على عكس الاعتقاد السائد بأن انقراض الكائنات العملاقة في أمريكا الشمالية، قبل أكثر من 10 آلاف سنة، يرجع في الأساس إلى أنشطة بشرية، في مقدمتها ممارسات الصيد الجائر، واستيطان تجمعات كبيرة من البشر للأمريكتين، ترجح دراسة جديدة أن السبب في انقراض تلك الكائنات، خاصةً الثدييات الضخمة، يعود إلى تغير المناخ.

وتستند الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" Nature Communications يوم الثلاثاء 16 فبراير، إلى نماذج إحصائية، جرى تطويرها بواسطة فريق من الباحثين في معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري بألمانيا؛ لتقييم تأثيرات تغيُّر المناخ والأنشطة البشرية في اختفاء الثدييات العملاقة في أمريكا الشمالية.

وبينما تُظهر هذه النماذج أن مجموعات من الثدييات كبيرة الحجم تراجعت أعدادها بسبب تغير المناخ، من جرَّاء انخفاض حاد في درجات الحرارة قبل حوالي 13 ألف سنة، تشير الدراسة إلى أن البشر ربما كان لهم دورٌ غير مباشر وأكثر تعقيدًا مما تُظهره نماذج تقييم أثر أنشطة الصيد الجائر.

وقبل نحو 10 آلاف سنة، كانت أمريكا الشمالية موطنًا للعديد من الكائنات العملاقة والغريبة، مثل الماموث، وكسلان الأرض، والقنادس، وأخدودي الأسنان، لكن معظم هذه الكائنات المعروفة باسم ميجافونا التي عاشت على الأرض خلال عصر البليستوسين، ويقدر وزن الحيوان البالغ منها بما يزيد على 44 كيلوجرامًا، اختفت تمامًا.

لذا سعى باحثون من "مجموعة ماكس بلانك لأبحاث الأحداث المتطرفة" لمعرفة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انقراض تلك الكائنات، وحسم الجدل الذي يمتد لعقود، عما إذا كان السبب يرجع إلى الصيد الجائر، أو تغيُّر المناخ، أو الاثنين معًا.

 ومن خلال استخدام نهج إحصائي جديد، وجد الباحثون أدلةً قويةً على أن تغيُّر المناخ كان المحرك الأساسي وراء انقراض تلك المخلوقات.

منذ ستينيات القرن الماضي، كان الافتراض السائد أنه مع تزايُد أعداد البشر وانتشارهم عبر قارات العالم، ظهر بعض محترفي صيد الطرائد الكبيرة في الأمريكتين، قبل حوالي 14 ألف سنة، ونظرًا إلى أن العديد من الثدييات الضخمة لم تكن لديها القدرة على التعامل مع ذلك المفترس الجديد الذي يتميز بأنه اجتماعي ويستخدم الأدوات، فقد كانت فريسةً سهلةً له، مما تسبب في انقراضها وبشكل سريع.

ووفقًا لمؤيدي فرضية الإفراط في القتل، فقد استفاد البشر من ميزة تفوقهم وقدرتهم على اصطياد الفرائس سهلة القنص وكبيرة الحجم التي فوجئت بالإنسان يغزو بيئتها الأصلية دون سابق إنذار، ويقتل أعدادًا كبيرة منها، دون أدنى مبالاة، الأمر الذي كان من نتيجته تدمير حيوات مجموعات كبيرة من تلك الكائنات، ودفع الثدييات العملاقة إلى هوة الانقراض.

إلا أن هذه الفرضية لا تحظى باتفاق بين جميع الباحثين، إذ استند العديد من العلماء في محاولتهم تفنيدها، إلى أن هناك القليل من الأدلة الأثرية التي تدعم فكرة أن أنشطة صيد حيوانات ميجافونا الضخمة كانت مستمرةً أو منتشرةً بدرجة كافية لتتسبب في حدوث ذلك الانقراض، وفي مقابل ذلك، قد تكون التغيرات المناخية والبيئية الحادة هي السبب في ذلك.

يستند العلماء إلى أن الفترة التي شهدت انقراض هذه الكائنات، والتي تمتد إلى ما بين 15 و12 ألف سنة، سجلت تغيُّرين كبيرين في المناخ، الأول تمثَّل في فترة الاحترار المفاجئ قبل 14 ألفًا و700 سنة، أما التغير الثاني فكان موجةً شديدة البرودة، قبل 12 ألفًا و900 سنة، أعادت الغطاء الجليدي إلى النصف الشمالي من الأرض، ويُرجح أن أحد هذين التغيرين أو كليهما، والتداعيات البيئية الناجمة عنهما، هو ما تسبب في انقراض الحيوانات الضخمة.

يقول ماثيو جون ستيوارت -الباحث في مجال البيئة الكيميائية، والمؤلف الرئيسي المشارك للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": يمارس البشر ضغوطًا قويةً على البيئة المحيطة، من خلال أنشطة مثل إزالة الغابات أو الصيد، وهو ما يُلقي بتداعيات كبيرة على الكائنات النباتية والحيوانية، وربما يفسر هذا تناقص أعداد الثدييات الضخمة بعد وقت قصير من وصول البشر إلى أمريكا الشمالية، قبل حوالي 15 ألف سنة.

