ذكرت دراسة أعدها فريق من الباحثين اليابانيين أن انتقال بعض أنواع البكتيريا التي تعيش في الفم إلى مواضع أخرى في القناة الهضمية كالأمعاء والقولون، يؤدي إلى نشاط إحدى خلايا الجهاز المناعي المعروفة باسم "تي هلبر 1"، والتي تهاجم مادة "الميلين" التي تكسو الأعصاب، مسببةً بذلك العديد من أمراض القولون الالتهابية، مثل داء "كرون" و"التهاب القولون التقرحي".

قام الباحثون في الدراسة بأخذ عينات من لُعاب بعض الأشخاص المصابين بأمراض القولون الالتهابية، واستخلصوا منها البكتيريا، ثم قاموا بزراعتها في فئران خالية من الجراثيم؛ وبعد مرور 6 أسابيع، فحص الباحثون الجدار المبطن لقولون الفئران وأمعائها، ووجدوا أن أنواعًا محددة من البكتيريا المستخلصة من لعاب المرضى مثل "الكلبسيلا"، وصلت إلى القولون واستعمرته، مما سبب تراكمًا لخلايا الجهاز المناعي أدى إلى التهابات.

يقول ماساهيرا هاتوري -أستاذ علوم الصحة المتقدمة بجامعة واسيدا اليابانية، والباحث الرئيس في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "من الغريب أن بكتيريا الكلبسيلا موجودة في الفم بصورة طبيعية ولا تسبب التهابًا كما هو الحال عند وجودها في مواضع أخرى من القناة الهضمية، ونحن لا نعرف هل تؤدي إلى حدوث التهاب في الفم كما هو الحال في القناة الهضمية أم لا".

لكن كينيا هوندا -أستاذ قسم الميكروبيولوجي والمناعة بكلية الطب بجامعة كيو، والباحث المشارك في الدراسة- يرى في تصريحات لـ"للعلم" أن "نتائج الدراسة تشير إلى أهمية الحفاظ على نظافة الفم، الأمر الذي قد يقي من انتقال بكتيريا الكلبسيلا من الفم إلى الأمعاء والاستقرار بها، أو حتى انتقالها إلى الرئة مسببةً العديد من الأمراض المزمنة التي قد تودي بحياة الشخص".

استراتيجية علاجية جديدة

ووفق الدراسة فإن "بكتيريا الكلبسيلا التي وُجدت في قولون الفئران كانت مقاوِمةً لعدد كبير من المضادات الحيوية، منها الأمبيسيللين والميترونيدازول، ما يجعل القضاء عليها أمرًا عسيرًا".

يرى طارق قابيل -أستاذ التقنية الحيوية المساعد بكلية العلوم والآداب بجامعة الباحة السعودية- أن نتائج هذه الدراسة قد تقدم حلولاً غير تقليدية في مجال إنتاج علاج مناسب للأشخاص المصابين بداء كرون (مرض التهابي مزمن يصيب القناة الهضمية بدءًا من الفم وحتى فتحة الشرج)، خاصةً أنهم معرضون لخطر الإصابة بسرطان الأمعاء أكثر من غيرهم.

ويعتقد قابيل -في تصريحاته لـ"للعلم"- أن العلاج قد يكمن في توفير بيئة جرثومية صحّية في القناة الهضمية، وذلك بعد تحديد مكونات الميكروبيوم الخاص بالمصابين بالمرض، والتي هي في معظمها بكتيريا غير قابلة للعلاج بالمضادات الحيوية، ويمكن التغلب على هذا الأمر من خلال الزرع البرازي (الغائطي) من أفراد أصحّاء، مضيفًا: لقد نجحت أبحاث حديثة في تبديل ميكروبيوم أشخاص مصابين ببكتيريا "المطثيات" باستخدام ميكروبيوم أفراد أصحاء، محققةً "نتائج رائعة".

بدوره، يشير هوندا إلى أن "نتائج الدراسة توفر استراتيجية علاجية جديدة لأمراض القولون الالتهابية، وذلك عن طريق استهداف أنواع بكتيريا الكلبسيلا باستخدام عقاقير جديدة، مثل ما يُعرف بالمضادات الحيوية ضيقة المدى، أو عاثيات (فيروسات تغزو البكتيريا)، بحيث تستهدف هذا النوع من البكتيريا الموجودة في الفم والأمعاء على وجه التحديد"، مشددًا على أن الباحثين لا يزالون غير متأكدين من جدوى تلك الاستراتيجية دون المساس بالبكتيريا الموجودة طبيعيًّا في كلٍّ من الفم والقناة الهضمية، وفق قوله.

البكتيريا المفيدة

في السياق ذاته، يوضح هاتوري أنه بالإضافة إلى علاج بعض الأمراض المزمنة، تفتح الدراسة آفاقًا جديدة لتطوير طرق علاج فعالة للقضاء على البكتيريا المقاوِمة لأكثر من نوع من الأدوية، وذلك من خلال تحديد أنواع معينة من البكتيريا الموجودة بشكل طبيعي في الأمعاء، وتستطيع مقاومة استعمار بكتيريا الفم للأمعاء والقولون.

ويضيف: بدأنا بالفعل تجارب لتحديد تلك البكتيريا المفيدة الموجودة في الأمعاء بشكل طبيعي، واستخراجها من عينات براز لأفراد أصحاء، وإذا تمكنَّا من تعرُّفها، يمكننا استخدامها كمنتج حيوي لعلاج المرضى الذين يعانون من العدوى ببكتيريا الكلبسيلا، وكذلك المرضى الذين يعانون من التهاب الأمعاء المزمن، والبحث التالي لتلك الدراسة يجب أن يتحقق من الآلية التي تقوم بها الكلبسيلا لتحفيز الخلايا المناعية، ما يؤدي إلى التهاب القناة الهضمية.

خلل في التوازن

يوضح قابيل أن العلماء اتجهوا مؤخرًا لدراسة الميكروبيوم أو البيئة الجرثومية الموجودة بشكل طبيعي داخل جسم الإنسان، والتي أثبتت الأبحاث أن لها دورًا في تنظيم العديد من العمليات الحيوية المختلفة، مضيفًا أن "دور بكتيريا الجهاز الهضمي لا يقتصر على المساعدة في عملية هضم الطعام فحسب، وإنما تُحدِث أيضًا توازنًا داخل الجسم، وعند حدوث أي خلل في هذا التوازن تزيد قابلية الجسم للإصابة بالأمراض، مثل السكري والاضطرابات العصبية والسرطان والربو".

يشير قابيل إلى وجود اهتمامٍ مُتنامٍ في المنطقة العربية بأبحاث الميكروبيوم، التي تحتاج إلى إمكانيات بحثية عالية، وتمويل مناسب للبحث العلمي، مبيناً أن "مجموعة بحثية (تضم جمانة يوسف الأعمى ويون وانج- من كلية الطب بجامعة الملك عبد العزيز بجدة- وشريف إدريس من كلية العلوم في الجامعة نفسها) قامت بتأسيس فهرس متكامل للجينات يحتوي على نحو 10 ملايين جين لمعظم ميكروبات القناة الهضمية، مقدمين بذلك قاعدة البيانات الأشمل والمتاحة دون مقابل، والتي تغطي التنوع العالمي لميكروبيوم الأمعاء البشرية".