فريق "للعلم" أجرى حوارًا مع "محمد علي فهيم"، أستاذ التغيرات المناخية بمركز البحوث الزراعية في وزارة الزراعة المصرية؛ لتعرُّف حجم تأثير التغيرات المناخية على إنتاجية المحاصيل الزراعية في مصر، ومدى تأثر منظومة الأمن الغذائي المصري بذلك، بالإضافة إلى إمكانية وضع حلول ناجحة لها.

وقال "فهيم" -الذي أجرى عشرات الأبحاث والزيارات الميدانية والمشروعات حول قضية التغيرات المناخية- إنها قضية عالمية ذات تأثيرات محلية، وإن مصر من أكثر الدول تأثرًا بها، وبخاصة القطاع الزراعي، ما تسبب في اختلال ميزان الأمن الغذائي المصري، في ظل عدم وجود اهتمام كافٍ بهذه القضية القومية، خاصةً في ظل تَسارُع حدوث هذه التغيرات على عكس كل التوقعات. وإلى نص الحوار...

ما مفهوم التغيرات المناخية؟ وكيف تأثرت مصر بها؟

التغيرات المناخية قضية ليست بالجديدة، فالعالم المتقدم بدأ الانتباه إليها منذ ما يقرب من 25 إلى 30 عامًا، عندما لاحظ أن هناك تغيرًا ما طرأ على المناخ، بينما لم ينتبه إليها العالم النامي إلا مؤخرًا. وتعود أسباب هذه الظاهرة إلى زيادة معدلات النشاط البشري الصناعي الذي أدى إلى زيادة تركيز غازات معينة في الغلاف الجوي، وحدوث ما يسمى بـ"الاحتباس الحراري"؛ فوجود غازات مثل الميثان وغاز أول أكسيد النيتروز وغاز ثاني أكسيد الكربون وغاز أول أكسيد الكربون وخلافه في الغلاف الجوي هو وجود طبيعي لحفظ حرارة الكرة الأرضية في أثناء فترات الشتاء والليل، ولولا وجود هذه الغازات بتركيزاتها الطبيعية، لانخفضت درجة حرارة الكرة الأرضية شتاءً إلى سالب 30 درجة مئوية. ولكن مع زيادة معدلات النشاط الصناعي -خاصة في بداية ستينيات القرن الماضي- بدأت تحدث معه زيادة في تركيزات هذه الغازات.

وما أكثر الدول إسهامًا في اندلاع هذه الظاهرة؟

تُعَد دولة الصين أكبر دولة تُسهم في غازات الاحتباس الحراري، ثم تأتي أمريكا، فروسيا، ثم كندا، ثم دول الاتحاد الأوروبي، أي الدول المتقدمة عمومًا، وذلك بسبب النشاط الصناعي المكثف لديها، لكن على الرغم من ذلك فإن هذه الدول هي الأقل تأثرًا بالتغيرات المناخية.

 لذلك أقول إن التغيرات المناخية هي ظاهرة عالمية ذات تأثيرات محلية، فهي تؤثر على الأماكن الأضعف في تكوينها وتركيبها الجغرافي والطوبوغرافي، فهي قضية غير عادلة من الناحية الإنسانية والاجتماعية، وتزيد الغني غنًى والفقير فقرًا، فالمناطق الممطرة تزداد مطرًا، والجافة تزيد جفافًا، وهكذا.

لكن ماذا عن معدلات وقوع هذه التغيرات؟

مصر تقع في منطقة جغرافية فقيرة وهشة مناخيًّا، إذ لا يتجاوز المطر 100 مم إلا في المناطق الساحلية في أقصى الشريط الشمالي الضيق، أما على مستوى باقي مناطق الجمهورية فمعدلات المطر لا تُذكر. وفي جنوب مصر من الممكن أن تصل إلى صفر مم، إذًا تقع مصر في منطقة جافة، ليس فيها سوى خط رفيع غني بالمياه، لا تزيد مساحته عن 3 إلى 4% من مساحة مصر، اسمه نهر النيل والدلتا، والباقي عبارة عن صحراء، وهو النطاق الذي يتأثر أكثر بالمناخ. ويصنف مناخ مصر في الشمال على أنه مناخ بحر متوسط في معظمه، أما في الجنوب فهناك مناخ جاف وشبه جاف.

