مادة مضادة للأكسدة يشيع استخدامها كصبغة كيميائية في المختبرات العلمية، قد تصبح يومًا ما وسيلةً فعالة لإبطاء علامات الشيخوخة، أو أحد منتجات العناية بالبشرة، هذا ما كشفت عنه نتائج دراسة حديثة، نشرها باحثون من قسم بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة الجزيئية بجامعة ميريلاند الأمريكية، في دورية ساينتفيك ريبورتس Scientific Reports، مايو الماضي.

نجحت المادة المعروفة بأزرق الميثيلين (Methylene Blue) في أداء عمل أفضل في مساعدة الخلايا الليفية fibroblasts على البقاء مدةً أطول، كما سرعت من قدرتها على الانقسام، وأظهرت مؤشرات أقل للشيخوخة، مقارنة بمركبات أخرى مضادة للأكسدة استُخدمت في الغرض ذاته.

ويؤدي عدم التوازن في نظام إنتاج الجذور الحرة ومضادات الأكسدة الموجودة بالخلايا، المعروف بـ"الإجهاد التأكسدي" دورًا في ظهور وتقدم علامات شيخوخة البشرة، لذا يُعَدُّ استخدام مضادات الأكسدة كصبغة أزرق الميثلين لمعادلة تلك الجذور الحرة طريقة فعالة في محاربة علامات تقدم العمر.

وتُعَدُّ صبغة أزرق الميثيلين من المركبات المهمة في علم الكيمياء التحليلية، إذ تُستخدَم مؤشِّرًا لعمليات كالأكسدة والإختزال في بعض التجارب الكيميائية، كما تُستخدم أيضًا في علم الأحياء لصبغ عينات الألياف العصبية، والجلد، وعينات الحمض النووي الريبي المنزوع الأكسجين (DNA) وكذلك الحمض النووي الريبي (RNA). ويعود تحضير مادة أزرق الميثيلين، للمرة الأولى، إلى عام 1876، على يد الكيميائي البولندي الأصل هينريش كارو.

أكثرها فاعليةً وأمنًا

قارن الفريق البحثي بين فاعلية صبغة أزرق الميثيلين بثلاثة منتجات أخرى للعناية بالبشرة تُستخدم كمزيلات لأنواع الأكسجين التفاعلي، أو ما يُعرَف بالجذور الحرة (ROS)، وذلك من خلال معالجة خلايا بشرة ليفية من أفراد في منتصف العمر، وأخرى من مرضى بمتلازمة الشيخوخة المبكرة –نموذجًا لبشرة أصابتها علامات تقدم العمر بشكل طبيعي- لمدة 4 أسابيع. وقد أظهرت النتائج أن صبغة أزرق الميثيلين هي أكثرها فاعلية وأمنًا في الاستخدام طويل الأمد للعناية بالبشرة.

والجذور الحرة هى أحد نواتج التفاعلات الكيميائية التى تنشأ داخل البشرة، خصوصًا عند تعرّضها للأشعة فوق البنفسجية، ومن شأنها التسبُّب في تلف الخلايا وظهور العلامات المبكرة لتقدّم السن على البشرة.

وللتأكد من عدم وجود أية أعراض جانبية لأزرق الميثيلين في حال استخدامها لفترات طويلة، جربها الباحثون على نموذج ثلاثي الأبعاد للبشرة الآدمية على مدار أسبوعين، فتوصلوا إلى أن استخدامها بتركيز أقل من 2.5 ميكروميتر لا يتسبب في تهيُّج الجلد أو تصبُّغه باللون الأزرق، كما لاحظوا أنها حَسَّنَت من ترطيب الجلد، وظهرت طبقة الأدمة لنسيج البشرة المُعالج أكبر سُمكًا.

 وعلى جانب آخر، عمل الباحثون على معالجة خلايا ليفية مصابة بجروح جرى الحصول عليها من شخص في منتصف العمر، وأخرى من شخص عمره 84 عامًا بأزرق الميثيلين، إذ وجدوا أن الخلايا تتكاثر بسرعة أكبر مقارنة بالعينات الضابطة.

تقول كان كاوو -أستاذ مشارك وباحث بالدراسة-: "بناءً على ما أظهرته لنا نتائج الدراسة فإن هذه الصبغة لا تؤخر ظهور علامات الشيخوخة على الجلد فحسب، ولكنها تقلل تلك العلامات عليه حال أصابته الشيخوخة فعلًا."

ويُعَدُّ الجلد أكبر عضو في جسم الإنسان، ووظيفته الأساسية هي حماية الجسم من الميكروبات والعوامل الخارجية المختلفة، بالإضافة إلى تنظيم درجة حرارته. ويتألف من ثلاث طبقات، هي: البشرة وهي الطبقة الخارجية وتحتوي على الخلايا الصبغية التي تفرز مادة الميلانين المسؤولة عن لون البشرة، تليها الأدمة وتحتوي على نسيج ضام قوي (تُعَدُّ الخلايا الليفية أحد مكوناته) وبصيلات الشعر وكذلك الغدد العرقية، ثم اللُّحْمَة وهي أعمق طبقة للجلد وتحتوي على دهون ونسيج ضام.

