تُعَد القهوة واحدةً من أكثر المشروبات استهلاكًا على مستوى العالم؛ إذ يحتسي عشاقها حوالي 500 مليار كوب من القهوة سنويًّا، على اختلاف نكهاتها ومستويات التحميص، ونسبة احتوائها على الكافيين.

في الآونة الأخيرة، جذبت القهوة اهتمام المجتمع الطبي بسبب الدراسات المتزايدة التي ربطت بين استهلاك البن وانخفاض مخاطر الإصابة بعدد من الأمراض.

ومن المتعارف عليه علميًّا، احتواء القهوة على مادة "الكافيين"، التي تُحدث تحسينات قصيرة الأجل في الانتباه والذاكرة، لكن قدرتها على الحماية من التدهور المعرفي المرتبط بالتقدم بالسن لا تزال محل بحث ودراسة، ولم تُحسَم بعد.

وأرجعت دراساتٌ عدة تأثيراتِ القهوة العلاجيةَ إلى مادة الكافيين، لكن دراسة جديدة كشفت أن هناك مركَّبات طبيعية أخرى موجودة في القهوة بخلاف الكافيين، تحمي من الإصابة بألزهايمر ومرض "باركنسون" أو الشلل الرعاش.

وحدد الباحثون بمعهد "كريمبل" لأبحاث الدماغ، التابع لشبكة الصحة الجامعية في كندا، في دراسة نُشرت نتائجها في دورية (Frontiers in Neuroscience) مجموعةً من المركبات الطبيعية التي تُوجَد في القهوة نتيجة عملية تحميص حبوب البن تسمى "الفينيل إندانات" (Phenylindanes) لتعطيها طعم المرارة الحاد، وهذه المركبات موجود في القهوة بجميع أنواعها، بما فيها المنزوعة الكافيين.

ولكشف العلاقة بين القهوة والوقاية من الأمراض التنكسية العصبية، اختبر الفريق تأثير مركبات القهوة بـثلاثة أنواعها -خفيفة التحميص، وشديدة التحميص، وشديدة التحميص لكن منزوعة الكافيين- في الحد من التدهور المعرفي المرتبط بتقدم السن.

وأخذ الباحثون عينات من الأنواع الثلاثة لمراقبة تفاعلها مع البروتينات المسببة لمرض ألزهايمر في المختبر، واكتشفوا أن "الفينيل إندانات" لا تسبب الشعور بالمذاق المر المرتبط بالقهوة وحسب، لكنها أيضًا تتفاعل مع بروتينات "أميلويد-بيتا" و"تاو" داخل الخلايا العصبية وتثبط ظهورها.

وبروتين "أميلويد بيتا" يُعَد عنصرًا أساسيًّا للترسبات التي يُعثر عليها في أدمغة مرضى ألزهايمر، وهو عبارة عن لويحات لزجة وسامة في الدماغ، يظهر أثرها في سوائل العمود الفقري، وتتراكم تلك السوائل في الدماغ قبل عقود من ظهور أعراض المرض، الذي يسبب فقدان الذاكرة، ومشكلات في الإدراك، أما زيادة مستويات بروتين "تاو" داخل الخلايا العصبية فتؤدي إلى تلف الخلايا وموتها في نهاية المطاف، والإصابة بالأمراض العصبية ومنها باركنسون أو الشلل الرعاش.

واكتشف الفريق البحثي أيضًا أن القهوة الداكنة أو الغامقة نتيجة تحميص حبوب البن بشكل أكبر تحتوي على نسب مرتفعة من مركبات "الفينيل إندانات"، مقارنةً بمثيلاتها الفاتحة أو خفيفة التحميص.

وقال "دونالد ويفر"، قائد فريق البحث: "يبدو أن شرب القهوة يرتبط بعض الشيء بانخفاض خطر الإصابة بمرضي ألزهايمر وباركنسون، لكننا أردنا دراسة سبب ذلك ومعرفة المركَّبات المرتبطة به، وكيف يمكن لها أن تؤثر على التدهور المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر".

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أن "هذه الدراسة تُعَد الأولى التي ترصد تفاعل مركبات "الفينيل إندانات" مع البروتينات المسؤولة عن مرض ألزهايمر والشلل الرعاش، وأظهرت دراستنا أن تلك المركبات مثبطات مزدوجة dual-inhibitor، وهذا الأمر مثير جدًّا للاهتمام، ولم نكن نتوقعه".

ومرض ألزهايمر هو أحد أكثر أشكال الخرف شيوعًا، ويؤدي إلى تدهور متواصل في قدرات التفكير ووظائف الدماغ، وفقدان الذاكرة، ويتطور المرض تدريجيًّا لفقدان القدرة على أداء الأعمال اليومية، وعلى التواصل مع المحيط، وقد تتدهور الحالة إلى درجة انعدام الأداء الوظيفي.

أما باركنسون فيُعد أحد الأمراض التنكسية العصبية، التي تصيب الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا، ويؤدي إلى مجموعة من الأعراض أبرزها الرعاش، وبطء في الحركة، بالإضافة إلى التصلب أو التخشب الذي ينتج عنه فقدان الاتزان والسقوط.

