عند الحديث عن الانقراضات الجماعية، دائمًا ما تتبادر إلى الذهن حادثة الانقراض الجماعي الذي أصاب الديناصورات قبل 66 مليون سنة، ولكن هذا الانقراض لم يكن الانقراض الجماعي الوحيد في تاريخ الأرض، وفق دراسة جديدة تسلط الضوء على تغيرات مناخية كانت قد ضربت الأرض قبل حوالي 30 مليون سنة، وقضت على ما يقرب من ثلثي أنواع الثدييات الموجودة في إفريقيا وشبه الجزيرة العربية (63٪)، تلك الحقبة الزمنية التي يصفها العلماء بأنها فترة "عنق الزجاجة التطوري".

كشفت الدراسة المنشورة في دورية "كوميونيكيشن بيولوجي" في 7 أكتوبر الحالي، أن انقراضًا حدث لأسلاف الثدييات في منطقة شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية، خلال العصور الجيولوجية السحيقة، بسبب تغيُّرات واسعة طرأت على مناخ الأرض، خلال فترة الانتقال من المناخ الدافئ إلى المناخ البارد على المستوى العالمي، فيما يُعرف بالانتقال الإيوسيني-الأوليجوسيني، قبل قرابة 37 مليون سنة. 

تميزت تلك الفترة الزمنية بتغيُّر مناخي دراماتيكي، في صورة عكسية لما يحدث اليوم، إذ جاءت هذه التغيرات متزامنةً مع تغيُّر المناخ الأوليجوسيني المبكر وتشكُّل القطب الجنوبي، واتساع المسطحات الجليدية، وحدوث انخفاض عالمي في مستوى سطح البحر، وندرة غاز ثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى تحوُّل الغابات الكثيفة إلى أراضٍ عشبية، ومن ثم تغيُّر نوعية الغذاء في المنطقة، حدثت هذه الموجة الباردة بعد أن كانت الكائنات الحية قد تكيفت على الحياة في الظروف المناخية الحارة، وهو ما أثر عليها من حيث العدد؛ إذ تراجَع تنوُّع هذه الكائنات، وانقرض الكثير منها ولم ينجُ إلا الكائنات التي تمكنت من التكيُّف مع هذه المستجدات، إذ طرأ عليها العديد من التغيرات.

وأظهرت نتائج الدراسة أن العديد من الأدلة الجيولوجية والجيوكيميائية كشفت حدوث تغيُّر في شجرة الأنساب في مجتمع الثدييات بالمنطقة العربية، كما أن المجموعات التي تناولها البحث تعرضت لخسائر فادحة، وأن هذه المجموعات عادت إلى الظهور مجددًا بعد بضعة ملايين من السنين، لكنها كانت قد تطورت إلى مظهر جديد يشير إلى مرورها بفترة من التعافي بعد هذا الانقراض.

وتؤيد نتائج الدراسة الجديدة ما ذهب إليه باحثون من جامعة بريستول البريطانية، في دراسة سابقة، نُشرت في أغسطس الماضي في مجلة نيتشر جيوساينس Nature Geoscience، تشير الدراسة إلى حدوث انخفاض في تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وهو ما دفع مناخ الأرض إلى التغيُّر من حالة الدفء إلى البرودة منذ حوالي 34 مليون سنة، وهي الفترة ذاتها المذكورة في الدراسة الأخيرة، نتج عن هذا التغيُّر حلول طبقات جليدية قارية سميكة محل الغابات، وتُظهر بيانات الغطاء النباتي التي عرضتها الدراسة أن النباتات تكيفت في وقت واحد مع درجات الحرارة المنخفضة، وتبعه تكيُّف الأنواع الجديدة من الحيوانات مع الظروف المناخية الجديدة والغذاء المتوافر.

ويشير عصر الإيوسين إلى فترة زمنية امتدت من 56 إلى 34 مليون سنة مضت وفقًا للتاريخ الجيولوجي، وتلاه عصر الأوليجوسين الذي امتد في الفترة بين 34 مليون سنة إلى 23 مليون سنة مضت.

