لا ينسى أحمد فريد عمار -مزارع من وادي النطرون- تلك الأيام التي تعرَّض فيها محصول المانجو الذي يرعاه منذ سنوات لموجات الحرارة الشديدة في شهر رمضان الماضي، "كنت واقفًا مكتوف الأيدي، في مواجهة هذا الخطر الذي دمر المحصول بصورة كاملة". "عمار" ذو السادسة والثلاثين ربيعًا متزوج ولديه طفلان، يمهتن الزراعة منذ سنوات طويلة، لكنه خلال المواسم الأخيرة تعرض للعديد من الأزمات التي وصفها بـ"الانتكاسة"؛ بسبب التغيُّرات المناخية التي شهدتها المواسم الزراعية الأخيرة، ما بين موجات صقيع شديدة وموجات حرارة أشد، وفق ما ذكر.

"المانجو" من ضمن المحاصيل التي تأثرت إنتاجيتها من موجات الحرارة والصقيع، وفق ما قال "عمار" الذي يزرع 15 فدانًا مانجو في قرية "بني سلامة" بجمعية الأهرام في وادي النطرون بمحافظة البحيرة، مضيفًا أن هذه المساحة يُتوقع لها أن تقل إنتاجيتها بنسبة تتراوح بين 60% و75%، خاصة في الصنف "كيت" الحساس للتغيرات المناخية. محصول المانجو من المحاصيل التي تُسهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد المصري عن طريق التصدير، فوفق إحصائية رسمية -حصلنا على نسخة منها- صادرة عن الإدارة المركزية للحجر الزراعي بوزارة الزراعة، فإن مصر صدَّرت 40669 طنًّا إلى الخارج خلال عام 2018.

القمح أيضًا من أهم المحاصيل الإستراتيجية التي تعتمد عليها مصر في غذائها؛ إذ تُعَدُّ أكبر مستورد للقمح في العالم، فالاستهلاك المحلي منه يزيد عن 16 مليون طن سنويًّا، نستورد من هذه الكميات 12 مليونًا و243 ألف طن، وفق تقرير رسمي لوزارة الزراعة صادر عام 2018 -حصلت "للعلم" على نسخة منه- في حين تُنتَج الكمية المتبقية محليًّا. ويقول المزارعون إن محصول القمح تأثر بصورة كبيرة بسبب موجات الصقيع وطول الفترة الممطرة.

الحاج راقي صافي عبد الغني -الشهير براقي بسيس- يزرع مساحة 20 فدانًا قمحًا في قرية النمارية بمركز أبو المطامير البحيرة، كان قد تعرَّض لخسائر كبيرة، بسبب إصابة بعض أصناف القمح التي يزرعها بمرض الصدأ الأصفر، بعد أن ضربت موجات الصقيع والبرودة محصوله. يقول "بسيس" إن العديد من مزارعي القمح تعرضوا لخسائر كبيرة وانخفاض في الإنتاجية، خاصةً مزارعي صنف القمح سدس 12، الذي وصلت الخسائر فيه إلى 60% بسبب إصابته بالمرض. يزرع بسيس عدة أصناف من القمح في مساحة الأرض التي يملكها، ما بين "سدس 12 وجميزة 11 ومصر 1، وجيزة 171 وجيزة 168 وسدس 14"، تأثرت زراعاته بالتغيُّرات المناخية، لكن بعض الأصناف كانت مقاوِمةً للأمراض ولهذه التغيرات.

