على بُعد دقائق من لافتة كُتب عليها "محافظة الشرقية ترحب بكم"، تظهر كتل سوداء تتصاعد منها أدخنة من أشجار وأخشاب محترقة جرى رصها بطريقة منظمة على جانبي ترعة الإسماعيلية في مدخل المحافظة.

من داخل تلك الكتل السوداء تظهر مكامير الفحم بعمالها الذين تتصاعد همهماتهم بالشكوى من خطورة العمل، متبوعةً بعبارة قصيرة مفادها "ما باليد حيلة"، وكأنهم يودعون الحياة بموت بطيء وأمراض أتعبت حناجرهم وأنهكت أنفاسهم المتقطعة صعودًا وهبوطًا كما لو كانت تعزف "سيمفونية" لـ"الموت البطيء".

يقول "محمد صلاح" -رئيس جهاز شؤون البيئة- في تصريحات لـ"للعلم": "إنه من الصعب حصر أعداد المكامير الموجودة في مصر على وجه الدقة؛ نظرًا للطبيعة غير الرسمية لقطاع الفحم النباتي".

ولكنه يعود ويستطرد: وفقًا للحصر الوارد إلينا من وزارة التنمية المحلية، فالمكامير التي جرى حصرها تصل إلى حوالى 1600 مكمورة موزعة على محافظات مصر المختلفة، لكننا نعلم تمامًا أن العدد يزيد على ذلك بكثير؛ إذ تذهب التقديرات إلى أن العدد الفعلي للمكامير على مستوى الجمهورية يتخطى الـ5000 مكمورة، ويتركز معظمها في محافظات الدلتا، وفي مقدمتها القليوبية والغربية والمنوفية والشرقية".

يُرجع "صلاح" هذا التباين في العدد إلى "عدم ضم صناعة الفحم في المكامير إلى منظومة الاقتصاد الرسمي للدولة، فضلًا عن أن منشآتها تعمل دون ترخيص وتعمل بالمخالفة لنص القانون 4 لسنة 1994 بشأن حماية البيئة، الذي يحظر استخدام الفحم الحجري بالمناطق الحضرية وبالقرب من المناطق السكنية".

ويمثل العمل في مكامير الفحم مصدر رزق لآلاف العمال الذين يصعب حصرهم لكونهم عمالة "غير رسمية"، وفق تصريحات "صلاح".

من زاوية أخرى

في استراحة بدائية بسيطة، جلس "إسلام زكريا"، مرتديًا جلبابه الريفي، يتابع عملية حرق الفحم في مكمورته الموجودة بقرية "أنشاص" التابعة لمحافظة الشرقية، والتي تبعد عن العاصمة المصرية (القاهرة) حوالي ٤٠ كيلومترًا، وفي قلب المكمورة كان عاملٌ يقلب الفحم ويجهزه انتظارًا للسيارات التي ستحمله بعد ذلك للتجار.

يرفض "زكريا" الاعتراف بأن مكامير الفحم تسبب أضرارًا بيئية جسيمة. ويقول لـ"للعلم": "إن المكامير أصبحت أكثر تطورًا، وانبعاثاتها لم تعد كثيرةً ولا تُقارَن بالماضي".

ويُرجع "زكريا" سبب تصاعد الدخان بكثافة من مكامير الفحم في السنوات السابقة إلى "تسريع عملية حرق الفحم وتلاصق المكامير، فيظهر الدخان كثيفًا"، على حد وصفه.

وواصل صاحب مكمورة "أنشاص" دفاعه عن صناعة الفحم وعن المكامير، قائلًا: "صناعة الفحم من أهم الصناعات، صادراتنا منها بعشرات الملايين من الدولارات، كما أنها مصدر الرزق لآلاف الأسر".

وعن المدة التي تستغرقها المكمورة لإنتاج الفحم، أضاف: تستغرق عملية تحويل الأخشاب والأشجار إلى فحم أسبوعًا داخل المكمورة، ونستخدم أشجار الجازورين والمانجو والبرتقال غير المثمرة، والأشجار منتهية الصلاحية، موضحًا أن "مكامير الفحم كانت في بدايتها بعيدةً عن الكتل السكنية، إلا أن الزحف العمراني والبناء على الأراضي الزراعية جعلها اليوم ملاصقةً للكتل السكنية".