الشكل الصحي للبشرة

وتظهر علامات الشيخوخة على البشرة في صورة تجاعيد وبقع لونية متناثرة، مع عدم التئام الجروح بشكل سريع، وذلك بسبب عوامل داخلية ومنها التقدُّم في العمر، وعوامل خارجية عديدة منها التعرُّض لأشعة الشمس من دون حماية، والتدخين، والتعرُّض للملوِّثات الموجودة بالجو، والجفاف.

وفي بشرتنا، تنتج الخلايا الليفية أليافًا طويلة من الكولاجين- مكون أساسي في جعل بشرتنا من الصعوبة بما فيه الكفاية لمقاومة التشقُّق- كما تنتج بروتين الإيلاستين، الذي يضيف مرونة على البشرة، وهما بالإضافة إلى حمض الهالويورونيك من المكونات الأساسية التى تمنح البشرة القوة والشكل الصحي الذي تُظهره في عمر الصبا والشباب.

ومع التقدُّم في السن، تنتج الخلايا الليفية كميات أقل من الكولاجين وكميات أعلى من إنزيم يُسهم في تكسيره. وبدروها تصبح ألياف الكولاجين المكسورة غير فعالة في إعطاء الجلد بنيته المتماسكة، كما تتراكم الجذور الحرة وتقل قدرة الجسم على التخلص منها، مما يزيد من الإجهاد التأكسدي الذي يؤدي بدوره إلى التقليل من تصنيع بروتين الكولاجين أيضًا.

ويأتي دور أزرق الميثيلين في العناية بالبشرة بسبب خصائصها الفيزيائية والكيميائية التي تعطيها القدرة على العناية بها بطرق عدة، منها منع إنتاج المواد المؤكسدة، وذلك بتحسين وظيفة الميتوكوندريا الرئيسية، كمسؤول عن نقل الطاقة داخل الخلية. كما تعزز الدور الدفاعي لمضادات الأكسدة وذلك من خلال تغيير التعبير الجيني لبعض الجينات الرئيسية التي تستشعر المواد المؤكسدة وتنظم عمل مضادات الأكسدة.

إعادة توظيف الدواء

يقول علاء رفعت -باحث بكلية طب بجامعة كوينز بيلفاست في المملكة المتحدة، لم يشارك في الدراسة-: "أوضحت نتائج الدراسة فاعلية أزرق الميثيلين في تعديل معدلات إنتاج اثنين من أهم مكونات الجلد، وهما: بروتين الكولاجين والإيلاستين".

ويوضح: "ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي تكشف فيها دراسة عن التأثير المحتمل لأزرق الميثيلين على محاربة علامات تقدم العمر"، مضيفًا: "هناك دراسة أُجرِيَت في ثمانينيات القرن الماضي قالت بوجود دور محتمل لها في محاربة الشيخوخة"، مستطردًا: "ولكنها كانت قد أجريت على نموذج غير بشري".

ويضيف رفعت: "أوضحت نتائج الدراسة فاعلية أزرق الميثيلين في تعديل معدلات إنتاج اثنين من أهم مكونات الجلد، وهما: بروتين الكولاجين والإيلاستين"، مشددًا على أن إنتاج أي مستحضرات دوائية يحتاج إلى دراسات طويلة وتجارب على عدة مستويات حتى تصل لمرحلة تجريبها على عينة من المرضى للتأكد من فاعلية وأمان المنتج.

ويكشف أنه "في حالة أزرق الميثيلين، قد يتقلص الوقت والمال والمجهود المطلوبين للوصول إلى المنتج النهائي، وذلك لأنها معروفة لدينا من عقود مضت، وأثبتت فاعلية لعلاج العديد من الأمراض الأخرى". مضيفًا: "هذا ما يدعونه: إعادة توظيف الدواء".

فبالإضافة إلى فاعلية أزرق الميثيلين المحتملة في علاج علامات تقدم العمر بالجلد، تُستخدم أيضًا لعلاج عدة أمراض منها ميتهيموغلوبينيَّة الدَّم، وهو مرض تقلُّ فيه قدرة كرات الدم الحمراء على توصيل الأكسجين للأنسجة، والملاريا، وألزهايمر، والعلاج الكيميائي لمرض السرطان.

تأمل غاو أن ترى مستحضرات تحتوى على أزرق الميثيلين سريعًا بالأسواق كمضادات لشيخوخة الجلد، وتقول: "سوف نحدد مستقبلًا طريقة استعمالها، سواء عن طريق الفم أو في شكل كريم، كلاهما سيعطي النتيجة الإيجابية المطلوبة".