شراب القيقب والقهوة

من جانبه، أوضح "ويفر" أن هدف الدراسة هو البحث عن مركبات طبيعية قد تكون مفيدةً في علاج مرض ألزهايمر؛ لأن المنتجات الطبيعية هي المكان المثالي لإيجاد تلك المركبات، فهناك تاريخ طويل يعزِّز ذلك، ومن أبرز الأمثلة على العقاقير التي جاءت من حضن الطبيعة، عقار "البنسلين" الشهير.

وتابع حديثه لـ"للعلم": "الطبيعة الأم أكثر خبرةً منَّا بكثير فيما يتعلق بالكيمياء، وهي قادرة على صنع هذه المركبات، وإذا كان لديك مركب معقد، فمن الأفضل أن تزرعه على شكل محصول وتحصده وتطحنه وتستخرجه بدلًا من محاولة تصنيعه، التي تكون غالبًا صعبة ومكلّفة إلى حدٍّ كبير بالنسبة للكيميائيين في المختبر".

وعلاوة على ذلك، أظهرت دراسات الفريق السابقة أن منتجات طبيعية أخرى مستخلصة من شراب القيقب لها فاعلية علاجية ممكنة ضد ألزهايمر، والقيقب هو نبات على شكل شجيرات ينتمي إلى فصيلة نباتية من رتبة الصابونيّات، وينمو في أوروبا والمناطق الشمالية من روسيا، وكندا، وكان من المنطقي بالنسبة لنا أن نبحث جيدًا في مكونات القهوة.

وأشار إلى أن هناك أوجه شبه بين شراب القيقب والقهوة، فكلاهما مشتق من نبات، ويتم تحميصه (حبوب القهوة) أو غليه (شراب القيقب) قبل استخدامه، وبالتالي فهو ليس منتجًا مباشرًا بسيطًا للنبات، ولكنه منتج تم تسخينه (إما عن طريق التحميص أو الغلي)، ونعتقد أن عملية التسخين توفر المزيد من الكيمياء للمواد الطبيعية، ما يتيح توليد جزيئات جديدة من المواد المشتقة من النبات، وبما أن التحميص يؤدي إلى كميات أكبر من "الفينيل إندانات"، فإن القهوة المحّمصة الداكنة تبدو وقائيةً بشكل أكثر من القهوة خفيفة التحميص.

وعن خطواتهم المقبلة، قال إنها "ستركز على دراسة مدى فائدة مركبات "الفينيل إندانات"، وما إذا كان لديها القدرة على دخول مجرى الدم أو عبور الحاجز الدموي الدماغي أم لا؛ لأن هذه المنتجات الطبيعية معقدة للغاية، لدرجة أن هناك بعض السمات التي قد تمنعها بالفعل من عبور الحاجز الدموي الدماغي، وهو عبارة عن حدٍّ فاصل بين مجرى الدم والدماغ، يحمي الدماغ من تغلغل المواد التي يمكن أن تكون ضارة".

وعن إمكانية تطوير هذه المركبات في صورة دواء لعلاج ألزهايمر، قال : "لا نعتقد أنه سيكون عقارًا، ولكنه قد يكون نقطةَ بدايةٍ مثيرةٍ للاهتمام وقوية في تصميم العقاقير المستقبلية لـ"ألزهايمر" و"باركنسون" وتطويرها".

وكشف أن مرض ألزهايمر يُعَد وباءً وشيكًا، ومع زيادة عدد سكان العالم، سيكون التأثير الاجتماعي والاقتصادي للمرض هائلًا حقًّا، وستكون له عواقب وخيمة على نظم الرعاية الصحية لدينا، لذلك نحن بحاجة ماسة إلى أدوية فعالة للمرض.

وقال إنه لا توجد حاليًّا أدوية فعالة لـ"ألزهايمر"، والأدوية المتوافرة هي مجرد عوامل "عرضية" ذات فائدة محدودة، لا تغير في واقع التاريخ الطبيعي للمرض، ويجب ألا نترك أي جهد دون جدوى في سعينا للعثور على علاج لمرض ألزهايمر، ونظرًا للتاريخ الطويل من العلاجات التي تعتمد على مصادر طبيعية، فإن نتائج هذه الدراسة وسيلة معقولة للمتابعة.

خطوة مهمة

"محمد لطفي" -أستاذ ورئيس قسم جراحة المخ والأعصاب، بكلية الطب قصر العيني، جامعة القاهرة- وصف نتائج الدراسة، بأنها تُعَد خطوةً مهمةً في التوصل إلى علاج فعال لمرض ألزهايمر، إذ لا يوجد أي علاج حتى الآن، وكل الأدوية المستخدمة حاليًّا هي لعلاج الأعراض وليست لعلاج المرض نفسه.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف "لطفي" أن مرض ألزهايمر والأمراض الأخرى التي تسبب خرف الشيخوخة تتكون فيها صفائح بروتينية على سطح المخ من بروتيني "أميلويد بيتا" و"تاو"، حتى إن تشخيص المرض يعتمد أساسًا على وجود تلك الصفائح، التي تؤدي إلى خلل في وظائف خلايا المخيخ وكذلك ضمور المخ تحتها.