وشدد على أن وزارة البيئة تشرف في الوقت الحالي على عملية تقنين أوضاع المكامير، وإصدار تراخيص لها من أجل تطويرها لكي تصبح غير ضارة بالبيئة.

ويتابع: العقبة الوحيدة التي تقف أمام التطوير تتمثل في التكلفة العالية للأفران الحديثة؛ إذ يتجاوز سعر الفرن الواحد مليون جنيه.

وعن خطوات عمل مكمورة الفحم، يقول "صلاح عزب"، أحد العمال، إنه "يتم تقطيع الخشب، ثم رصه داخل المكمورة، ثم يتم إشعال الفرن لمدة أسبوع قبل أن تأتي السيارات لنقل الفحم إلى المصانع والمقاهي".

يرى عزب أن "المكامير تطورت بشكل كبير، والأدخنة المنبعثة منها انخفضت بشدة" وفي اعتقاده أنها "لم تعد تؤثر على صحة أهالي بلدته".

القاتل الصامت

لكن رأي "عزب" يتناقض مع آراء خبراء البيئة والصحة، الذين أكدوا خطورة مكامير الفحم، سواء على الصحة العامة أو على البيئة. يقول "محمد المالكي" -رئيس وحدة المناعة بكلية الطب جامعة الزقازيق- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك غازات خطرة على الصحة العامة والبيئة تنبعث من مكامير الفحم، ومنها غاز أول أكسيد الكربون، الذي يُطلَق عليه القاتل الصامت؛ لأن استنشاق كميات كبيرة منه يؤدي إلى الموت من دون سابق إنذار؛ فهو عديم اللون والرائحة وينتج عن الاحتراق غير الكامل للكربون، ويتفاعل مع الهيموجلوبين، بل تزيد قوة تفاعله معه بحوالي ٢٠٠ ضعف عن قوة تفاعل الأكسجين مع الهيموجلوبين، ما يؤدي إلى تقليل الأكسجين الواصل إلى عضلة القلب والإصابة بتسمُّم حاد. كما يؤدي استنشاق أول أكسيد الكربون إلى أمراض صدرية مثل الربو وحساسية الصدر، والتهاب الشعب الهوائية".

وأشار "المالكي" إلى وجود غاز أكثر خطورةً ينبعث من المكامير، وهو ثاني أكسيد النيتروجين، الذي يتحول إلى أكسيد النيتريك، الذي يؤثر بشدة على كفاءة الرئتين حين يصل إلى أعماق الجهاز التنفسي.

وحذر أيضًا من تصاعُد غاز ثاني أكسيد الكربون من مكامير الفحم، مشيرًا إلى أن انبعاث كميات كبيرة منه يؤدي إلى فقدان الوعي وعدم انتظام ضربات القلب.

المخاطر السابقة لم تكن أكثر من ناقوس خطر لمشهد يزداد قتامةً عندما يتحول التعامل مع الفحم في مصر إلى "روتين عمل يومي" لا ينقطع، سواء بالنسبة للعاملين داخل المكامير أو بالنسبة للدوائر السكنية المحيطة بها.

وبدوره، يشير رئيس جهاز شؤون البيئة إلى أن أكاسيد الكبريت التي تنبعث من المكامير تضر بالحياة النباتية والحيوانية، وتتسبب في ظاهرة التحمض التي تؤدي إلى تآكل المعادن والأحجار. أما غاز ثاني أكسيد الكربون فهو المسؤول عن الاحتباس الحراري. كما أن نشاط المكامير ينتج عنه القطران والدخان الأسود، مما يؤثر سلبًا على الكائنات الحية والهواء والمجاري المائية الملاصقة لتلك المكامير.

ممارسات غارقة في القدم

قبل ألف عام من الميلاد، استخدم الإنسان الفحم لصهر النحاس وصب العملات، كما استخدمه "الرومان" قبل الميلاد بحوالي 400 عام في الحصول على الطاقة.

ونجح العالم الإسكتلندي "جيمس واط" (1736-1819) في تطوير "المحرك البخاري المكثف" في عام 1769، ما كان له أثره في تسارع وتيرة استخدامه. وخلال الثورة الصناعية، وتحديدًا في القرنين الـ18 والـ19، ارتفع الطلب عليه بمعدلات كبيرة.

