"الإيدز" أو الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة، مرضٌ يحيط به قدر كبير من الغموض، كما تمثل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التى تواجهها غالبية بلدان العالم عقبةً أمام التجاوب السليم معه، مما دفع منظمة الصحة العالمية لتحديد الأول من ديسمبر من كل عام يومًا للتوعية به وبمعاناة مَن يتعايشون مع فيروسه.

ففي خلال عقدين من الزمان فحسب، أصبح الإيدز أحد أكبر التحديات الطبية التى عرفها الإنسان، خاصة مع وجود 36.7 مليون متعايش مع الفيروس حول العالم مع نهاية عام 2016، منهم 2.1 مليون من الأطفال دون الـ15 عامًا، وفق أحدث تقارير المنظمة.

وطوال الفترة الماضية، تنامى اهتمام العلماء باستخدام "الأجسام المضادة المحايدة واسعة النطاق" في تحييد الفيروس، وسيلةً لمكافحة الفيروس ومنع انتقال العدوى به في المقام الأول، حتى باتت تلك المضادات بمنزلة كلمة السر في إطار محاولات بحثية لا تنتهي لإيجاد حل فعال للوقاية من الفيروس.

الوقاية من الفيروس

يواجه الجسم البشري صعوبةً في محاربة فيروس نقص المناعة المكتسبة نظرًا إلى قدرته الفائقة على التطور وتغيير شكله؛ إذ يصبح نظام المناعة في معركة مع الفيروس، وهنا تأتي أهمية "الأجسام المضادة المحايدة واسعة النطاق"، التي يمكنها مهاجمة نقاط مهمة في الفيروس وقتل عدد كبير من سلالاته، وذلك عن طريق تحريض الجسم لإنتاج الأجسام المضادة إلى المستويات التي تحقق الحماية منه، وفق تقرير نشرته مجلة "ساينس" في أكتوبر الماضي.

تتبنى الأبحاث الجديدة فرضية استهداف البروتينات الموجودة على غلاف الفيروس، بما يعرقل أداء وظيفته ويمنعه من اقتحام الخلايا وإصابتها عبر مواقع مثل الخلايا التائية المساعدة ”CD4“ التي يستخدمها الفيروس لإرباك الجهاز المناعي، كما يمنع استهداف تلك البروتينات الفيروس من ممارسة هوايته في التمويه، التي يعتمد عليها في استخدام درع من جزيئات السكر يسمى "غليكان" ليخفي نفسه من جهاز المناعة، بهدف منع الأجسام المضادة من مهاجمته.

كوكتيل من الأجسام المضادة

ربما كانت الخطوات التالية أكثر تفاؤلًا، وفق دراسة أعدها باحثون من مركز أبحاث الأمصال بالمعهد القومي للحساسية والأمراض المعدية بالولايات المتحدة الأمريكية ومركز الطب البيطري وأبحاث الأمصال بجامعة هارفارد، وانتهوا فيها إلى أن حَقن القرود، من نوع "الريسوس ماكاك"، بجرعة واحدة من "الأجسام المضادة وحيدة النسيلة" ساعد على وقايتها من فيروس نقص المناعة لنحو ستة أشهرٍ، وهي الدراسة التي استخدموا فيها مزيجًا "كوكتيل" من الأجسام المضادة التي تحمل اسم ”PGT121“ و“PGDM1400”.

اعتمدت الدراسة على أبحاث سابقة امتدت لأكثر من ست سنوات، استهدفت تصنيع "أجسام مضادة ثلاثية"، بما يسمح بتوجيهها بشكل متزامن إلى المواقع المستهدفة مثل CD4 وMEPER وغليكانV1-V2. ، وهي الأجسام التي أثبتت قوةً وقدرةً كبيرتين، مقارنةً بأيٍّ من الأجسام المضادة المنفردة التي يعمل كلٌّ منها على حِدَة.

