بعيدًا في أعماق الفضاء، في ما وراء كواكب المجموعة الشمسية الثمانية، وما وراء حتى بلوتو والكواكب القزمية الضئيلة، قد يكون هناك عالم جديد كبير يسمى "الكوكب التاسع". القليل من الاكتشافات -إن وُجد- قد يضاهي إثارة العثور على كوكب آخر يدور حول شمسنا، مما يجعل هذا الإنجاز كالكأس المقدسة بالنسبة للفلكيين الذين لم يحققوا مثل هذا الإنجاز سوى مرات قليلة فقط عبر القرون. لا أحد يعلم حتى الآن أين بالضبط قد يقع هذا العالم العابر –أو حتى إن كان حقًّا موجودًا من الأساس. لكن في السباق للعثور عليه، يحاول الباحثون الآن تضييق نطاق موقعه من خلال رصد تأثيره على بقية المجموعة الشمسية، مقلصين منذ أشهر قليلة فقط، المساحة التي كانوا يظنون أن عليهم البحث فيها إلى النصف تقريبًا. شرح العلماء بالتفصيل أحدث التطورات في مساعيهم البحثية في اجتماع شعبة علوم الكواكب بالجمعية الفلكية الأمريكية والمؤتمر الأوروبي لعلم الكواكب، الذي عُقد في شهر أكتوبر في مدينة باسادينا بكاليفورنيا.

في شهر يناير كشف عالِما الفيزياء الفلكية كونستانتين باتيجين ومايكل براون -من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا- عن الدليل على وجود كوكب تاسع كبير لم يُكتشف بعد. تشير نماذج الكمبيوتر الخاصة بهم إلى أن قوة الجاذبية الناتجة عن مثل هذا الكوكب قد تفسر المدارات المائلة الغريبة للعديد من الأجرام في حزام كايبر الذي يضم الأجرام الجليدية التي تسكن الأطراف البعيدة النائية من المجموعة الشمسية. يتدافع العلماء الآن ليكونوا أول مَن يرصد هذا الكوكب التاسع باستخدام بعض أضخم التلسكوبات على الأرض، مثل مرصد سوبارو في هاواي.

وقد أسفر عمل باتيجين وبراون عن تقليص الكتلة والمدار المحتملَين للكوكب في المناطق التي قد تكون أغفلته فيها محاولات الرصد السابقة. وتشير حساباتهما إلى أن كتلة الكوكب بين 5 أضعاف و20 ضعف كتلة الأرض، وهذا الرقم يُعَد أساسيًّا لمعرفة الحجم التقريبي للجِرم السماوي الذي يبحثون عنه، كما تشير حساباتهما أيضًا إلى احتمالية ميل مداره بحوالي 30 درجة مقارنة بمستوى المجموعة الشمسية –المنطقة المستوية الرقيقة نسبيًّا التي تدور فيها الكواكب الثمانية الرئيسية. كما تشير تلك الحسابات إلى أن هذا الكوكب على الأرجح حاليًّا بالقرب من أبعد نقطة له عن الشمس، في النصف الشمالي من السماء، وأنه من المرجح أن له مدارًا مطولًا يتراوح بين 380 و980 وحدة فلكية من الشمس، (الوحدة الفلكية هي متوسط المسافة بين الأرض والشمس).

بالرغم من ذلك، فإن هذه التقديرات لا تزال تترك رقعة كبيرة من السماء "حوالي 1500 درجة مربعة"، وذلك وفق ما يعتقد عالِم الفلك سكوت شيبارد، بمعهد كارنيجي للعلوم، والذي كان -بالتعاون مع عالِم الفلك تشادويك تروجيلو- أول من أشار إلى وجود كوكب تاسع في عام 2014. (على سبيل المقارنة، يغطي البدر عند رؤيته من الأرض حوالي 0.2 درجة من السماء.) تلك الرقعة التي يصفها شيبارد تضاهي حوالي 20 ليلة من الرصد على مرصد سوبارو، ويضيف: "وإذا حصلنا على سبع ليالٍ أو نحو ذلك هذا العام، فهذا يعني ثلاثة أعوام –هذا إن لم تكن من تلك الليالي واحدة مطيرة".