ودلالة على عِظَم أهميته في تلك الحقبة، نال الفحم نصيبًا من إشارات الفيلسوف اليوناني الشهير "أرسطو"، الذي شبهه بـ"قطع من الصخور"، كما تضمنته كتابات الروائي الشهير "تشارلز ديكنز"، ومنها رائعته "قصة مدينتين"، التي استهلها بصورة قاتمة تربط ضبابية المشهد بالتلوث الناجم عن الفحم، قائلًا: "ضبابٌ يزحف باتجاه حاويات سفن ناقلات الفحم، ضبابٌ يجثم خارج ساحاتها، ويحوم حول أشرعة وصواري سفن ضخمة، ضبابٌ يتراخى على حواف الزَّوارق والقوارب الصَّغيرة، ضبابٌ في عيون عجائز جرينيتش المتقاعدين وحناجرهم".

وكما لم تخل "صخور أرسطو" و"ضبابية ديكنز" من مخاطر الفحم، لم تخلُ تقارير منظمة الصحة العالمية من التحذيرات من تلك المخاطر؛ إذ يضع أحدث تقاريرها الفحم ضمن مسبِّبات التلوث داخل المنزل، مشيرًا إلى وجود "نحو ثلاثة مليارات نسمة ممّن يحرقون الكتلة البيولوجية (الحطب والروث والمخلفات الزراعية) والفحم على نيران مكشوفة أو مواقد مسرّبة للدخان لأغراض الطهي وتدفئة منازلهم، وأن أكثر من 4 ملايين نسمة يلقون حتفهم في مراحل مبكّرة من جرّاء الإصابة بأمراض يسببها تلوّث الهواء نتيجة حرق الوقود الصلب داخل المنزل.

وتضيف المنظمة، في تقريرها الصادر أوائل مايو 2018، إلى أن "التعرُّض للهواء الملوث داخل المنزل ينجم عنه 3.8 ملايين حالة وفاة مبكرة سنويًّا من جَرَّاء الإصابة بأمراض غير سارية، ومنها السكتة الدماغية ومرض القلب الإقفاري والانسداد الرئوي المزمن وسرطان الرئة، كما تتسبب الجسيمات التي تُستنشق من الهواء الملوّث داخل المنزل في نسبة تزيد على 50% من وفيات الأطفال دون سن الخامسة بسبب الالتهاب الرئوي".

وتشير إلى أن نسبة 17% تقريبًا من الوفيات الناجمة سنويًّا عن سرطان الرئة بين صفوف البالغين في مرحلة مبكرة ترجع إلى التعرُّض لمواد مسرطنة موجودة في الهواء الملوّث داخل المنزل بسبب الطهي باستخدام أنواع الوقود الصلب، مثل الحطب أو الفحم العضوي أو الفحم العادي. وأن معدل تعرُّض النساء لهذا الخطر يرتفع؛ لدورهن في إعداد الطعام.

حلول ممكنة

وعن آليات وسبل التخلص من المخاطر البيئية الناتجة من انبعاثات مكامير الفحم، يقول "مجدي علام" -الأمين العام لاتحاد خبراء البيئة العرب- لـ"للعلم": "إن هناك عدة طرق للتخلُّص من أضرار مكامير الفحم، مثل نقلها من مكانها كما حدث مع صناعة الفواخير، ومثلما حدث في مناطق شق التعبان والروبيكي وغيرها من المناطق التي كانت تعتمد على صناعات تضر بالبيئة وتم نقلها خارج الكتلة السكنية".

وأضاف "علام" أن "الحل الثاني يتمثل فيما تفعله وزارة البيئة حاليًّا؛ إذ يتم تطوير أفران ونماذج لما يُعرف بـ"مكامير الفحم الآمنة بيئيًّا"، مضيفًا أن "اتحاد خبراء البيئة العرب اقترح على وزارة الإنتاج الحربي المصرية استيراد النموذج البولندي لأفران الفحم وبيعه لأصحاب المكامير؛ لأنه من أكثر النماذج الناجحة بيئيًّا، خاصة أن بولندا من أكثر الدول الأوروبية إنتاجًا للفحم".