إفريقيا ليست الاستثناء

كان الاعتقاد السابق لدى الباحثين أن التغيرات الكبيرة التي حدثت للثدييات أصابت مجتمعات الثدييات في أوروبا وآسيا فقط ولم تتعرض لها الثدييات في إفريقيا، في حين كشفت الدراسة الجديدة أن إفريقيا أيضًا لم تكن بمنأى عن تلك التحولات. 

إذ كان يُعتقد أن الثدييات الأفريقية ربما نجت سالمة، نظرًا إلى أن المناخ المعتدل في إفريقيا وقربها من خط الاستواء كان بمنزلة عازل عن أسوأ موجات البرودة في تلك الفترة.

الآن، وبفضل مجموعة كبيرة من الأحافير الموجودة في مركز ليمور ديوك للقرود الأحفورية (DLCDFP)، أظهرت الدراسة الأخيرة أنه على الرغم من بيئتها المعتدلة نسبيًّا، تأثرت الثدييات الأفريقية تمامًا مثل تلك الموجودة في أوروبا وآسيا.

يقول هشام سلام، المؤلف المشارك في الدراسة، ومؤسس مركز الحفريات الفقارية في جامعة المنصورة، وأستاذ الحفريات الفقارية المشارك بالجامعة الأمريكية بالقاهرة: إن الدراسة تقوم على إجراء دراسات "فيلوجينية"، أي دراسة لعلاقات الأنساب بين مجموعات مختلفة من أسلاف القردة والفئران وآكلات اللحوم التي عاشت في المنطقة العربية قبل حوالي 35 مليون سنة، حين كانت هذه الكائنات تهيمن على  القارة "الأفرو-عربية" القديمة، التي تعرضت لموجة مناخية باردة، وتمكنت من النجاة منها والتكيُّف معها. 

ولم تكن هذه الأنواع وحدها التي تعرضت لانقراضات مرتبطة بالمناخ، إذ أشارت دراسات سابقة أيضًا إلى وقوع عدة انقراضات لأنواع من الكائنات الحية بسبب التذبذبات المناخية، أحد هذه التذبذبات تسبب في انقراض وحيد القرن الصوفي الذي كانت تجمعاته قد استقرت وتنوعت حتى بضعة آلاف من السنين قبل اختفائها من سيبيريا بسبب التغيُّر المناخي، عندما ارتفعت درجات الحرارة بصورة فجائية، في الوقت الذي كانت فيه هذه الحيوانات أكثر تأقلمًا مع البرودة، وفق دراسة سابقة نُشرت في مجلة "كارنت بيولوجي" في أغسطس 2020.

Credit: Matt Borths, Duke University Lemur Center حفريات المجموعات الحيوانية الرئيسية المستخدمة في الكشف عن انقراض فترة "الأيوسين-أوليجوسين" في إفريقيا. تظهر في الصورة الرئيسيات على اليسار؛ والهايينودون آكل اللحوم في أعلى اليمين؛ ثم القوارض في أسفل اليمين. عثر على هذه الحفريات في منخفض الفيوم في مصر.

تضاريس الأسنان 

وكان من ضمن ما طرأ من تغيرات على هذه الكائنات الحية من جرَّاء التكيف مع هذه الظروف حدوث تغيرات في طبوغرافية (تضاريس) الأسنان لدى الأنواع الناجية، يوضح "سلام" في تصريح لـ"للعلم" أن تضاريس الأسنان تشبه بصمة اليد في الإنسان، لكنها تتشابه في النوع الواحد (الإنسان العاقل على سبيل المثال) وتختلف بين أنواع الثدييات المختلفة، بحيث يكون لكل نوع من الكائنات تضاريس أسنان متفردة. 

لاحظ الفريق حدوث تغيرات كبيرة في طبوغرافية الأسنان في الثدييات الناجية، بحيث انخفض عدد هذه التضاريس عما كان لدى الأنواع التي سبقت فترة التبريد، كما أصبح شكل هذه التضاريس أقل تعقيدًا منه في الثدييات الأقدم، وهو ما يدل على تغيُّر في طبيعة الغذاء الناتج عن تغيرات حدثت في أنواع النبات والحيوان بسبب التغير المناخي الواسع. 