كان الصنف سدس 12 -وفق ما ذكر "بسيس"- من أكثر الأصناف تأثرًا بالتغيرات المناخية والإصابة بمرض الصدأ الأصفر، مؤكدًا أن إنتاج الفدان من القمح من صنف سدس 12 بلغ 6 إردبات فقط، مقارنةً بمتوسط 20 إردبًّا لبعض الأصناف الأخرى المقاوِمة، كصنف جيزة 171 الذي كان أقل تأثرًا بالتغيرات الجوية.

credit: Dr. Mohamed Ali Fahim  أدت التغيرات المناخية إلى اصابة النباتات بالعديد من الأمراض

ما أكده المزارعون -سابقو الذكر- كشفت عنه دراسات علمية حول تأثير التغيرات المناخية على الإنتاج الزراعي، وأكدت وجود تأثيرات كبيرة للتغيرات المناخية -سواء ارتفاع درجات الحرارة أو انخفاضها- على معظم المحاصيل والخضراوات، ما يؤثر على انخفاض إنتاجيتها بنسب كبيرة.

 منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" هى الأخرى، كشفت عن أن تغيُّرات المناخ تهدد قدرتنا على تحقيق الأمن الغذائي العالمي، والقضاء على الفقر، وتحقيق التنمية المستدامة، وتُعَد انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن النشاط البشري محركًا رئيسيًّا لهذه التغيرات. ووفق تقرير لها صدر في 2018، فإن للتغير المناخي آثارًا مباشرة وغير مباشرة على الإنتاجية الزراعية، تتضمن تغيُّر أنماط هطول الأمطار، والجفاف، والفيضانات، وإعادة التوزيع الجغرافي للآفات والأمراض، وإن الكميات الهائلة من ثاني أكسيد الكربون التي تمتصها المحيطات تتسبب في التحمُّض، مما يؤثر على صحة محيطاتنا وأولئك الذين تعتمد سبل عيشهم وتغذيتهم عليها.

انتشار الأمراض الفطرية

ومرض صدأ أوراق القمح هو مرض فطري يصيب بعض المحاصيل الزراعية مثل القمح، وينشط مع الرطوبة العالية وموجات الصقيع والفترات الممطرة الطويلة، وتسبَّب في نقص كبير في الإنتاجية هذا العام لبعض الأصناف ضعيفة المقاومة، وفق ما ذكر "عبد السلام المنشاوي"، رئيس قسم بحوث القمح بمركز بحوث سخا، التابع لوزارة الزراعة المصرية.

يقول "المنشاوي" إن الحقول المصابة بالصدأ الأصفر تأثرت بالتغيرات المناخية التي حدثت كموجات الصقيع والأمطار التي ساعدت الفطر -الصدأ الأصفر- على أن ينمو، خاصةً الأصناف الحساسة مثل سدس 12 وشندويل 1 وجميزة 11 التي كانت الأكثر تأثرًا، تسبَّب ذلك في نقص في الإنتاجية بنسبة تتراوح من 5% إلى 60% وفق الأصناف والمناطق، فمناطق الوجه البحري هي الأكثر تأثرًا بالتغيرات المناخية من الوجه القبلي جنوبي مصر. لكنه أكد أن أصناف القمح "جميزة 12 وسدس 14 وجيزة 171 وجيزة 168 وسخا 94"، تحملت الأجواء الباردة وموجات الصقيع، وكانت إنتاجيتها متميزةً هذا العام، موضحًا أن القطاع الزراعي سيواجه انخفاضًا في الإنتاج الزراعي إذا لم يجرِ اتخاذ تدابير كافية للتكيف، وأن التكيُّف مع تغيُّر المناخ قد يكون فعلًا تلقائيًّا، وذلك بالتربية لاستنباط الأصناف تحت الظروف ذاتها التي من الممكن أن يكون حدث فيها تغير، وقد يكون مخططًا له.

credit: Dr. Mohamed Ali Fahim  توصي الأبحاث العلمية بضرورة استنباط أصناف جديدة تتحمل الحرارة العالية والملوحة والجفاف، وهي الظروف التي سوف تكون سائدةً تحت ظروف التغيرات المناخية