هذا المناخ كان من أكثر مناخات العالم استقرارًا على مدار التاريخ، بدليل قيام معظم الحضارات حول حوض البحر المتوسط. وهذه المنطقة يميزها فصلان مناخيان واضحان جدًّا، فصل الشتاء البارد وفصل الصيف الحار، وكنتيجة للتغير المناخي حدثت زيادة ارتباك في النظام المناخي، وتعرضت هذه المنظومة لـ"تشوه"، فبدأت تحدث زيادة في التقلبات المناخية الحادة، وكذلك هطول كميات من الأمطار في توقيت زمني محدود، ما قد يتسبب في حدوث سيول، كما حدث في مناطق البحر الأحمر وسيناء وشمال الدلتا وجنوب الصعيد، أو موجات حارة طويلة جدًّا، وأحيانًا تحدث موجات شديدة الحرارة لمدة يوم أو يومين في توقيت غير طبيعي، كما حدث في 22 مايو الماضي، عندما وصلت درحة الحرارة في مصر إلى 50 درجة مئوية، وكانت تلك أعلى درجة حرارة على سطح الأرض في ذلك اليوم.

credit: Dr. Mohamed Ali Fahim استنباط الأصناف المتحملة للحرارة ونقص المياه أحد جوانب إستراتيجيات الأقلمة مع التغيرات المناخية

إذًا المناخ ذاته تغير، وتغير بطريقة دراماتيكية، وكان من المفترض بناءً على النماذج الموجودة أن هذا التغير يحدث خلال 10 سنوات إلى 20 سنة من الآن، لكننا فوجئنا أن التغير كان سريعًا جدًّا، ومواعيد حدوثه كانت مبكرة، وهذا ما تسبب في وقوع مشكلات كبيرة في الأنشطة الاقتصادية الرئيسية في مصر، وعلى رأسها النشاط الزراعي وما يمس الأمن الغذائي في مصر.

ما الأسباب في أن النشاط الزراعي هو الأكثر تأثرًا بالتغيرات المناخية؟

لأنه أكثر الأنشطة تعرضًا للمناخ، وأكثر الأنشطة ضعفًا في البنية التحتية والأساسية المقاومة لأي تغيُّر في المناخ، فالدول الأوروبية مثلًا تتعرض أحيانًا لتغيرات مناخية حادة، لكن عندهم بنية تحتية لمواجهة التغيرات المناخية وتجنُّب حدوث خسائر كبيرة، لكن مشلكتنا هنا في مصر عدم وجود هذه البنية، ومن الممكن أن نقول إن مصر مناخيًّا "تغرق في شبر مياه؛ لعدم وجود بنية تحتية تساعد على مواجهة هذا التغير"، كما أن الدول المتقدمة تعوض الفلاحين عن أي خسائر، ولكن في مصر لا يتم تعويض الفلاحين عن أية خسائر من هذا النوع.

هل ترى أن المزارعين المصريين لديهم وعي بمفهوم التغير المناخي؟

لا بالتأكيد.. طبيعة المزارع المصري أنه بطيء في الاستيعاب، لدرجة أنه من الممكن أن يستوعب معلومة زراعية في موسم كامل، وهذا البطء يسبب مشكلات كبيرة جدًّا، خاصةً وأن المؤسسات المعنية بإجراءات الوعي لا تقوم بواجبها بل تكاد تكون مختفية، بسبب عدم اهتمامها أو نقص الكوادر العملية والبحثية.

وهل تأثرت إنتاجية المحاصيل الزراعية بسبب التغيرات المناخية؟

القطاع الزراعي هو الأكثر تأثرًا بالتغيرات المناخية، هذا القطاع تأثر بوجود نقص مباشر في الإنتاجية في بعض المحاصيل والمواسم، فقد أعطى موسم الصيف 2018 وموسم الشتاء 2019، أمثلةً لتأثير التغيرات المناخية، فمثلًا كان شتاء عام 2018 قصيرًا وكانت درجات الحرارة في المنطقة الدافئة، فتسبب ذلك في أن معظم أشجار الفاكهة المتساقطة والزيتون لم تستوفِ احتياجاتها من البرودة، لدرجة أن إنتاجية الزيتون في معظم المناطق انخفضت بنسبة أكبر من 70%. فلكي تدخل هذه الأشجار في مرحلة إنبات البراعم في الربيع يجب وأن تأخذ احتياجاتها من البرودة، ما يؤثر على معدلات التزهير والعقد، وهما مؤشران مهمَّان على مستويات الإنتاجية.