لذا تعتمد استراتيجية السباق الآن إلى حد كبير على تقليص منطقة البحث عن طريق استبعاد الاحتمالات النظرية. في مجموعة تتكون من حوالي مئة محاكاة حاسوبية جديدة عالية الدقة لم تُنشر بعد، يقول باتيجين إنه وبراون قد قاما بحصر موقع الكوكب التاسع في رقعة من السماء تبلغ حوالي 600 إلى 800 درجة مربعة. في البداية قاما بعمل نموذج للمجموعة الشمسية على مدار حوالي 4 مليارات عام، مع التركيز على كيفية تأثير قوى جذب أكبر كواكب المجموعة –المشتري وزحل وأورانوس ونبتون والكوكب التاسع– على تشكيل مدارات الآلاف من أجرام حزام كايبر المبعثرة عشوائيًّا. ويقول براون: "إننا نبحث عن كل تأثير محتمل لهذا الكوكب التاسع على المجموعة الشمسية".

وفي محاولة لاستيضاح المدار المحتمل للكوكب التاسع، عمل الباحثون بعد ذلك على مقارنة نتائجهم بالصورة الحالية لحزام كايبر. ويقول باتيجين: "أسفر عملنا عن نظام شمسي اصطناعي يشبه إلى حد كبير النظام الشمسي الحقيقي. إن ثقتي بوجود الكوكب التاسع قد أصبحت أقرب إلى اليقين، بالنظر إلى مدى قرب النتائج التي توصلنا إليها مما نراه فعلًا في المجموعة الشمسية".

تتضمن الاستراتيجيات الإضافية دراسة التأثير المحتمل لقوة الجاذبية الخاصة بالكوكب التاسع على مجموعة متنوعة من الأجرام السماوية الأخرى. عمل عالِما الفلك يوري ميدفيدف وديمتري فافيلوف -بمعهد علم الفلك التطبيقي التابع للأكاديمية الروسية للعلوم- على فحص 768 مذنبًا دخل المجموعة الشمسية للمرة الأولى، ولاحظا خمسة مذنبات ربما تكون اقتربت من الكوكب التاسع –والذي ستكون جاذبيته قد أدت إلى تغيير مساراتها– في وقت ما في الماضي. يشير تحليلهما إلى أنه، كما يقول فافيلوف: "قد يكون الكوكب التاسع دفع تلك المذنبات إلى دخول المجموعة الشمسية. ونعتقد أن المذنبات يمكنها المساعدة في تحديد موقع الكوكب التاسع. ومن ثَم فإن العثور على مذنبات أخرى سيساعدنا". ويقول شيبارد إنه "يتوخى الحذر من استخدام المذنبات للمساعدة في العثور على الكوكب التاسع، إذ قد تكون هناك العديد من القوى -إلى جانب الكوكب- التي تؤثر على مدارات المذنبات… ومع ذلك، بالرغم من كوني متشككًا، فإنها قد تكون مفيدة".

فشل تحليل البيانات المتوفرة عن بلوتو، الذي قام به عالِما الفيزياء الفلكية ماثيو هولمان وماثيو باين، بمركز هارفارد-سميثونيان للفيزياء الفلكية، في العثور على إشارات قاطعة بوجود الكوكب التاسع أو عدم وجوده. يرجع هذا جزئيًّا -كما يقول هولمان- إلى الطبيعة الفوضوية للصور الأرشيفية القديمة لبلوتو، التي تجعل من الصعب معرفة ما إذا كان بلوتو قد انحرف في مداره بطريقة قد تشير إلى وجود الكوكب التاسع أو عدم وجوده. إلا أنه أشار إلى أن البيانات عالية الجودة عن زحل من شبكة الأطباق اللاسلكية الأرضية -التي تعمل على مراقبة موقع المركبة الفضائية كاسيني التابعة لوكالة ناسا- واعدة للغاية، وتتماشى مع ما أفاد به باتيجين وبراون حتى الآن.

