هل يمنع علاج "الأرق" إصابة كبار السن بالاكتئاب؟ سؤال فرض نفسه بقوة في ظل تزايُد احتمالات تعرُّض كبار السن الذين يعانون من الأرق لخطر الإصابة بالاكتئاب المتكرر بدرجة عالية، فضلًا عن تجاهُل الجهود التي من شأنها تلبية حاجة هذه الفئة العمرية إلى الوقاية من الاكتئاب، الذي يُعد بدوره من أهم عوامل الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والتدهور المعرفي والانتحار.

وبلغة الأرقام، فإن أكثر من 10% من الأمريكيين الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا –أو تزيد- يعانون من اكتئاب حاد في وقت لاحق من حياتهم، ويزداد الأمر سوءًا على مستوى العالم وسط توقعات بارتفاع نسبة الأشخاص البالغة أعمارهم 65 عامًا –أو يزيد- إلى 26.9% من بين إجمالي سكان العالم بحلول عام 2050.

و"الأرق" هو اضطراب شائع يمكن أن يؤدي إلى صعوبة النوم أو صعوبة الاستمرار فيه، أو يجعل الشخص يستيقظ مبكرًا مع عدم القدرة على العودة إلى النوم مرةً أخرى، وفي بعض الأحيان يعاني كثيرٌ من البالغين من "أرق حاد قصير المدى، قد يستمر أيامًا أو أسابيع نتيجة التوتر أو التعرض لحدث صادم"، وقد تزداد حدة الأرق بحيث تصبح "أرقًا مزمنًا طويل المدى، يستمر شهرًا أو أكثر".

من هنا تأتي أهمية الدراسة التي أجراها فريق بحثي من مدرسة الطب بجامعة "ديفيد جيفين" الأمريكية، ونشرتها دورية "جاما سيكياتري" (JAMA Psychiatry)، واعتمدت على إجراء سلسلة من التجارب السريرية لمعرفة "إلى أي حد يمكن أن يكون علاج الأرق مفيدًا في الوقاية من الاكتئاب لدى كبار السن؟".

تقول الدراسة إن "الأرق يصيب حوالي 50٪ من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا أو أكثر، ويُسهم في زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب الشديد بمقدار الضعف"، وأفادت أن هناك بعض العلاجات غير الدوائية للأرق، ومنها العلاج التثقيفي للنوم (SET)، وهو برنامج سلوكي يستهدف العوامل السلوكية والبيئية اليومية التي تُسهم في قلة النوم، ويجمع بين العلاج المعرفي والتحكم في المنبهات، وتقييد النوم، ونظافة النوم (اتباع روتين يومي يحقق فوائد النوم كاملة)، والاسترخاء، ويوصى باستخدام العلاج السلوكي المعرفي باعتباره خط علاج أولًا لاضطراب الأرق".

سجل الباحثون بيانات 291 بالغًا من عينة مجتمعية عشوائية بلغت 431 شخصًا، تبلغ أعمارهم 60 عامًا أو أكثر (بمتوسط أعمار بلغ 70.1 عامًا)، منهم 168 من النساء (بنسبة بلغت حوالي 57.7%) والباقي من الرجال (123 رجلًا بنسبة بلغت نحو 42.3%)، ووفق البيانات التي فحصت، فإن أفراد العينة كانوا يعانون من اضطراب الأرق ولم يكن لديهم مستويات عالية من "الاكتئاب الحاد" خلال العام السابق لبدء إجراء التجارب.

وتنوعت عينة البحث ما بين (أشخاص ذوي أصول آسيوية بنسبة 2.4%)، و(أصحاب البشرة السوداء بنسبة 11%)، و(ذوي أصول تعود إلى سكان جزر المحيط الهادئ بنسبة 1%)، و82.8% من أصحاب البشرة البيضاء، و2.1% من متعددي الأعراق، و0.7% من غير المعروف أصولهم العرقية.

العلاج السلوكي المعرفي للأرق

قسم الباحثون عينة البحث إلى مجموعتين، ضمت الأولى 156 شخصًا خضعوا لـ"العلاج السلوكي المعرفي للأرق" (CBT-1) تحت إشراف طبيب نفسي مدرب على تأهيل هذه المجموعات، وهو برنامج منظم يساعد الشخص في تحديد الأفكار والسلوكيات التي تسبب مشكلات النوم أو تؤدي إلى تفاقمها، والاستبدال بتلك السلوكيات عاداتٍ تشجع على النوم السليم، وبخلاف الأقراص المنومة، يساعد العلاج السلوكي المعرفي للأرق في التغلب على الأسباب الكامنة لمشكلات النوم، وتطوير عادات نوم جيدة وتجنُّب السلوكيات التي تمنع النوم الجيد.