يضيف "ستيوارت": بينما أصبح لدينا اليوم فهمٌ جيدٌ لكيفية تأثير البشر على بيئتهم، عبر وسائل معقدة وغير مباشرة، فإن تحديد هذه الوسائل عبر أزمنة سحيقة، يظل أمرًا بالغ الصعوبة في ظل البيانات المتاحة في الوقت الراهن، ولذلك فإن بناء سجلات موثوقة وطرق قوية لتفسيرها، يبقى إحدى المهمات الرئيسية.

وعن طبيعة التغيرات المناخية والأحداث البيئية الحادة التي قد تكون وراء اندثار كائنات ميجافونا، يوضح "ستيوارت" أنه تم اقتراح عدد من التغيرات لتفسير انقراض الحيوانات الضخمة في أمريكا الشمالية، ومع ذلك، تشير النتائج التي توصل إليها الباحثون في هذه الدراسة إلى أن الظروف المناخية للعصور الجليدية التي سادت مجددًا منذ حوالي 13 ألف سنة، والتغيرات البيئية المرتبطة بها، كان لها دورٌ رئيسي في ذلك.

إلا أن استجابة الكائنات لهذه التغيرات البيئية الحادة كانت متباينةً عبر أمريكا الشمالية، وفق ما يؤكده المؤلف الرئيسي المشارك للدراسة، مما يجعل من الصعب تقديم تفسيرات دقيقة وشاملة لطبيعة الأسباب التي أدت إلى انقراض الثدييات الضخمة، ولذلك من المهم النظر إلى انقراض هذه الحيوانات عبر مقاييس مكانية دقيقة.

ويضرب "ستيوارت" مثالًا على ذلك بقوله: إن تناقص المناطق المفتوحة، واستبدال أشجار التنوب حول البحيرات العظمى، قد يساعد في تفسير انقراض أفيال الماموث والماستودون (حيوان ضخم الجثة منقرض يشبه الفيل ولكن له جلدًا مزودًا بفروة) في تلك المنطقة، إلا أنه عاد ليؤكد أننا ما زلنا بحاجة إلى العمل على بناء سجلات بيئية قديمة عالية الدقة، إذا ما أردنا أن نفهم حقًّا طبيعة المتغيرات البيئية التي أحاطت بانقراض تلك الكائنات.

وفي إطار محاولتهم لحسم الجدل بين الفرضيات المتضاربة بشأن أسباب انقراض الثدييات الضخمة في أمريكا الشمالية، لجأ الباحثون إلى استخدام نموذج إحصائي قام بتطويره ويليام كريستوفر كارلتون، المؤلف الرئيسي المشارك في الدراسة، وتم نشره في جورنال أوف كواتيرنيري ساينس Journal of Quaternary Science في أكتوبر من العام الماضي.

ونظرًا إلى أنه لا يمكن تقدير أعداد مجموعات الصيادين في عصور ما قبل التاريخ، وكذلك أعداد الحيوانات التي تعرضت للانقراض قبل فترة طويلة، عن طريق حصر عدد الرؤوس أو الحوافر، التي ربما يتم العثور عليها في بعض الحفريات، يلجأ علماء الآثار والحفريات -بدلًا من ذلك- إلى استخدام سجل الكربون المشع كوسيلة بديلة لتقدير حجم السكان في العصور السابقة.

تستند هذه الطريقة إلى فرضية أنه كلما زاد عدد البشر والحيوانات في منطقةٍ ما مفتوحة، فإن مستويات الكربون التي تبقى بعد ذهابهم تكون أكبر، بحيث يمكن قياسها، وهو ما ينعكس في السجلات الأثرية والحفريات.

وعلى عكس الأساليب التقليدية المتبعة الأخرى، فإن هذه الطريقة يمكنها أن تفسر بعض حالات عدم اليقين في تاريخ الحفريات بشكل أفضل، إلا أن المشكلة الرئيسية في هذه الطريقة تكمن في أنها تخلط بين حالات عدم اليقين المرتبطة باستخدام سجل الكربون المشع عبر التاريخ، مع ما يسعى العلماء إلى قياسه على وجه التحديد.

يوضح "كارلتون" أنه نتيجةً لذلك، قد تقود البيانات إلى استنتاجات ليس لها وجودٌ بالفعل، مما يجعل هذه الطريقة غير ملائمة لتحديد مستوى التغيرات في التجمعات السكانية خلال فترات سابقة، إلا أنه من خلال استخدام نماذج المحاكاة، تبيَّن أن هذه الطريقة أكثر قدرةً على رصد التغيرات في مستويات السكان عبر الزمن، باستخدام سجل الكربون المشع.

وقد لجأ الباحثون إلى تطبيق هذه الطريقة لتفسير انقراض حيوانات ميجافونا في أمريكا الشمالية، أواخر العصر الرباعي، وعلى عكس العديد من الدراسات السابقة، تُظهر النتائج الجديدة أن هذه الكائنات الضخمة تناقصت أعدادها بشكل كبير بسبب تغير المناخ.

ويوضح ستيوارت أن أعداد حيوانات ميجافونا كانت تتزايد مع بداية ارتفاع درجات الحرارة في أمريكا الشمالية، قبل حوالي 14 ألفًا و700 سنة، ولكن بعد ذلك حدث تراجُع حاد منذ ما يقرب من 12 ألفًا و900 سنة، مع بدء درجات الحرارة في الارتفاع، وعودة الغطاء الجليدي مرةً أخرى، وبعد وقت قصير بدأ انقراض الحيوانات الضخمة في الحدوث.