من جانبه، شدد "المنشاوي" على ضرورة مضاعفة الإنفاق على البحوث الزراعية، خصوصًا البحوث المتعلقة باستنباط الأصناف وتطويرها، وخاصةً الأصناف المتحملة للملوحة والحرارة والجفاف والأصناف قصيرة العمر والمقاومة للأمراض والآفات، لافتًا إلى أن زراعة أصناف من القمح تتحمل درجات الحرارة المرتفعة بالإضافة إلى مقاومتها للجفاف، إلى جانب زراعة القمح في الميعاد المناسب مع الالتزام بالسياسة الصنفية لأصناف القمح على المناطق الجغرافية، من الممكن أن تمنع التأثيرات السلبية المتوقعة، أوعلى الأقل تخففها.

لم تفلت زراعات الخضر من خطر التغيرات المناخية هذا العام أيضًا؛ فمحصول الطماطم الذي صدرت مصر منه 611 ألف طن في عام 2018 وفق إحصائية رسمية لوزارة الزراعة -حصلنا على نسخة منها- كان أيضًا من المحاصيل الأكثر تأثرًا هذا العام، وفق المهندس محمد الحناوي، أحد كبار مزارعي الطماطم في محافظة الجيزة، والذي زرع 100 فدان طماطم في الموسم الصيفي الماضي بمنطقة إقليمي الضبعة بالجيزة.

يقول "الحناوي": إن محصول الطماطم من المحاصيل شديدة الحساسية للحرارة، ومع ارتفاع درجات الحرارة الموسم الصيفي الماضي اكتسبت الآفات صفات جديدة جعلتها مقاوِمةً للمبيدات، خاصةً آفات الذبابة البيضاء وسوسة الطماطم والمطاط الأخضر، ما أثر على إنتاجية المحصول بصورة كبيرة.

يوضح "الحناوي" أن درجات الحرارة المرتفعة تسببت أيضًا في زيادة عدد الأمراض الفطرية التي تصيب محصول الطماطم، مثل الندوة البدرية والتبقع البكتيري والندوة المتأخرة والبياض الدقيقي والبرغوتية، التي تُعَد من أشد الأمراض الفطرية التي تدمر محصول الطماطم.

وهذا ما أكدته دراسة بعنوان "تغيُّر المناخ والأزمات الزراعية المصرية"، أجراها أيمن فريد أبو حديد، أستاذ الزراعة بجامعة عين شمس. وكانت الدراسة قد عُرضت في المؤتمر الدولي التاسع للتنمية الدولية حول تنمية الأراضي الجافة، في عام 2009 بمدينة الإسكندرية، وأكدت نتائجها أن التغيرات المناخية ستؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة ومن ثم انتشار العديد من الأمراض النباتية الفطرية، وكذلك الإصابات الحشرية المختلفة، ومن أمثلة ذلك اللفحة المتأخرة لكلٍّ من الطماطم والبطاطس، وصدأ الساق والأوراق لمحصول القمح، الأمر الذي يضيف تحدّيًا جديدًا للمحافظة على الإنتاجية والمعاملات الزراعية المناسبة.

الإنتاجية -وفق "الحناوي"- انخفضت في الموسم الصيفي الماضي 2019 بصورة كبيرة؛ إذ بلغ إنتاج الفدان في موسم 2019 حوالي 500 "قفص"، أي ما يعادل 15 طنًّا، مقارنةً بالموسم السابق له؛ إذ كان الإنتاج حوالي 1500 "قفص"، أي بمعدل 45 طنًّا، ما تسبب في ارتفاع كبير في أسعار الطماطم في الأسواق بصورة غير مسبوقة في تلك الفترة. ويوضح أن ظروف الحر الشديدة هي مناخ ملائم لتكاثر الحشرات مثل الذبابة البيضاء، بالإضافة إلى انتشار الأمراض الفطرية، معتبرًا أن المناخ هو المسؤول الأول عن انتشار الحشرات والأمراض، ومطالبًا بتطوير أصناف جديدة تتناسب مع المناخ الذي تشهده مصر.