يرى ميرون إس كوهين -أستاذ الأمراض المعدية بمعهد الصحة العالمية والأمراض المعدية بجامعة نورث كارولينا بالولايات المتحدة الأمريكية- في مقال له أن "الدور المتزايد للأجسام المضادة الثلاثية هو مثال عظيم على تضافر الملحوظات السريرية والتكنولوجيات الحديثة التي سمحت بتحسين الارتباط بينها وبين المستقبِلات ومنع تدميرها، وبالتالي زيادة تركيز الأجسام المضادة في مصل الدم لفترات أطول من الزمن".

منع الفيروس من نسخ نفسه

في الوقت الحالي، ترتكز العلاجات المتاحة لعلاج الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة على الجمع على الأقل بين ثلاثة أدوية من فئتين مختلفتين، تشمل مثبطات إنزيمات محددة من شأنها تعطيل تشكيل البروتينات التي يحتاجها الفيروس لنسخ نفسه.

ووفق تقرير "الحق في الصحة" الصادر العام الحالي عن برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشريةالإيدز، فإن "هناك توسعًا في وصول العلاج إلى المرضى، بعدما قفزت الأعداد من حوالي ألف مريض فقط يتلقون العلاج في عام 1990 إلى 20.9 مليونًا في منتصف عام 2017، 60% منهم في جنوب أفريقيا، صاحبة أعلى معدل إصابة في العالم".

جهود مصرية

وفي محاولة لتقديم نهج جديد للقضاء على فيروس نقص المناعة، لجأ باحثان مصريان لاستخدام مزيج من إنزيم "النسخ العكسي"، المعروف باسم "إنزيم عكس ترانسكريبتاس"، وإنزيم الـ"دي إن إيه بوليميراز" (هو إنزيم مساعد في عملية تناسخ الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين)؛ لتثبيط عمل الفيروس داخل الجسم.

أُجريت الدراسة على خمسة من المرضى المسجلين بوزارة الصحة المصرية، وكانوا جميعهم من الإيجابيين للأجسام المضادة لفيروس نقص المناعة البشرية، ولم يسبق لهم العلاج بمضادات الفيروسات.

كشفت النتائج التي نشرتها مجلة "الإيدز وأبحاث فيروس نقص المناعة البشرية" عن فاعلية هذه الطريقة في تراجُع الحمولة الفيروسية لدى المرضى من أكثر من 1000 نسخة /مل لأقل من 16 نسخة /مل بعد انتهاء مدة العلاج التي استمرت 24 أسبوعًا، تعاطى خلالها المرضى هذه التركيبة بالحَقن تحت الجلد مرتين يوميًّا. سجلت النتائج زيادات كبيرة في خلايا CD4 لأكثر من 500 خلية/ ميكرولتر.

يقول شريف صلاح- استشاري التحاليل الطبية وصاحب عدد من الأبحاث في مجال الأمراض الفيروسية والباحث الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إنه "تم تأكيد هذه النتائج حول فاعلية الأجسام المضادة لفيروس نقص المناعة البشرية عن طريق اختبار "الإليزا" الذي يُستخدم في تشخيص الإصابة بالفيروس، بالإضافة إلى إبداء المرضى تحسنًا كبيرًا، سواء في الأنشطة البدنية أو الأعراض المصاحبة، بما في ذلك الشعور بالضيق والتعب وفقدان الوزن وآلام المفاصل".

في هذا الصدد، يشير صلاح إلى استكمال أبحاثه، ومنها تقديم فرضية جديدة عن عمل الفيروس داخل الجسم، مشيرًا إلى أن "الفيروس لا يقوم على قتل الخلية التائية المساعدة، وإنما يحولها إلى خلية شبيهة بالخلية القتالية؛ إذ تكون محمَّلةً بقدرات كودية مناعية، وتعمل بصورة مضادة لعمل الخلايا التائية، الأمر الذي يؤدي إلى تصادم مناعي بين الخلية المكلفة بالقتال والخلية المحملة بأوامر تمنع مواجهة الفيروس وقتله، مما يُدخِل الجسم في حالة من الازدواجية في التعامل مع الفيروس، ويضعه في مشهد يشبه قوتين في مواجهة، مما يعرض الجسم لخطر الإصابة بما يسمى بأمراض نقص المناعة.