وأيضًا المانجو، عندما حدثت في شهري مارس وأبريل 2018 زيادةٌ كبيرة في الموجات الحارة والموجات حمالة الرمال والأتربة، كانت بعض أشجار الفاكهة في مرحلة الإزهار والعقد مثل المانجو والنخيل، ما تسبب في تساقط للعقد وفشل للإكثار.

وبالنسبة للمحاصيل الحقلية، كانت البطاطس في مرحلة بداية الصب، أولى مراحل عملية الإكثار، فحدثت موجة من الرياح الحارة جدًّا أثرت على هذه المرحلة، مما أسهم في خفض الإنتاجية بحوالي من 30 إلى 40%، كذلك انخفضت إنتاجية القمح على مستوى الجمهورية 2018 حوالي من 40 إلى 50%، والمانجو حوالي 35%، والزيتون من 70 إلى 80%، أما المحاصيل الصيفية، فلم تتأثر في هذا العام بصورة كبيرة، خاصةً القطن والذرة والأرز؛ لعدم تأثرها بالتدهورات المناخية التي حدثت في ربيع 2018.

أما بالنسبة لموسم شتاء 2019، فقد كان المناخ مناسبًا تمامًا لأعلى إنتاجية لمعظم المحاصيل، لكنه كان مناسبًا أيضًا لانتشار الكثير من الأمراض والآفات في التوقيت ذاته، ما تَسبَّب في استخدام مكثف وبكميات كبيرة للمبيدات.

بخلاف نقص الإنتاجية.. ما التأثيرات الأخرى للتغيرات المناخية على المنتج الزراعي؟

بخلاف مشكلة نقص الإنتاجية، هناك مشكلة أخرى ناتجة عن التغيرات المناخية، وهي جودة المنتج، فمن الممكن أن يحدث عدم انخفاض في الإنتاجية، لكن تحدث مشكلة في المنتج ذاته، بحيث يكون أقل جودة، ولا يتحمل التخزين أو التداول، أو يصاب بضعف في التلوين أو النضج، وأحيانًا تحدث زيادة في التحديات التي تواجه المحاصيل، مثل زيادة انتشار الآفات والأمراض أو ظهور آفات جديدة، وما يزيد من عوامل الخطر أن درجة مرونة القطاع الزراعي منخفضة جدًّا، فهو قطاع "هش"، والمرونة هي قدرة الأشياء على تجاوز ضغوط تغيُّر المناخ.

ماذا تعني بكلمة "هشة" أو انخفاض درجة المرونة؟ وما علاقتها بالتغيرات المناخية؟

المجتمعات الريفية المصرية من أكثر المجتمعات هشاشةً ضد التغيرات المناخية، أي أنها أقل المجتمعات مرونة؛ فهناك مناطق كثيرة في الظهير الصحراوي المصري تعاني مثلًا من نقص في كمية المياه، والمرونة هنا تعني خطوات استباقية لمواجهة التغيرات، مثل تبطين القنوات والمساقي لزيادة مرونتها وتوفير المياه، والمثال الثاني هو تنوُّع الدخل في المجتمعات الريفية، ما بين إنتاج زراعي وزيادة القيمة المضافة على المنتج الزراعي بالتصنيع، والتنوع المحصولي، هذا التنوع يعني زيادة مرونة هذا المجتمع.

هل أثرت موجات الصقيع والحرارة في ظهور أجيال من الحشرات والأمراض الفطرية وانتشارها؟

لو عدنا إلى عام 2018، سنجد زيادةً وانتشارًا هائلًا جدًّا للحشرات الثاقبة الماصة، وهي المن والذبابة البيضاء ونطاطات الأوراق، بسبب أن الشتاء كان قصيرًا في عام 2018، فالحشرات كونت لنفسها أجيالًا متراكمة وعديدة جدًّا، فوصلت الحشرات إلى تعداد مهول أثر بالسلب على محاصيل كثيرة جدًّا، فمشكلة محصول الطماطم العام الماضي تعود إلى الزيادة في الحشرات التي تنقل الفيروسات، بالإضافة إلى حشرة المن التي تسببت في مشكلات لمحصول البطاطس، وكذلك سوسة النخيل، ودودة ورق القطن في شمال الدلتا.

credit: Dr. Mohamed Ali Fahim تعد المجتمعات الريفية المصرية من أكثر المجتمعات هشاشةً ضد التغيرات المناخية