حجم التأثيرات المستقبلية

كانت دراسة "أبو حديد" قد كشفت عن أن للتغيرات المناخية العديد من التأثيرات، على رأسها التأثير على إنتاجية المحاصيل، وتملُّح الأراضي وغرق مساحات من الأراضي الزراعية في شمال الدلتا، وتناقُص الأمطار في الساحل الشمالي، ونقص الزراعات المطرية، وتناقُص مياه الخزان الجوفي، وتهديد الزراعات الصحراوية، وزيادة الاستهلاك المائي للمحاصيل.

وفيما يخص تأثير التغيرات المناخية على الإنتاج النباتي، شددت الدراسة على أن الزيادة المتوقعة في درجات الحرارة وتغيُّر نمطها الموسمي ستؤدي إلى نقص الإنتاجية الزراعية لبعض المحاصيل، وكذلك إلى تغيرات في النطاقات الزراعية البيئية؛ إذ سيؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى تحرُّك إنتاج الحبوب الشتوية إلى الشمال، حيث تتفق هذه المناطق في درجة حرارتها مع الاحتياجات الفسيولوجية لتلك المحاصيل.

قامت الدراسة بجمع نتائج الدراسات المعنية بحساسية الإنتاج النباتي للتغيرات المناخية، بناءً على تجارب حقلية لتجميع البيانات الخاصة بالنماذج المختلفة، وذلك لإجراء عملية معايرة لها قبل استخدامها للتأكد من إمكانية تنبؤها بدقة تحت الظروف المصرية، إذ أُجرِيت دراسات المحاكاة على المناطق المناخية الزراعية المختلفة لمدة تتراوح بين 25 و40 سنة.

أوضحت النتائج أن إنتاجية محصول القمح ستقل بنسبة 9% إذا ارتفعت درجة الحرارة درجتين مئويتين، وسيزداد الاستهلاك المائي لهذا المحصول حوالي 6.2% بالمقارنة بالاستهلاك المائي له تحت الظروف الجوية الحالية، في حين سيصل معدل النقص إلى 18% إذا ارتفعت درجة الحرارة 4 درجات مئوية.

بينما ستقل إنتاجية الذرة الشامية بنسبة 19% بحلول منتصف هذا القرن إذا ارتفعت درجة الحرارة 3.5 درجات مئوية، وذلك بالمقارنة بالإنتاجية تحت الظروف الجوية الحالية، وسيزداد استهلاكها المائي -تبعًا لذلك- نحو 8%.

يُعَد الأرز من المحاصيل الإستراتيجية في مصر، حيث يسود نمط غذائي يعتبر الأرز مكونًا أساسيًّا في الوجبة اليومية الرئيسية، تشير الدراسة إلى أن إنتاجيته ستنخفض بنسبة 11% مقارنةً بإنتاجيته تحت الظروف الجوية الحالية، في حين سيزداد استهلاكه من المياه بنسبة 16%.

وفيما يتعلق بمحصول الطماطم الذي يُعَد من المحاصيل الحساسة جدًّا لارتفاع درجة الحرارة، كشأن العديد من محاصيل الخضر، أكدت الدراسة أن إنتاجيته ستنخفض بنسبة 14% إذا ارتفعت درجة الحرارة درجتين مئويتين وسيزداد الاستهلاك المائي لهذا المحصول ما بين 4.2 و5.7%، بالمقارنة بالاستهلاك المائي له تحت الظروف الجوية الحالية، في حين أن هذا النقص سيصل إلى حوالي 51% إذا ارتفعت درجة الحرارة 3.5 درجات مئوية.

