تشير السجلات التاريخية الدقيقة لهطول الأمطار -التي جرى الحصول عليها عبر تحليل بيانات نظائر الأكسجين والكربون المأخوذة من تشكيلات الكهوف في شمالي العراق- إلى أن تغير المناخ قد أدى دورًا في نهوض الإمبراطورية الآشورية الحديثة وسقوطها المفاجئ. كانت هذه الإمبراطورية تتمركز في شمال العراق، وامتدت من إيران إلى مصر بين عاميْ 912 و609 قبل الميلاد، ما جعلها أكبر إمبراطورية في زمنها.

يقول أشيش سينها، عالِم الأرض والمناخ بجامعة ولاية كاليفورنيا: «لقد كشفت بياناتنا عن عدد قليل من الفترات المطيرة غير الطبيعية خلال الأربعة آلاف عام الماضية». وقعت أهم هذه الظروف المناخية المطيرة وغير العادية منذ 2700 و2900 عام مضت، عندما كانت الإمبراطورية الآشورية الحديثة في أَوجِها. ويقول سينها: «لقد فوجئنا باكتشاف العلاقة القوية بين المناخ ونهوض الإمبراطورية».

كانت الفترة الزمنية التي امتدت على مدى قرنين من الزمن مناسبةً للزراعة المطرية، وأدت دورًا أساسيًّا في تعزيز الاقتصاد الآشوري الذي تمحور حول الزراعة.

ويوضح سينها قائلًا: «لقد اعتمد تمويل ماكينة الإمبراطورية الآشورية الحديثة كلها في المقام الأول على إيرادات الزراعة، التي كانت تعتمد على المطر اعتمادًا مفرطًا، على العكس من البابليين في الجنوب الذين كانوا يستخدمون أسلوب الرَّي».

ويشير سينها إلى أن النمو غير المستدام للإمبراطورية ربما يكون قد «تجاوز القدرة الاستيعابية الطبيعية للأرض بمجرد تأرجُح بندول التغيُّر المناخي في الاتجاه المعاكس».

وقد تغير المناخ فعلًا؛ إذ كشفت الدراسة أن حالات من الجفاف استمرت عقودًا قد حدثت لاحقًا في القرن السابع قبل الميلاد.

ومن الممكن أن يكون هذا الجفاف الضخم قد أدى إلى تلف المحاصيل بصورة متكررة، ما أدى بدوره إلى تفاقُم الاضطرابات السياسية، وإصابة الاقتصاد بالشلل وتمكين الدول المتنافسة. يتفق المؤرخون على أن الإمبراطورية الآشورية قد سقطت في النهاية أمام تحالُف من القوى ضم البابليين والميديين والسكوثيين.

وعلى الرغم من أن موجة الجفاف الكبيرة قد أدت على الأرجح إلى تدهوُر اقتصادي سريع، يؤكد سينها أن «عجلة انهيار الإمبراطورية الآشورية كانت قد دارت» خلال فترة المناخ الرطب التي أصبحت الإمبراطورية فيها «ضخمة ويصعب التحكم فيها». فقد بدأت التأثيرات الكامنة لتغيُّر المناخ -كما يقول سينها- قبل قرون من انهيار الإمبراطورية.

يمكن استخلاص أوجُه تشابه مهمة بين فترات الجفاف الماضية والحديثة. فعلى سبيل المثال، فإن الجفاف المدمر الذي ضرب شمال العراق وسوريا عاميْ 2007 و2008، وكان الأشد منذ عقود، أضر بإنتاج القمح والشعير في جميع أنحاء المنطقة. ويقول سينها: «تشير أبحاثنا إلى أن حالات الجفاف الحديثة هذه تقدم لمحةً لما عانى منه الآشوريون خلال منتصف القرن السابع قبل الميلاد».

ويضيف قائلًا: «إن معظم منطقة الشرق الأوسط ومنطقة شرق البحر المتوسط بالفعل تحت رحمة نزعة جفاف مستمرة منذ قرن»، ومن الواضح أن هذا الأمر «ليس خبرًا سارًّا لمنطقة تعاني التقلُّب السياسي والإجهاد المائي».

Sinha, A. et al. Role of climate in the rise and fall of the Neo-Assyrian Empire. Sci. Adv. 5, eaax6656 (2019).