أما في شتاء 2019، فكان هناك انتشار غريب ووبائي لمرض الصدأ الأصفر على القمح في مناطق الدلتا ومصر الوسطى على أصناف معينة حساسة للتغيرات المناخية، وبعد ذلك أصاب باقي الأصناف الأخرى، بالإضافة إلى انتشار مرض التبقع البكتيري على محصول الطماطم، ولفحة الساق الصمغية في القرعيات "الخيار والكنتالوب وغيرهما"، ومرض البياض الزغبي واللطعة الأرجوانية أيضًا يتسببان في مشكلة كبيرة لمحصول البصل؛ فهما مرضان متلازمان. لكن الأكثر خطورةً من ذلك هو أن بعض الحشرات والأمراض المعروفة بأنها مرض ثانوي أو فرعي أو هامشي، تحولت إلى حشرة أساسية ومرض أساسي يسبب مشكلة اقتصادية في المحصول، مثل الحشرة القطنية والتربس؛ إذ لم يكن لهما تأثير في السابق، لكنهما تحولا إلى حشرات أساسية ذات تأثيرات كبيرة على الإنتاجية.

وماذا عن مواجهة التغيرات المناخية عبر استنباط أصناف جديدة مقاوِمة لها؟ وهل هناك حلول أخرى؟

استنباط الأصناف المتحملة للحرارة ونقص المياه أحد جوانب إستراتيجيات الأقلمة مع التغيرات المناخية، واستنباط صنف ذي إنتاجية عالية لا يعني أنه مقاوم للتغير المناخي، ولكن استنباط أصناف مقاوِمة للتغير المناخي يعني أنها أصناف مقاوِمة للحرارة والبرودة والصقيع وكرات الثلج والآفات والأمراض التي تظهر بسبب التغيرات المناخية.

وفيما يتعلق بالإجراءات الأخرى للمجابهة، فتتمثل في ضرورة تغيير كل المعاملات الزراعية القائمة بما يتناسب مع الوضع الراهن لتغير المناخ، وتغيير مواعيد الزراعة للكثير من المحاصيل، وتغيير التراكيب المحصولية بمعنى أن هناك محاصيل وأصنافًا محددة لا تصلح زراعتها بسبب التغيرات المناخية، وهو ما حدث بالفعل، فالفلاح الآن غير قادر على زراعة بعض المحاصيل والأصناف بسبب تغيُّر المناخ، مثل الطماطم في بني سويف في العروة الصيفية، وفي محافظة الجيزة في العروة الصيفية المبكرة، ومثل الذرة في الصعيد في العروة الصيفية العادية في شهر أبريل.

إذًا ما يجب فعله من الإجراءات في مجال الزراعة لمجابهة التغيرات المناخية إجراءات كثيرة جدًّا، من ضمنها استنباط الأصناف، وبالإضافة إلى إجراءات الأقلمة يجب التوجه إلى مفهوم زيادة مرونة المجتمعات الريفية ضد التغيرات المناخية.

كيف يمكن أن تؤثر هذه التغيرات على منظومة الأمن الغذائي المصري؟ وزيادة حجم الاستيراد من المحاصيل الإستراتيجية؟

بالإضافة إلى كل ما سبق ذكره من توصيات، فإن مصر بلد يعاني مشكلةً كبيرةً وخللًا في ميزان الأمن الغذائي المصري، فنحن نعتمد في توفير الكثير من السلع الإستراتيجية على الاستيراد، وهذا يمثل خطرًا كبيرًا؛ لأن أي مشكلة ستحدث في إنتاج هذه المحاصيل التي نستوردها في دول الإنتاج سيؤثر على أمننا القومي بطريقة غريبة جدًّا. ونتيجة ندرة الموارد الزراعية من أرض ومياه، لدينا مشكلة في إنتاج المحاصيل الإستراتيجية، فنحن نستورد ما يزيد على 33 مليون طن من المواد الزراعية والغذائية.

إذًا الأمن الغذائي المصري مهدد، وجاءت التغيرات المناخية وزادت من حجم هذا التهديد، وهذا الاختلال في منظومة الأمن الغذائي، وأي خسائر في الإنتاج الزراعي نتيجةً للتغيرات المناخية، سنضطر إلى تعويضها بالاستيراد، فالتغير المناخي ليس في صالح ميزان الأمن الغذائي المصري تمامًا، وإذا أردنا تحسين هذه المنظومة فيجب أن نضع حلًّا لقضية التغيرات المناخية وتأثيرها على الإنتاج الزراعي.