على عكس ما سبق، فإن إنتاجية القطن ستتأثر -وفق الدراسة- تأثرًا إيجابيًّا؛ إذ ستزداد إنتاجيته بنسبة 17% إذا ارتفعت درجة حرارة الجو درجتين مئويتين، إلا أن الاستهلاك المائي لهذا المحصول سيزداد ما بين 4.1 و5.2% بالمقارنة بالاستهلاك المائي له تحت الظروف الجوية الحالية، وسيصل معدل الزيادة في هذا المحصول حوالي 31% تحت ظروف ارتفاع درجة الحرارة 4 درجات مئوية، ومن ناحية أخرى سيزداد استهلاكه المائي نحو 10%، مقارنةً باستهلاكه المائي تحت الظروف الجوية الحالية.

دراسة لكلٍّ من سامية المرصفاوي، وسميحة عودة، وحلمي محمد عيد، الباحثين بمركز البحوث الزراعية المصري، نُشرت بالبنك الدولي ضمن مجموعة بحوث التنمية وفريق التنمية الريفية والحضرية المستدامة في عام 2007، تحت عنوان "تقييم الآثار الاقتصادية لتغير المناخ على الزراعة في مصر"، كشفت نتائجها أيضًا عن تراجع صافي إيرادات الزراعات بسبب تأثيرات التغيُّرات المناخية والتربة وعوامل أخرى، بعد إجراء مسح عن طريق إجراء مقابلات مع 900 أسرة من 20 محافظة في مصر.

وأوضحت نتائج الدراسة أن صافي دخل المزرعة يتراجع، في مقابل المتغيرات الخاصة بالمناخ والتربة والمتغيرات الهيدرولوجية والاقتصادية والاجتماعية. وأظهرت نتائج سيناريوهين لتغير المناخ في مصر أن ارتفاع درجة الحرارة سيعوق الزراعة في مصر، وأن الري والتكنولوجيا هما خيارا التكيُّف الموصى بهما.

ويتعين -وفق الدراسة- إعداد سياسة للتكيُّف مع التأثيرات المعاكسة لتغيُّر المناخ على الزراعة، كما يتعين أن تركز هذه السياسة على 3 مجالات: إدارة المحاصيل، وإدارة المياه، وإدارة الأراضي، أما الخيار المفضل للتكيف مع زيادة درجات الحرارة فهو الري، على أن يضبط بعض المزارعين مواعيد بذر محاصيلهم؛ لتفادي الارتفاعات غير المتوقعة في درجات الحرارة. وللتكيف مع نقص مياه الأمطار، يستخدم المزارعون أنواعًا مختلفة من المحاصيل والأصناف مع زيادة كفاءة استخدام المياه وخيارات الإنضاج المبكر المتنوعة.

المسح الذي أجراه الباحثون، كشف عن أن 85% من أعداد المزارعين المصريين من العينة البالغة 900 أسرة لاحظوا تغيرًا في درجة الحرارة في فصلي الصيف والشتاء، بينما لاحظ 65٪ منهم نقصًا في كمية الأمطار في الموسم الواحد، وأنهم يواجهون ذلك باستخدام أصناف المحاصيل ذات الكفاءة العالية.

دراسة أخرى نُشرت في دار النشر العالمي سبرنجر في عام 2013 تحت عنوان "الزراعة المستدامة والتغيرات المناخية في مصر"، أكدت أن الزيادات في ارتفاع وانخفاض درجة الحرارة وانخفاض توافر المياه وهطول الأمطار المتوقعة نتيجة التغيرات المناخية، ستقلل من صافي الإنتاجية للمحاصيل الزراعية، وأيضًا ستتسبب في زيادة في حدوث الآفات والأمراض.

