بالرغم من النجاحات المتتالية التي حققها الإنسان القديم في استكشاف العالم المحيط به، إلا أنه كان عرضةً للانقراض بسبب العوامل البيئية وفي مقدمتها تغيُّر المناخ.

وتشير دراسة نشرتها دورية "ون إيرث" (One Earth) إلى أنه "من بين ستة أنواع (أو أكثر) تنتمي إلى جنس هومو، سكنت العالم خلال العصر البليوسيني الأخير إلى العصر الجليدي، لم ينجُ منها إلا جنسنا، الإنسان العاقل فقط (Homo sapiens)، وفقًا للنماذج المناخية والسجلات الأحفورية التي استند إليها الفريق البحثي".

اعتمد الباحثون على الربط بين النماذج المناخية وسجلات الحفريات، للبحث عن أدلة على الأسباب التي أدت إلى انقراض أسلافنا الأوائل، مشيرين إلى أن "أسبابًا تتعلق بتغيُّر المناخ، مثل عدم القدرة على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة أو البرودة المرتفعة، أدت على الأرجح دورًا رئيسيًّا في القضاء على أنواع كاملة من الجنس البشري".

يقول باسكوال رايا، الباحث في علم مستحاثات البشر وعلوم الأرض والبيئة والموارد بجامعة نابولي فيديريكو الثاني في إيطاليا، والباحث الرئيسي في الدراسة: إن النتائج التي توصلنا إليها تُظهر أنه على الرغم من الابتكارات التكنولوجية، بما في ذلك استخدام النار، والأدوات الحجرية، وتكوين شبكات اجتماعية معقدة، وتصنيع رؤوس الرماح والملابس المناسبة -كما في حالة الإنسان البدائي (نياندرتال)– وزيادة التبادُل الثقافي والجيني مع نوع الإنسان العاقل، لم تتمكن الأنواع الأخرى من الجنس البشري من النجاة، بسبب تغيُّرات مناخية شديدة.

يضيف "رايا" في تصريحات لـ"للعلم": لقد حاولوا جاهدين من أجل البقاء، وبذلوا أقصى ما يمكنهم لتشييد أماكن أكثر دفئًا في حدود إمكانياتهم، وسط موجات البرودة الشديدة، إلا أنه في نهاية المطاف، لم يكن ذلك كافيًا.

أجرى الباحثون نماذج محاكاة حاسوبية للظروف المناخية في البيئات القديمة التي عاشت فيها ستة أنواع من البشر منها خمسة أنواع منقرضة هي: الإنسان الماهر (H. Habilis) الذي يُعتقد أنه عاش في مناطق شرق القارة الإفريقية قبل مليون سنة مضت، والإنسان العامل (H. Ergaster) الذي عاش أيضًا في مناطق شرق وجنوب إفريقيا قبل 1.9 مليون سنة مضت، والإنسان منتصب القامة (H. Erectus) الذي يُعتقد أن آخر وجود له كان في جزيرة جاوة الإندونيسية قبل 108 إلى 117 ألف عام، واعتمد الباحثون على نموذج عالي الدقة لمحاكاة الظروف المناخية في السابق، بما في ذلك درجات الحرارة، ومعدلات هطول الأمطار، وغيرها من البيانات، على مدار الـ5 ملايين سنة الأخيرة.

كما استند فريق الدراسة إلى ربط هذه المعلومات بقاعدة بيانات واسعة النطاق للحفريات، تتضمن 2754 من السجلات الأثرية، لوضع نموذج يوضح تطور الأنواع البشرية في التكيُّف مع التغيُّرات المناخية، بهدف التوصل إلى فهم ظروف المناخ المفضلة عند البشر الأوائل، وكيفية تكيُّفهم مع التغيرات الطارئة.

وتُظهر الدراسة دليلًا قويًّا على أن ثلاثة أنواع من البشر، وهي الإنسان المنتصب، وإنسان هايدلبيرغ، وإنسان نياندرتال، فقدوا جزءًا كبيرًا من قدرتهم على التكيُّف مع ظروف المناخ، قبل أن ينقرضوا.

وأشار الباحثون إلى أن ذلك تزامَنَ مع موجات تغيُّر حادة في المناخ العالمي، وفي حالة إنسان نياندرتال، فقد كانت الأمور أكثر سوءًا، بسبب التنافس مع الإنسان العاقل.

يقول مؤلف الدراسة: فوجئنا بانتظام التأثير الناجم عن تغيُّر المناخ.. لقد كان واضحًا تمامًا -خاصةً بالنسبة للأنواع التي تعرضت للانقراض دون غيرها- أن الظروف المناخية كانت شديدةً للغاية، خلال فترات ما قبل انقراضها، بل في تلك الفترات الأخيرة على وجه التحديد.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول تفسير الدراسة للأسباب التي ساعدت الإنسان العاقل على النجاة من التغيرات المناخية، دون الأنواع الأخرى، أجاب "رايا" قائلًا: أظهرت الدراسة أن الإنسان العاقل كانت لديه قدرة أكبر على الاستعداد، ويمكنه أن يجهز نفسه بشكل أفضل، للتعامل مع التغيرات المناخية الطارئة.

ورغم حالة عدم اليقين في بناء نماذج للتغيُّرات المناخية في السابق، وتحديد بقايا الحفريات على مستوى الأنواع، ومرور ملايين السنوات على مواقع تلك الحفريات، فقد أكد فريق الدراسة أن "الأفكار الرئيسية تنطبق على جميع الافتراضات"، وأن النتائج التي توصلت إليها الدراسة يمكن أن "تشكل نوعًا من التحذير للجنس البشري اليوم، في ظل ما نواجهه من تغيُّرات مناخية غير مسبوقة".

يضيف "رايا": من المقلق اكتشاف أن أسلافنا، الذين كانوا يتمتعون بالقوة العقلية، مقارنةً بغيرهم من الأنواع الأخرى على الأرض، لم يتمكنوا من الصمود أمام التغيرات المناخية، وجدنا أنه عندما نعمل نحن على قَطْع الفرع الذي نجلس عليه، من خلال التسبُّب في تفاقم تغير المناخ، فإنني شخصيًّا أعتبر هذا بمنزلة رسالة تحذير مدوية، لقد جعلت التغيرات المناخية الإنسانَ ضعيفًا وسيئ الحظ في الماضي، وهذا الأمر قد يحدث مجددًا مرةً أخرى.