أثرت الظروف المناخية القديمة في الهجرات البشرية للإنسان العاقل خارج إفريقيا على مدى 300 ألف عام، تم ذلك وفق أوقات ومسارات محددة، كما تشير نتائج دراسة جديدة نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) اليوم "الثلاثاء"، 24 أغسطس.

استخدم الباحثون عمليات إعادة بناء المناخ القديم وتقديرات للحد الأدنى من هطول الأمطار الذي يحتاج إليه الصيادون وجامعو الثمار للبقاء على قيد الحياة؛ لتقييم متى وكيف انتقلت المجموعات خارج إفريقيا من خلال الظروف الجوية المواتية والممرات الرطبة إلى أوراسيا.

في الدراسة، التي تسلط الضوء على دور تقلُّب المناخ القديم في الانتشار البشري الحديث، يوضح المؤلفون متى كان من الممكن مناخيًّا أن يهاجر الإنسان العاقل من إفريقيا.

ويقترح المؤلفون أن الظروف البيئية الصعبة في جنوب غرب آسيا، والوصول المتقطع للبشر من إفريقيا، والمنافسة المحتملة مع أشباه البشر الآخرين، قد تفسر فشل الموجات المبكرة من هجرة الإنسان العاقل في الاستقرار بشكل دائم في أوراسيا، وكان ذلك قبل أكبر موجة هجرة ناجحة حدثت منذ حوالي 65 ألف سنة.

يشير أندريا مانيكا -أستاذ البيئة التطورية في جامعة كامبردج، والمؤلف الرئيسي في الدراسة- إلى أن النتائج كشفت وجود عدد من النوافذ الزمنية التي كانت مناسبةً للهجرة البشرية من إفريقيا قبل وقت طويل من الخروج الرئيسي الذي حدث قبل 50 إلى 60 ألف عام، وتتزامن الفترات التي اقترحتها الدراسة مع النتائج المستخلصة من علم الوراثة وعلم الآثار، التي تذهب إلى أن هجرات متعددة خارج إفريقيا ربما حدثت على مدى الـ300 ألف عام الماضية.

يقول "مانيكا" في تصريحات لـ"للعلم": تكمن صعوبة إعادة بناء المخارج المبكرة في أن الأدلة مجزأة للغاية، والبقايا البشرية خارج إفريقيا على مدى الـ300 ألف عام الماضية قليلة جدًّا، ومن الصعب الاعتماد على تفسير المصنوعات اليدوية، لأننا لا نستطيع التأكد من هوية مَن صنعها؛ إذ عاشت أنواع أخرى في أوراسيا في ذلك الوقت، مثل إنسان نياندرتال وإنسان دينيسوفان الغامض، وربما أنواع أخرى لم يجرِ التوصل إليها بعد.

ويضيف: وجدت بعض التحليلات التي تبحث في التهجين بين البشر والنياندرتال آثارًا لأحداث تهجين سابقة محتملة، لكن التأريخ الجيني لمثل هذا الحدث غير دقيق للغاية، ويوفر عملنا فهرسًا للفترات المواتية التي ربما حدثت فيها حالات الخروج، مما يساعد في تقييم مدى معقولية بعض خطوط الأدلة الأخرى للمخارج السابقة.

كما تشير الدراسة إلى أن المناخ لم يكن بمنزلة بوابة تمنع البشر من الخروج من إفريقيا، بل كان هناك الكثير من الفرص التي جرى اغتنام بعضها، وكان الحاجز الرئيسي للخروج هو المناطق القاحلة في شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية، لذلك نظرت الدراسة في التبايُن في هطول الأمطار وفترات الجفاف، ومن ثم حصل الباحثون على خط أساس لماهية المناخ المناسب للبشر الأوائل. 

يقول "مانيكا": نظرنا في توزيع رعاة الثدييات والصيادين المعاصرين، وأخذنا بعين  الاعتبار أنه كانت لديهم إمكانية الوصول إلى التقنيات التي ربما لم تكن قابلةً للتطبيق في الماضي، واتضح أن كليهما يُظهر نمطًا واضحًا للوجود فقط عندما يكون هطول الأمطار أعلى من 90 مم من الأمطار سنويًّا، وهي العتبة التي تميز الصحراء عن الشجيرات الجافة، واستخدمنا هذه العتبة لتقدير التوقيت المناسب للهجرات البشرية خارج إفريقيا.

ويشدد "مانيكا" على اقتناعه بأن تغيُّر المناخ كان الدافع وراء الهجرة البشرية من إفريقيا في ذلك الوقت السحيق، وأن المناخ هو المحدد الرئيسي للمدى الذي يشغله أي نوع من أنواع الحيوانات أو النباتات، مضيفًا: لكنه ليس المحدد الوحيد؛ لأن التفاعلات مع الأنواع الأخرى مهمة أيضًا.