أفادت الدراسة أن المجموعة الثانية كانت مجموعةً ضابطة، وضمت 135 شخصًا خضعوا للعلاج بالتثقيف بالنوم، الذي يعمل على تحسين أعراض الأرق من خلال جلسات جماعية يشرف عليها مدرب صحة عامة؛ إذ خضع المشاركون لجلسات جماعية أسبوعية مدتها 120 دقيقة مدة شهرين، ويستهدف هذا النوع من العلاج عدة مكونات أساسية تتعلق بالنوم مثل نظافة النوم (عادات النوم الجيدة)، والساعة البيولوجية، وخصائص النوم الصحي والإجهاد.

وأوضحت نتائج الدراسة بعد 36 شهرًا من المتابعة أن "العلاج السلوكي المعرفي للأرق" ساعد على خفض احتمالية الإصابة بالاكتئاب المتكرر، مقارنةً بالعلاج بالتثقيف بالنوم.

التدريب على النوم

يقول مايكل إروين -أستاذ الطب النفسي بمدرسة الطب بجامعة ديفيد جيفين، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": تدريب النوم حالة تحكم نشط، تُستخدم بشكل روتيني لتوجيه الأشخاص نحو تحسين نومهم، وتوفر معلومات ونصائح تتعلق بالنوم الصحي، ما يعني خضوع الشخص لتدريبات سلوكية ومعرفية تساعده في التخلص من العادات السيئة، بما يجعل جسمه وعقله مهيئين للنوم.

أُجريت الدراسة في الفترة من 1 يوليو 2012 إلى 30 أبريل 2015، وعدل الفريق البحثي بروتوكول التجربة لتمديد المتابعة من 24 إلى 36 شهرًا، مع استكمال المتابعة في يوليو 2018، وتم إجراء تحليل البيانات من 1 مارس 2019 حتى 30 مارس 2020.

ووجد الباحثون أنه "خلال 36 شهرًا من المتابعة، حدث الاكتئاب في 25.9% من كبار السن في المجموعة الضابطة (التي تلقت علاجًا تعليميًّا للنوم) في أثناء المتابعة، بينما حدث الاكتئاب في 12.2% فقط في المجموعة التي تلقت العلاج السلوكي المعرفي للأرق".

يضيف "إروين": أجريت التجربة على كبار السن من غير المصابين بالاكتئاب ولكنهم يعانون من اضطراب الأرق، وأدى العلاج المعرفي السلوكي للأرق إلى منع نوبات الاكتئاب المتكررة بأكثر من 50٪ مقارنةً بالعلاج بالتثقيف بالنوم، مشددًا على أنه من شأن العلاج المعرفي السلوكي للأرق أن يعزز جهود الصحة العامة لعلاج الأرق والوقاية من الاكتئاب لدى كبار السن إلى حدٍّ كبير، إذ تدعم هذه البيانات جهود الوقاية من الاكتئاب من خلال استهداف عوامل الخطر مثل اضطراب الأرق.

طول مدة الدراسة

يقول "إروين": كانت العقبة الكُبرى التي واجهتنا هي الاحتفاظ بعدد كبير من عينة البحث بحيث يمكن إخضاعهم لمراقبة شهرية على مدى ثلاث سنوات لتتبُّع ظهور أعراض الاكتئاب عليهم من عدمه، وإجراء مقابلات دورية معهم، وأخذ عينات دم كل 6 أشهر، وأوضح أنه من الصعب بطبيعة الحال متابعة العديد من المشاركين لهذه المدة الطويلة من الزمن، إلا أن المتابعة الطويلة تضيف مصداقيةً كبيرةً إلى النتائج.

وعن مدى دقة النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يرى "أروين" أن الدراسة روجعت بعناية، مضيفًا: تُعد الدراسة إحدى أقوى الدراسات المنهجية باستخدام المقابلات التشخيصية لتحديد الأرق وحدوث الاكتئاب، وتقديم العلاج المعرفي السلوكي بدقة عالية مع معالجين مدربين، واستخدام عنصر تحكم مقارنة نشط، والمتابعة طويلة المدى.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول إمكانية تعميم النتائج خارج الولايات المتحدة الأمريكية، أكد أنه يعتقد ذلك؛ إذ كانت النتائج متشابهةً عبر مجموعات عرقية مختلفة، وفق قوله.