درس الباحثون كل الأنواع والأجناس التي جرى اكتشافها في الفترة بين 37 مليون سنة وحتى 30 مليون سنة مضت (7 ملايين عام) لكلٍّ من القردة والقوارض وآكلات اللحوم، ودرسوا شجرة الأنساب لهذه الأنواع الثلاثة من أجل تتبُّع توقيت ظهور كل نوع ومدة بقائه، والأجناس التي انفصلت عنه.

عمل الفريق البحثي المؤلف من باحثين من الولايات المتحدة وإنجلترا ومصر، على تحليل بيانات مئات الحفريات من مجموعات رئيسية من الثدييات تشمل نوعًا منقرضًا من الحيوانات آكلة اللحوم يسمى "الهايينودون"، ومجموعات مختلفة من القوارض، والسناجب والليمور، بالإضافة إلى القردة التي تمثل أسلاف البشر.

يقول "سلام": "صممنا نموذجًا حاسوبيًّا ضم 1200 شجرة أنساب للكائنات محل الدراسة وحدها (ممثلةً في القردة والقوارض والمفترسات في فترة الانتقال الإيوسيني-الأوليجوسيني) وتوقيعها على شكل منحنى إحصائي، وتبين من النموذج حدوث انتشار وتنوع كبير للكائنات في عصر الإيوسين، ثم اختفاء ملحوظ لأكثر من ثلثي تلك الأنواع خلال فترة الأوليجوسين، مما يجعلنا أمام أحد الانقراضات الكبيرة".

"الخروج من عنق الزجاجة"

يشبِّه الباحثون فترة الانتقال "الإيوسيني-الأوليجوسيني" بأنها بمنزلة "عنق الزجاجة التطوري"، الذي ما لبث أن شهد انفراجةً بعودة بعض الكائنات التي نجت من الأوليجوسين لتعاود حياتها على الأرض لكن في عصر الميوسين (23 مليون سنة إلى 5 ملايين سنة مضت) أو ما يُعرف ببداية الحياة الحديثة على الأرض.

تكمن أهمية الدراسة -وفق سلام- في أنها وفرت دليلًا واضحًا على حدوث تغيُّرات كبيرة في شجرة أنساب الأنواع الثلاثة بالتزامن مع فترة الانتقال الإيوسيني-الأوليجوسيني، وبطبيعة الحال تنسحب هذه التغيرات على كل الكائنات (غير المشمولة بالدراسة) التي عاشت في الفترة نفسها.    

استُخرجت الحفريات التي أُجريت عليها الدراسة من بلدان شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية، لكن النصيب الأكبر كان من منخفض الفيوم في مصر، وفي حين أشارت الأدلة الجيوكيميائية والجيولوجية إلى حدوث تغيُّر في المناخ، لكن التغيُّر في انتشار الثدييات جرى إثباته عن طريق شجرة الأنساب. 

ترى هولي وودوارد -أستاذ علم التشريح المشارك في جامعة ولاية أوكلاهوما، والباحث غير المشارك في الدراسة- أن نتائج هذه الدراسة مهمة لعدة أسباب: أولها أنها تقدم صورةً أفضل للتنوع البيئي في المنطقة العربية خلال فترة الأوليجوسين عندما كان المناخ العالمي أكثر برودة، وثانيًا أنها اتبعت منهجيةً فريدةً من نوعها من حيث إن المؤلفين درسوا أضراس الرئيسيات والقوارض لاستنتاج انخفاض في التنوع الكلي حدث خلال هذه الفترة الزمنية في منطقة شبه الجزيرة العربية، وربط ذلك بالتغيرات المناخية والبيئية التى شهدتها الحقبة الزمنية ذاتها.

"نظرًا إلى أن شكل أسنان الثدييات يقدم صورةً عن نظامها الغذائي، فقد تمكَّن المؤلفون من تتبُّع التغيرات في الأنظمة الغذائية المتخصصة إلى أنظمة غذائية أكثر عموميةً بمرور الوقت، عادةً، ينخفض ​​التنوع في فترات الإجهاد البيئي، مما يترك في الغالب الكائنات التي تتغذى على أنواع متنوعة من الغذاء، بينما ينقرض المتخصصون في نوع واحد"، كما توضح "وودوارد" في تصريح لـ"للعلم". 