ويقول هولمان إن تحليل الانحرافات في مدار المريخ قد يساعد أيضًا في العثور على الكوكب التاسع. ويضيف هولمان إنه على الرغم من أن تأثير الكوكب التاسع على المريخ سيكون أقل من زحل –نتيجة لكون المريخ أقرب من الشمس، وبالتالي فإن تقيُّده بجاذبيتها أكثر إحكامًا– فهناك مركبات مدارية حول المريخ أكثر من زحل، وكانت ترصد الكوكب الأحمر مدةً أطول، ومن ثَم "فإن ما رصدته سيكون أكثر دقة"، بالإضافة إلى ذلك فإن "دقة البيانات التي تحصل عليها المركبة كاسيني تبلغ عشرات الأمتار، في حين تصل دقة البيانات بين الأرض والمريخ إلى متر واحد تقريبًا".

المزيد من الأدلة المحتملة على تأثير الكوكب التاسع قد تكون موجودة في المدة التي تستغرقها الأجرام في النظام الشمسي الخارجي للدوران حول الشمس. على سبيل المثال، تقول عالِمة الفلك رينو مالهوترا -رئيس قسم الفيزياء الفلكية النظرية بجامعة أريزونا في توسون-: إن أجرام حزام كايبر الأربعة ذات أطول مدارات معروفة تدور في أنماط يمكن تفسيرها بسهولة بوجود الكوكب التاسع. كما تشير أعمال مالهوترا وزملاؤها أيضًا إلى مَيلين محتملين لمدار الكوكب التاسع، أحدهما أقرب لمستوى المجموعة الشمسية عند 18 درجة والآخر أكثر انحدارًا عند 48 درجة تقريبًا، وهذه المعلومات من شأنها تقليص الجزء الشاسع من السماء الذي ينبغي البحث فيه.

لكن يبدو أن بعض الأبحاث تحصر المواقع المحتملة لدرجة أنها قد تستبعد وجود الكوكب التاسع من الأساس. على سبيل المثال، في حين تشير الدراسات السابقة إلى وجود الكوكب التاسع بسبب الطريقة التي تتجمع بها بعض مدارات أجرام حزام كايبر معًا، ثمة تفسير آخر يقول إن العدد المحدود من محاولات رصد أجرام حزام كايبر فقط هو ما يجعل الأمر يبدو كما لو أن مداراتها تتجمع معًا، وذلك وفقًا لرأي عالِما الفيزياء الفلكية كوري شانكمان بجامعة فيكتوريا، وسامانثا لولر بالمجلس الوطني للبحوث بكندا.

يقول براون إنه هو وباتيجين قد وضعا في الحسبان احتمالية وجود تحيزات رصدية كهذه، وأن ثمة أدلة أخرى تشير إلى أن الكوكب التاسع حقيقي. على سبيل المثال، يقول براون وزملاؤه إنهم قد وجدوا أن تأثير الكوكب الشبحي هذا قد يقدم حلًّا للُّغز الذي طالما حير العلماء حول سبب ميل مستوى المجموعة الشمسية بالنسبة للشمس.

وتقول مالهوترا إنها لا تزال متشككة فيما يتعلق بالكوكب التاسع، ولكنها تشير إلى أنها هي وزملاؤها قد وجدوا أن مدارات أجرام حزام كايبر شديدة البُعد تبدو مائلة بطريقة من الصعب تفسيرها بغير هذا التفسير. وتقول: "مقدار الميل الذي نراه غير منطقي على الإطلاق، وبالنسبة لي هذا هو الدليل الأكثر إثارة الذي صادفته على وجود الكوكب التاسع حتى الآن".