طمأنة المرضى

وكانت دراسة سابقة نشرتها دورية "سليب ميديسين ريفيوز" (Sleep Medicine Reviews)، قد أكدت أهمية استخدام "العلاج المعرفي السلوكي" باعتباره علاجًا غير دوائي لطمأنة المرضى بأن طول العمر لديهم لن يتأثر نتيجة المعاناة من الأرق، واعتمد الباحثون إستراتيجية "التحليل التلوي" لتحليل 17 دراسة تُعنى بدراسة الارتباط بين الوفيات والأرق المتكرر ضمت حوالي 37 مليون شخص توبعوا على مدار 11.6 عامًا، كشفت الدراسة وجود ميل إلى خطر متزايد فيما يتعلق بالوفيات المرتبطة باستخدام الأشخاص للأدوية المنومة من أجل الحد من الأرق.

كما أشارت نتائج دراسة بريطانية سابقة نشرتها دورية "ذا لانسيت سيكياتري" إلى أن استخدام العلاج المعرفي السلوكي عبر الإنترنت لمساعدة الشباب الذين يعانون من الأرق يخفف من حدة القلق والاكتئاب، مؤكدةً أن "علاج اضطرابات النوم يساعد في الحد من أعراض الذُّهان".

ويُطلق مصطلح الذُّهان على الأمراض العقلية التي قد تتخذ أشكالًا مختلفةً تبعًا لسياق حياة الشخص المصاب.

أجرى الباحثون الدراسة على 3755 طالبًا جامعيًّا من 26 جامعة بريطانية قُسموا عشوائيًّا إلى مجموعتين، خضعت الأولى لـ6 جلسات من العلاج المعرفي السلوكي عبر الإنترنت استغرقت كل جلسة 20 دقيقة، أما الثانية فقد خضعت لعلاجات تقليدية.

دوَّن الباحثون تراجُعًا كبيرًا لحدة الأرق لدى الشباب الذين خضعوا للعلاج المعرفي السلوكي، إضافةً إلى انخفاض قد يكون محدودًا لكنه ثابت في أعراض الذُّهان، مشددين على أن "العلاج المعرفي السلوكي قلل أيضًا من الاكتئاب والقلق، وأدى إلى تحسُّن الصحة النفسية وجودة الأداء بشكل عام في أثناء فترات النهار".

روشتة علاجية

من جهته، يؤكد وليد هندي -استشاري الصحة النفسية- أن "الأرق قد يُعرض الإنسان لحوادث كثيرة بسبب قلة التركيز، ويزيد من الاكتئاب، ويُعد أحد أهم أسباب الوفاة المبكرة".

يقول "هندي" في تصريحات لـ"للعلم": تُعد اضطرابات النوم –مثل عدم الاستغراق في النوم، والاستيقاظ ليلًا، والإحساس بعدم الراحة بعد النوم، والتعب في أثناء النوم- من أهم الأسباب القوية التي تؤدي إلى الأرق، الذي يؤدي بدوره إلى اكتئاب وأمراض صحية ونفسية خطيرة.

ويؤكد "هندي" أنه "يمكن تقليل حدة الأرق عن طريق ممارسة الرياضة، ولو عشر دقائق يوميًّا، وتناول وجبات قليلة الدسم، والإقلال من تناوُل الكافيين قبل النوم، والبُعد عن الضوضاء، وتثبيت مواعيد النوم والاستيقاظ".

بدوره، يرى أحمد عبد الله -أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق- أن الدراسة تمثل إضافةً جيدة؛ لأنها طريقة علاجية غير دوائية للوصول إلى النوم السليم الصحي، مضيفًا: "أعتقد أن نتائج الدراسة ستفيد كثيرًا ممن يواجهون صعوبات في النوم ليلًا بطريقة صحيحة، خاصةً أن النوم الصحي السليم بمنزلة علاج نفسي وعضوي للعديد من الأمراض والاضطرابات، مثل الأرق والاكتئاب والهلوسة".

وعن تطبيق نتائج الدراسة على المجتمع المصري، يقول "عبد الله" في تصريحات لـ"للعلم": يجب أن يؤخذ اختلاف الثقافات بين مجتمع وآخر بعين الاعتبار، لكن ينبغي –في الوقت ذاته- تغيير السياق الاجتماعي والثقافي الذي يسيطر على المجتمع المصري في الوقت الحالي عبر مجموعة من الإجراءات، مثل التعريف بثقافة النوم وأهميته، وتأثير الحرمان منه على الجانبين النفسي والعضوي، وأضاف أنه ينبغي أن يتلقى المرضى إرشادات وتدريبات تتم عن طريق مدربين نفسيين متخصصين يقومون بالتوعية عن اضطرابات النوم وما تسببه من أمراض.