر قيمتها 2.4 تريليون دولار سنويًّا بسبب وقود الطهي غير النظيف، ويرتبط أكثر من نصف هذا المبلغ "1.4 تريليون دولار سنويًّا" بالآثار الصحية، كما يتكبد 0.2 تريليون دولار كآثار مناخية، و0.8 تريليون دولار كإنتاجية مفقودة من النساء، وفقًا لتقرير البنك الدولي عن الوصول إلى خدمات وقود الطهي في عام 2020.

في بلدة "لوسينا"، يبلغ متوسط سعر صفيحة الفحم الصغيرة نحو نصف دولار، أي أنها تنفق شهريًّا نحو 15 دولارًا لشراء الوقود للطهي، وهو الثمن الوحيد الذي تستطيع تحمُّله مقارنةً براتبها الشهري، لذا لا تحتاج النساء في بلدتها إلى إتاحة الوقود النظيف فقط، بل يحتجن إلى تمكينهن اقتصاديًّا ليصبح شراؤه واستخدامه أمرًا محتملًا وليس بعيد المنال.

تجربة "لوسيانا" تختلف مع تجربة هند عارف (اسم مستعار)، التي تعيش في قرية عزبة المنشاوي بمحافظة الغربية في مصر، إذ تمتلك موقد غاز يسمح لها بالطهي النظيف، لكنها تضطر كل عدة أيام إلى استخدام "الفرن البلدي" الذي يتم إشعاله بالحطب و"قوالح الذرة" لتخفف الضغط على أنبوبة الغاز التي تشتريها شهريًّا بخمسة وثمانين جنيهًا مصريًّا (نحو 4.5 دولار).

تلجأ هند "33 سنة" إلى هذا الفرن من أجل صنع المخبوزات وبعض أنواع الطعام الذي يستهلك وقتًا طويلًا في الطهي، وقد يتسبب في نفاد محتوى الأنبوبة سريعًا، ومع أن الفرن والدخان الناتج عنه لم يسبب لها متاعب صحية حتى الآن، إلا أن هناك شبه اتفاق غير مكتوب بين النساء في قريتها بعدم ملاءمة استخدام الفرن البلدي لمَن تعاني منهن من متاعب صحية في الصدر أو العين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تم إعداد هذا التحقيق ضمن مبادرة MediaLab Environment، مشروع للوكالة الفرنسية لتنمية الإعلام  CFI