credit: Dr. Mohamed Ali Fahim 

وتوقعت الدراسة أن تكون الزراعة في مصر معرضةً بشكل خاص؛ بسبب المناخ الحار الذي يتسبب في خفض إنتاجية محاصيل الغذاء الرئيسية في مصر، بالإضافة إلى زيادة الاستهلاك المائي لها. وتشير نتائجها إلى أن التغيرات المناخية سوف تؤثر سلبًا على إنتاجية المحاصيل الحقلية، وكذا نسبة الاكتفاء الذاتي، لذلك من الضروري زراعة أصناف القمح التي تتحمل درجات الحرارة المرتفعة وتقاوم الجفاف، في الميعاد المناسب، مع التوزيع الجيد لأصناف القمح على المناطق الجغرافية، إلى جانب التوسع في زراعة المحاصيل الشتوية الأخرى مثل العدس والفول البلدي، فمن المحتمل أن تمنع هذه الإجراءات الآثار السلبية المتوقعة، أو على الأقل تخففها.

وعلى الرغم من أن مفهوم التغيرات المناخية بدأ الوعي به في مصر خلال السنوات الأخيرة، إلا أن دراسة نشرها المركز الوطني لبحوث الغلاف الجوي بالولايات المتحدة الأمريكية، بعنوان "تقييم الآثار المناخية المتكاملة على الاقتصاد الزراعي لمصر"، أكدت أن جميع السيناريوهات المحتملة المتعلقة بتأثير تغيُّر المناخ على القطاع الزراعي في مصر -مستورد رئيسي للأغذية- تؤكد أن هناك انخفاضًا في إنتاج المحاصيل وزيادةً في احتياجاتها المائية.

وأوضحت الدراسة أن مصر عرضة للاحتباس الحراري والتغيرات المحتملة في الزراعة والمياه، وأن هذه التغييرات ستؤثر على الأرجح على العديد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مما يؤثر على غذاء المواطنين، وارتفاع أسعار الأغذية، خاصةً وأن مصر بلد مستورد رئيسي للأغذية.

خطة للتأقلم

 كل هذه الدراسات تؤكد وجود تأثيرات للتغيرات المناخية على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي المصري، وهو ما تهتم به الكثير من الجهات في مصر، ومنها وحدة بحوث الأرصاد الجوية الزراعية التابعة لمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة، والمعمل المركزي للمناخ الزراعي، ومركز معلومات تغيُّر المناخ والطاقة المتجددة، فهل تقوم هذه الجهات بدورها في مواجهة هذه التأثيرات؟

على الرغم من أن غالبية الفلاحين الذين قابلهم محرر التحقيق قالوا إنهم لم يتلقوا أي دعم مباشر من الجهات المعنية بوزارة الزراعة فيما يتعلق بمواجهة التغيرات المناخية، إلا أن الوزارة -متمثلة في مركز معلومات تغير المناخ والطاقة المتجددة- كان لها رأي آخر، إذ أكد المركز أن الوزراة تبذل مجهودات كبيرة في هذا المجال، فقد أنشأ مركز البحوث وحدة لبحوث الأرصاد الجوية الزراعية، والمعمل المركزي للمناخ الزراعي، ومركز معلومات تغير المناخ والطاقة المتجددة، لتعمل هذه الجهات على إنجاز الدراسات ووضع السياسات المعنية بتغير المناخ.

"فضل هاشم"، المدير التنفيذي لمركز معلومات تغيُّر المناخ والطاقة المتجددة، أكد أنه جارٍ الآن تطوير هذه المؤسسات لتكون هي الجهات المنوط بها وضع السياسات والإجراءت التي تقلل من مخاطر التغيرات المناخية في القطاع الزراعي ودمج تغير المناخ في برامج التنمية المستدامة وإستراتيجيات الحد من الفقر، ومساعدة متخذي القرار والمزارعين على تجنُّب مخاطر التغيرات المناخية، والحد من الآثار السلبية لتغير المناخ على الصحة والاقتصاد والبيئة، وزيادة الوعي العام، وتقييم الآثار من خلال وضع سيناريوهات للتأثير على إتاحة المياه، والتبخر، وآثار ذلك على كل قطاع، ودعم إجراء البحوث ذات الصلة.