الفريسة والمفترس

يُثني "جبيلي عبد المقصود" -أستاذ الحفريات الفقارية المساعد بجامعة الوادي الجديد ومدير مركز الحفريات الفقارية بالجامعة- على المنهجية التي اتبعتها الدراسة، ويرى أنها تمثل إضافةً جديدةً إلى هذا التخصص، لكن "جبيلي" قال في تصريح لـ"للعلم": إنه رغم تأكيد الدراسة كون التغيرات المناخية في فترة الانتقال الإيوسيني-الأوليجوسيني أحد أسباب حدوث الانقراض الجماعي، إلا أن الباحثين بحاجة إلى تأكيد ذلك من خلال دراسة عدد أكبر من الثدييات.

وتتفق "وودوارد" مع ما ذهب إليه "عبد المقصود" في أن هناك حاجةً إلى تطبيق منهجية الدراسة على أنواع أخرى من الثدييات والكائنات التي عاشت في المنطقة، حتى يسهل استنتاج كيفية تعامُل مجموعات الفقاريات الأخرى مع تغير المناخ.

ويرد "سلام" على السؤال الذي طرحه زميلاه بأن الدراسة أُجريت على هذه الأنواع الثلاثة تحديدًا لأنها الأكثر انتشارًا ووفرةً في منطقة الدراسة، وبخلاف القردة -بالغة الأهمية في الدراسة- فإن دراسة القوارض كانت شديدة الأهمية؛ لأنها من أكثر الأنواع التي تتأثر بتغيرات النظام البيئي، وبالإضافة إلى القردة والقوارض وآكلات اللحوم والخضر، كانت هناك ضرورة لدراسة المفترس الذي تغذى على كلا النوعين (آكلات اللحوم)، بمعنى دراسة كلٍّ من الفريسة والمفترس.  

ووفقًا لـ"وودوارد": تعتبر منهجية الدراسة مهمةً لأن استخدام شكل الضرس من أجل استنتاج عامل التنوع يمكن تطبيقه عالميًّا لفحص تأثيرات تغير المناخ العالمي خلال هذا الوقت على تنوع الحيوانات في أماكن أخرى، للحصول على صورة أكبر عن كيفية تأثير التبريد العالمي الذي حدث آنذاك على النظم البيئية، والوقت الذي استغرقه كل نوع من الكائنات كي يزدهر من جديد.

يوافق "سلام" على ما ذهبت إليه "وودوارد" من أنه يمكن استخدام نتائج الدراسة  في التنبؤ بما قد يصيب الثدييات (ومن بينها الجنس البشري) في حالة حدوث تغيُّر مناخي كبير وواسع مثلما حدث في العصور السابقة. 

ويضيف: "إذا تغير المناخ وحدث خلل في النظم البيئية، فستبدأ الكثير من الكائنات في سلوك طريقها إلى الانقراض، ومن ثم تظهر كائنات جديدة، في السابق كنا محظوظين أن تمكن القرد المصري الذي تنحدر منه كل القردة المتطورة من النجاة والتعايش مع تلك الظروف القاسية، لكن خطر الانقراض يهدد الإنسان نفسه أيضًا في المستقبل". 
تؤكد دراسة سابقة نُشرت في أكتوبر 2020 في دورية One Earth ما يحذر منه "سلام" من أن البشرية قد تواجه خطر الفناء في حال استمرار تغيرات المناخ بالوتيرة الحالية، ووفق الدراسة فإنه من بين ستة أنواع (أو أكثر) تنتمي إلى جنس هومو، سكنت العالم خلال العصر البليوسيني الأخير إلى العصر الجليدي، لم ينجُ منها إلا جنسنا، الإنسان العاقلHomo sapiens  فقط، وتمثلت مخاطر تغير المناخ التي تعرض لها البشر الأوائل في عدم القدرة على التكيُّف مع الاحترار أو درجات البرودة في الحقب الباردة جدًّا، وهو ما أدى -على الأرجح- دورًا رئيسيًّا في انقراضهم.