آليات تحرك

من جهته، يشير "صلاح" إلى أن وزارة البيئة المصرية وضعت خطة لتطوير مكامير الفحم، مضيفًا أن ‎"المرحلة الأولى من الخطة تجري على المدى القصير والمتوسط، وتستهدف تطوير مكامير الفحم النباتي في أماكنها مع خفض الانبعاثات من خلال استخدام أفران التفحيم المطورة، وتشمل المرحلة الثانية خطةً طويلة المدى، وتستهدف نقل المكامير إلى مناطق صناعية معتمدة خارج الكتلة السكنية".

وعلى المستوى التشريعي، يقول "صلاح": إن الحكومة أصدرت القرار رقم (2914) لسنة 2016 وتعديلاته، الخاص بإنشاء لجان لتوفيق أوضاع مكامير الفحم النباتي بالمحافظات ووضع الضوابط والاشتراطات الخاصة بها، وقامت وزارة البيئة باستصدار منشور التصدير رقم (3) لسنة 2015 من مصلحة الجمارك بشأن عدم تصدير المنتجات الصناعية (الفحم النباتي) إلا بعد حصولها علي شهادة التوافق البيئي، وتم السماح بالتصدير عدة مرات كان آخرها بتاريخ 16/4/2016 ولمدة ثلاث أشهر حتى يتسنى لأصحاب المكامير اتخاذ الإجراءات اللازمة للتطوير حفاظًا على صحة المواطنين. وبما لا يعطلهم عن التصدير حفاظًا على حصتهم التصديرية ومساعدتهم في الإيفاء بالتعاقدات المبرمة في هذا الشأن، على أن يتم الإسراع من قِبَلهم بتوفيق أوضاعهم البيئية.

وفيما يتعلق بالجانب الفني، يقول "صلاح": "إن وزارة البيئة اعتمدت ثمانية نماذج يمكن الاستعانة بها في أعمال تطوير المكامير، منها سبعة نماذج محلية الصنع، ونموذج أوكراني، وجرى التنسيق مع الهيئة العربية للتصنيع لعمل بروتوكول تعاون مع وكيل هذا النموذج لتصنيع مكوِّن محلي له".

مخاوف الاحتكار

وبالرغم من الإيجابيات العديدة التي تضمنتها مبادرات تطوير "مكامير الفحم"، فقد أثارت مخاوف بعض أصحاب المكامير من سيطرة الشركات الكبرى على السوق في ظل ارتفاع أسعار أفران الفحم الحديثة وعدم قدرة أصحاب المكامير "الحاليين" على دفع ثمنها؛ إذ يتجاوز سعر الفرن حاجز المليون جنيه، على حد تعبيرهم.

لكن محمد صلاح يرى أن هذه المخاوف لا مسوِّغ لها، مضيفًا أن "وزارة البيئة وقعت بروتوكول تعاون مع الصندوق الاجتماعي ووزارة التنمية المحلية يتيح منح تمويل بفائــــدة 5% متناقصـــة تسدد على خمس سنوات لأصحاب المكامير الراغبين في الحصول على تمويل لتنفيذ النماذج المطورة، كما تقدم الوزارة أيضًا منحة بقيمة 20% من ثمن النموذج المطور، يتم منحها بعد التحقق من الأداء البيئي من خلال تقارير ربع سنوية تُقدَّم لوزارة البيئة تفيد تحقيق المؤشرات البيئية المطلوبة من تنفيذ المشروع".

من جهته، يطرح مجدي علام مبادرةً أخرى، تقوم على فكرة اعتماد أفران فحم آمنة بيئيًّا في عدة أماكن بعيدة عن الكتلة السكانية، بحيث يقوم أصحاب المكامير بنقل أخشابهم وحرقها في تلك الأفران، ويتم تكرار هذا الأمر بشكل دوري، وفق قوله.

وكانت رئاسة الوزراء المصرية قد أصدرت القرار رقم 2914 بتاريخ 8 نوفمبر 2016 بهدف تقنين أوضاع مكامير الفحم في جميع أنحاء مصر، ما تبعه تقنين أوضاع 14 شركة تعمل في مجال إنتاج الفحم النباتي وإنشاء 3 مصانع لإنتاج الفحم المضغوط.