وأشار إلى أن هذه الجهات تستهدف إنشاء قاعدة بيانات زراعية، من شأنها أن تؤدي إلى تبادل المعلومات والمعرفة ومنع الازدواجية فى العمل، وأن تقوم بتجميع وتداول البيانات اللازمة لدراسة العلاقة بين تغير المناخ وقطاع الزراعة‏،‏ وتعزز التعاون وتبادل المعلومات والمعرفة بين مختلف الوزارات والجهات البحثية والجامعات بخصوص التغيرات المناخية‏ والمعرفة الزراعية، وبناء نماذج إلكترونية لحصر غازات الاحتباس الحراري في القطاع الزراعي، وتقديم الدعم الفني والتقني من أجل خطط المرونة والتكيف مع قضايا تغير المناخ في قطاع الزراعة مع وزارة البيئة. وأوضح أيضًا أن مركز معلومات تغير المناخ يقدم دورات وورش عمل فى مجال تغيُّر المناخ لرفع كفاءة الكوادر البشرية (مهندسين زراعيين، مرشدين زراعيين، مزارعين).

وحول نتائج الدراسات التى أُجريت فى مركز البحوث الزراعية من خلال هذه الكيانات بالتعاون مع الجهات المختلفة المعنية بتغيُّر المناخ، أكد "هاشم" أن نتائج التنبؤ بعيد المدى باستخدام نماذج المحاكاة وسيناريوهات تغيُّر المناخ المختلفة، أكدت أن التغيرات المناخية وما تسببه من ارتفاع فى درجة حرارة سطح الأرض سوف تؤثر سلبيًّا على إنتاجية العديد من المحاصيل الزراعية المصرية؛ إذ تسبب نقصًا شديدًا فى إنتاجية معظم محاصيل الغذاء الرئيسية فى مصر.

وأشار المدير التنفيذي لمركز معلومات تغيُّر المناخ والطاقة المتجددة، إلى أنه من خلال نتائج هذه الدراسات والبحوث يمكن القول إن التغيرات المناخية بحلول عام 2050 سوف تؤدي إلى خفض إنتاجية معظم المحاصيل الرئيسية فى مصر.

أبرز طرق التأقلم مع التغيرات

 يؤكد "هاشم" أن وزارة الزراعة -من خلال مراكزها ومعاملها البحثية- تعمل على استنباط أصناف جديدة تتحمل الحرارة العالية والملوحة والجفاف، وهي الظروف التي سوف تكون سائدةً تحت ظروف التغيرات المناخية، مثل استنباط صنف "جيزة 168 ومصر 1" في القمح لتحمُّله الظروف المناخية المغايرة مقارنةً بالأصناف الأخرى، وزراعة أصناف الذرة الشامية المتحملة للإجهاد الحراري، مثل الهجين فردي البيضاء "هجين فردي 10، 128، 131"، و"الهجين الثلاثي 323".

وأشار أيضًا إلى استنباط أصناف جديدة موسم نموها قصير؛ لتقليل الاحتياجات المائية اللازمة لها، كما جرى في محصول الأرز، باستنباط أصناف لها القدرة على تحمُّل الملوحة ونقص المياه والجفاف وتعمل على مقاومة الأمراض، وغير مستهلكة للمياه وتزيد الإنتاجية، كما شدد على ضرورة تغيير مواعيد الزراعة بما يلائم الظروف الجوية الجديدة، وكذلك زراعة الأصناف المناسبة فى المناطق المناخية المناسبة لها، لزيادة العائد المحصولي من وحدة المياه لكل محصول.