يوضح شريف أنه تم نشر الفرضية العام الماضي في العدد السابع من مجلة "أبحاث الإيدز"، وتم نشر الصور العلمية التي أكدت التغير في سلوك الخلايا المصابة، مشيرًا إلى أنه "يجب أن تتكامل الأبحاث؛ لأننا مشتركين مع العالم في مخاطر المرض وأضراره على الأفراد والمجتمعات".

وفي الإطار ذاته، وبترقُّب تسوده حالة من التفاؤل، ينتظر العالم الإعلان في 2020 عن نتائج التجارب السريرية لأول لقاح ضد فيروس نقص المناعة في الإنسان، باستخدام الأجسام المضادة؛ إذ يخضع 2700 رجل و1500 امرأة، من 11 بلدًا حول العالم، لجرعات وريدية من هذه المضادات كل 8 أسابيع. وتم اختيارهم على أساس وقوعهم في دائرة خطر الإصابة، وتتراوح أعمارهم بين 18 و50 عامًا.

يُتوقع ظهور النتائج بحلول 2020، وذلك اعتمادًا على قدرة الأجسام المضادة في تحييد حوالي 90٪ من متغيرات الفيروس في دم المشاركين، وبالتالي منع الفيروس من الاستحواذ على الخلايا المناعية.

اعرف.. افهم.. وما توصمش

المحاولات المتواصلة لمواجهة المرض لا تهدأ مع وجود 1.9 مليون إصابة جديدة سنويًّا، وفقًا لتقارير برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز في عام 2016، فيما بلغت أعداد الوفيات نحو المليون شخص في العام ذاته.

وتكشف هذه الأرقام حجم التبايُن بين معدلات الإصابة وفق التوزيع الجغرافي وما يتصل بها من عادات اجتماعية وثقافية تلقي بانعكاساتها على الإصابات.

فعلى الرغم من اعتبار منطقة الشرق الأوسط الأقل في معدلات الإصابة مقارنة بالدول الأفريقية، يرصد التقرير تزايُد الوفيات بين الأطفال فيها نتيجة الإصابة بمرض نقص المناعة إلى أكثر من 11 ألفًا عام 2016، مقارنة بـ3600 حالة وفاة عام 2000.

وعلى مستوى الوفيات بين الكبار، نجد تضاعُف عددهم خلال السنوات العشر الأخيرة في كلٍّ من مصر وإيران والكويت والمغرب والسودان وتونس واليمن، وهو ما يُعْزَى إلى تزايُد حالات الإصابة في بعض الدول وعدم الوصول إلى العلاجات في دول أخرى. في حين سجلت الوفيات انخفاضًا في الدول التي شهدت توسعًا في التغطية العلاجية لمرضاها، ومنها الجزائر وجيبوتي.

يقول أحمد خميس -مدير البرنامج الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز في منطقة الشرق الأوسط- لـ"للعلم": إنه "وفقًا للإحصائيات المحلية يوجد في مصر 11 ألف متعايش مع الإيدز بنهاية 2016، مشددًا على أن الأرقام الحقيقية أكبر من ذلك، بسبب وجود حالات غير مكتشَفة نظرًا لنقص الوعي أو خوفًا من التبعات الاجتماعية المرتَّبة على تأكيد الإصابة.

يضيف: كثيرون يفضلون الموت على رؤية نظرة خوف ولوم من أهل بيتهم أو زملائهم في العمل، إذ نسمع هذه الجملة كثيرًا عند تعاملنا مع المواطنين، ما يستوجب تقديم النصح الدائم لهم بأهمية إجراء الفحوصات والتحاليل.

وهو ما دفع برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز إلى تبني شعار "اعرف.. افهم.. وما توصمش" للاحتفال باليوم العالمي للإيدز، في دعوة لمواجهة الوصمة التي تعوق جهود اكتشاف المرض وطلب المساعدة والعلاج.