كشفت نتائج دراسة جديدة تشابُه عصر الانبعاثات الكربونية الناجمة عن الأنشطة البشرية الحديثة مع الانبعاثات التي خلفتها البراكين الهائلة التي ضربت الأرض في عصور جيولوجية سحيقة.

ووفقًا لنتائج الدراسة التي نشرتها دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس" (PNAS)، اليوم "الإثنين"، 14 سبتمبر، فإن الباحثين توصلوا إلى أن البراكين الهائلة أطلقت كمياتٍ كبيرةً من الكربون إلى المحيطات على مدى آلاف السنين.

بفحص ظروف المحيطات قبل 55.6 مليون سنة، وهو الوقت المعروف باسم الحد الأقصى للحرارة في عصري الباليوسين والإيوسين، قدر الباحثون في جامعة كولومبيا الأمريكية أن البشر يتسببون حاليًّا في انبعاثات كربونية بمعدل أسرع بثلاث إلى ثماني مرات، أو ربما أكثر مما كان عليه الحال منذ آلاف السنين.

تهدد زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحدوث عواقب وخيمة على الحياة، سواء في الماء أو على الأرض؛ إذ تمتص المحيطات كمياتٍ كبيرةً من الكربون، مما يؤدي إلى تفاعلات كيميائية تتسبب في ارتفاع حامضية المياه، وقتل العديد من الأنواع البحرية أو الإضرار بها.

تقول لورا هاينز، باحثة ما بعد الدكتوراة في علوم الجيوكيمياء والمناخ القديم في جامعة كولومبيا الأمريكية، والباحث الرئيسي في الدراسة: درسنا أحد الأحداث السريعة التي تمثل التغيُّر المناخي الذي وقع قبل 56 مليون سنة، وهو الحد الأقصى للحرارة الباليوسينية والإيوسينية، والذي تمت دراسته منذ فترة طويلة بوصفه نظيرًا محتملًا لارتفاع درجة حرارة المناخ الحديث. سعينا إلى تحديد حجم انبعاثات الكربون التي حدثت عبر الحدث، وهو أمرٌ مهمٌّ لفهم كيفية استجابة النظم البيئية والحياة.

استخدم الباحثون كيمياء أصداف الكائنات الأحفورية التي تسمى المنخربات، وهي حيوانات بحرية وحيدة الخلية تنتمي إلى الأوليات، ولا يتعدّى قطرها 2 مم، غير أن قُطر بعضها قد يصل إلى 100 مم، ويعيش 96% من أنواعها في قيعان البحار الضحلة.

تنمو المنخريات فوق سطح المحيط، وعندما تبني أصدافها فإنها تسجل الظروف البيئية للمحيط من حولها. ومن أجل تفسير هذه السجلات المناخية القديمة بدقة، طور الباحثون منخربات حديثة تعيش في المختبر في ظل ظروف تحاكي كيمياء المحيطات القديمة، وهو ما أتاح لهم تفسير السجلات القديمة من هذه الكائنات بدقة.

تضيف "هاينز" في تصريحات لـ"للعلم" أن "دراسة الحد الأقصى للحرارة الباليوسينية والإيوسينية جرت من خلال تحديد حجم خزان الكربون المحيطي، أو مقدار الكربون الذي تمت إضافته إلى المحيط في ذلك الوقت".

وتتابع: قدر تحليلنا أن الكمية الكبيرة من الكربون المضافة إلى المحيط في ذلك الوقت تشير إلى أن البراكين كانت مصدرًا للكربون، وسببًا لحدوث الاحترار العالمي.

أما الدراسات السابقة فقد استخدمت سجلات تاريخ الأرض جنبًا إلى جنب مع النماذج النظرية لتوضيح كيفية عمل النظام الأرضي ودراسة أحداث الحد الأقصى للحرارة الباليوسينية والإيوسينية، فقد أضاف الباحثون في الدراسة الحالية بُعدًا جديدًا للبيانات على كمية الكربون المنبعث، لا يعتمد على نماذج نظام الأرض.

تقول "هاينز": تشير نتائجنا إلى أنه رغم أن حجم هذه الظاهرة كان كبيرًا جدًّا، إلا أن معدل إضافة الكربون لا يزال أقل بكثير مما نشهده اليوم بسبب الانبعاثات البشرية. أعتقد أنه من الرائع حقًّا كيف يتم استدعاء الأحداث البركانية التي شهدها تاريخ الأرض لتفسير ظاهرة الاحتباس الحراري المتسارعة حاليًّا، حتى إنها تسببت في انقراض عدد كبير من الأحياء على الأرض. ومع ذلك، لا تؤدي جميع الأحداث البركانية إلى مثل هذا التغيير الهائل.