وتعمل الجهات البحثية بوزارة الزراعة -وفق "هاشم"- على تقليل مساحة المحاصيل المسرفة في الاستهلاك المائي لها أو على الأقل عدم زيادة المساحة المقررة لها (مثل الأرز وقصب السكر)، وزراعة محاصيل بديلة تعطي الغرض نفسه ويكون استهلاكها المائي وموسم نموها أقل، مثل زراعة بنجر السكر بدلًا من قصب السكر، والري فى المواعيد المناسبة وبكمية المياه المناسبة فى كل رية حفاظًا على كل قطرة مياه، مضيفًا أن الوزراة تُصدر توصياتٍ دوريةً فنية بالتنسيق مع المراكز البحثية والإرشادية،  توعيةً للمزارعين بكيفية التعامل السريع مع موجات الطقس غير المستقر.

أوجه عدم اليقين

ويأتي تحدي التغيرات المناخية في ظل معاناة مصر من أزمة كبيرة في استيراد السلع الإستراتيجية لها، فوفق تقرير صادر عن الإدارة المركزية للحجر الزراعي بوزارة الزراعة -حصلنا على نسخة منه- فإن مصر استوردت خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري 2019، 5 ملايين و683 ألفًا و396 طنًّا من القمح، ومليونين و125 ألفًا و9 أطنان من فول الصويا، و4 ملايين و533 ألفًا و108 أطنان من الذرة الصفراء، و50 ألفًا و387 طنًّا من القطن، بإجمالي 12 مليونًا و391 ألفًا و900 طن، بينما بلغت كل الواردات 15 مليونًا و353 ألفًا و37 طنًّا.

على الجانب الآخر، شمل التقرير بيانًا حول أهم الصادرات الزراعية المصرية خلال الفترة السابقة نفسها، والذي أكد أن إجمالي الصادرات الزراعية في الأشهر الستة الأولى من عام 2019 بلغت 3 ملايين و910 آلاف و432 طنًّا من الموالح والبطاطس والبصل والفراولة والفاصوليا والفلفل والخيار والرمان والباذنجان والمانجو والثوم والجوافة والعنب.

من جانبه، قال "منشاوي": إنه على الرغم من التفاوت الكبير في تقدير الخسائر المتوقعة، إلا أن معظم الدراسات اتفقت على أن تأثير التغيرات المناخية ينعكس على جوانب عديدة، منها القطاع الزراعي، مشددًا على أن قطاع الزراعة من أكثر القطاعات تأثرًا بالتغيرات المناخية.

ولفت إلى أن هناك أوجهًا كثيرة للشك في التوقعات المستقبلية لتغير المناخ والتأثيرات المترتبة عليها، والعديد من هذه الأوجه معروف تمامًا، غير أن البعض لم يزل غير معروف، وينشأ أحد أوجه عدم اليقين بسبب عدم معرفتنا حتى الآن بالكيفية التي سوف يغير بها البشر المناخ في المستقبل، موضحًا أن هناك وجهًا آخر من أوجه عدم اليقين يتعلق بالفهم التام للنظام المناخي أو عدم القدرة على نمذجة بعض ملامح هذا النظام على نحو مناسب، مشيرًا إلى أن تقلُّب المناخ كثيرًا في العمليات الطبيعية من عام إلى عام، ومن عقد إلى عقد، يعتبر وجهًا من أوجه الشك في أثر التغيرات المناخية.

وقال إن الحاجة إلى تهيئة المحاصيل الزراعية للتكيُّف مع التغيرات المناخية المحتملة أصبحت واحدة من أهم التحديات التي تواجه التطوير في قطاع الزراعة، مشيرًا إلى أنه يجب أن تكون هذه التهيئة متكاملة وفعالة ومستمرة ومخططًا لها على المدى البعيد.

ونوه بأنه على الرغم من الجهود المصرية الكثيرة المبذولة لمجابهة قضية التغيرات المناخية، ما زلنا نحتاج إلى العديد من الدراسات والبحوث المتخصصة، بالإضافة إلى أننا نحتاج إلى الكثير من الدراسات التطبيقية التي تطور نظمًا جديدة للتخفيف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية أو التكيف مع هذه التأثيرات عند حدوثها.