وأوضح أن العماد الأساسي في القهوة هو الكافيين، الذي أثبتت دراسات سابقة أنه ينشط المخ والقلب والكلى، لذلك اعتاد الناس شرب القهوة صباحًا للاستفادة من الكافيين، وحديثًا أثبت العلماء أن الأشخاص الذين يشربون أكثر من فنجانين من القهوة يوميًّا ينخفض لديهم معدل الإصابة بألزهايمر.

وأشار "لطفي" إلى أن مركبات "الفينيل إندانات" لها دور هي الأخرى في الوقاية من الأمراض التنكسية العصبية؛ إذ يمكن أن تمنع تشكُّل البروتينات المسببة لـ"ألزهايمر"، بطريقة تشبه تلك التي يفعلها عقار "الأسبرين" الشهير لمنع تجمُّع الجلطة داخل الأوعية الدموية، مشيرًا إلى أن الخطوة المقبلة أمام العلماء هي مواصلة الأبحاث لإمكان الاستفادة من هذه المواد الطبيعية في علاج ألزهايمر أو حتى منع تقدُّمه.

المركبات الفينولية

من جانبه، قال "عبد الرحمن رجب"، أستاذ التغذية وعلوم الأغذية بكلية التربية النوعية بجامعة عين شمس: إن مركبات "الفينيل إندانات" هي أحد المركبات التي تظهر بصفة طبيعية في أثناء تحميص القهوة نتيجة تأثير درجة الحرارة على المركبات الفينولية التي توجَد في حبوب القهوة الخضراء، وأبرز تلك المركبات حمض "الكلوروجينيك".

وفي تصريحات لـ"للعلم" أضاف رجب أن "الكلوروجينيك" يُعَدُّ من الأحماض الفينولية الطبيعية التي يفرزها النبات للدفاع عن نفسه، سواء ضد الأمراض والأوبئة التي قد تصيبه أو ضد هجوم بعض الحشرات، وهذه المواد استفاد منها الإنسان؛ لكونها مواد طبيعية مضادة للأكسدة وليست كيميائية.

وعن دور تلك الأحماض الطبيعية، قال إن مهمتها الأساسية تتمثل في الدفاع عن خلايا الجسم ضد التغيرات الكيماوية، مثل تفاعلات الأكسدة أو صد هجوم بعض الأمراض مثل السرطان وأمراض القلب، والتي تنتج مما يسمى بالشقوق أو الشوارد الحرة التي تقضي عليها مضادات الأكسدة، كما أن الدراسة أثبتت أن لها دورًا محفزًا للحد من البروتينات المسببة لـ"ألزهايمر"، وقد يكون ذلك بسبب تنشيط مضادات الأكسدة الطبيعية بالجسم مثل مادة "الجلوتاثيون".

والجلوتاثيون من المواد المضادة للأكسدة، التي تُعَدُّ من مضادات الأكسدة القوية والمهمة لجسم الإنسان، ويتم إنتاجها داخل الجسم بواسطة الكبد، ولها الكثير من الفوائد مثل تقوية جهاز المناعة، وتعزيز وظائفه، ومنع عمليات التأكسد في الجسم ومكافحة الالتهابات.

وتساءل "رجب": هل من الممكن الاعتماد على شرب القهوة الداكنة في علاج مرض ألزهايمر؟ مضيفًا أن الدراسة أجابت بـ"لا"، نظرًا إلى أن تناوُل القهوة مشروط بعدد مرات الاستهلاك، فكثرتها تزيد من مستوى حمض الكافيين بالجسم، الذي يؤثر بدوره على امتصاص بعض العناصر في الجسم، وهنا لا بد أن نفهم أن هناك فرقًا بين تناول دواء وتناول غذاء، وعليه فإن العادات الغذائية السليمة تتطلب الاعتدال في كل شيء للحصول على الفوائد ومنع الأضرار.

ورأى أن علاقة مركبات "الفينيل إندانات" بعلاج ألزهايمر، تحتاج بالتأكيد إلى مزيد من الدراسات، التي ستصل بالتأكيد إلى نتيجة إيجابية؛ نظرًا إلى أن العديد من الدراسات تناولت علاقة الأحماض الفينولية بالوقاية من الأمراض.

وأشار إلى أن الأحماض الفينولية الطبيعية ليست موجودةً في حبوب القهوة فقط، بل توجد أيضًا وبوفرة في الفواكه والخضراوات الطازجة، ومشروبات مثل الشاي الأبيض والأخضر والأحمر، بالإضافة إلى مجموعة التوتيّات مثل الفراولة والتوت الأسود والأزرق، والأسماك وزيوتها والمكسرات، وبعض الأغذية الأخرى التي تسمى الأغذية الوظيفية، وهي الأغذية التي يتجاوز تأثيرها الإيجابي المحتمل على الصحة، التغذية الأساسية.