كشفت دراسة نشرتها دورية "ساينس" (Science) أن المبيدات الحشرية الأكثر استخدامًا في العالم قد تؤثر سلبًا على هجرة الطيور المغردة وتضر بفرص التزاوج.

ففي أول تجربة لتتبُّع آثار المبيدات الحشرية من نوع "إيميداكلوبريد" على الطيور في البرية، وجد العلماء أن تناوُل الطيور طعامًا يحتوي على كميات من تلك المبيدات يجعل تلك الكائنات تعزف عن تناول كميات كافية من الطعام، ما يُضعف من فرصها في الوصول إلى أماكن التزاوج الصيفية، فتقل بالتالي فرص التزاوج، وتتناقص أعداد تلك الطيور في البرية.

ومبيد "إيميداكلوبريد" هو نوع من المبيدات الحشرية، يشبه في تأثيره مادة النيكوتين، ويعمل على أنواع معينة من المستقبِلات في الخلايا العصبية، ويظن العلماء أنه أكثر سُمِّيَّة للكائنات اللافقارية –كالحشرات- من الثدييات والطيور والكائنات الحية الأخرى.

ومن الأشياء التى جعلت ذلك النوع من المبيدات أكثر شعبيةً وانتشارًا في مكافحة الآفات، قابليته للذوبان في الماء، مما يتيح استخدامه في التربة بكميات محسوبة مُذابة في ماء الري، دون أن تكون هناك مخاطر لانجرافه من الموقع المستهدف إلى المواقع الأخرى في البيئة المحيطة.

أجرى العلماء التجربة على 36 طائرًا مغردًا من نوع "العصافير ذات التاج الأبيض" في أثناء هجرتها شمالًا من المكسيك وجنوبي الولايات المتحدة الأمريكية إلى كندا وألاسكا؛ إذ قام فريق علمي من جامعتي "يورك" و"ساسكاتشوان" الكنديتين بالتقاط العصافير، وعملوا على تغذية 12 طائرًا بأطعمة فيها جرعة منخفضة من المادة الفعالة في تلك المبيدات، في حين غذوا 12 طائرًا آخر بجرعة أعلى، و12 طائرًا بجرعات من زيت عباد الشمس النقي، الذي لا يحوي أي كمية من المبيدات.

وفي غضون ساعات، تعرضت الطيور التي تناولت الجرعات المنخفضة أو العالية من المبيدات الحشرية لنقص في الوزن وتناوُل كميات أقل من الطعام؛ إذ فقدت الطيور التى أعطيت أعلى كمية من المبيدات 6% من وزنها في غضون ست ساعات (حوالي 1.6 جرام في المتوسط للطائر الذي يبلغ وزنه 27 جرامًا).

وكشف تتبُّع تلك الطيور أنها تخلفت أيضًا عن غيرها في طريق الهجرة إلى أراضي التزاوج الصيفية لمدة بلغت ثلاثة أيام ونصف اليوم، ما حرمها من فرص التزاوُج في التوقيت السليم.

قبل سنوات، جرى منع استخدام تلك المبيدات في أوروبا؛ لخطورتها الداهمة على النحل، إلا أن تلك هي المرة الأولى التي تُثبت فيها دراسة علمية أن تلك المبيدات لها آثار صحية على الطيور المغردة أيضًا.

تقول "كريستي موريسي" -أستاذة علم الأحياء، والمؤلف المشارك لتلك الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك انعكاسات لنتائج تلك الدراسة على الواقع البيئي؛ إذ تُظهر النتائج أن معالجة النباتات بالمبيدات التي تُشبه النيكوتين لا تؤثر على الحشرات الضارة فحسب، بل لها آثار كارثية على الطيور المغردة".

تدرس "موريسي" وفريقها البحثي الطيورَ المهاجرة منذ أعوام، وقد وجدت قبل عامين أن بعض الطيور "مشوشة" و"منهكة"، ولا تستطيع الوصول إلى أماكن التزاوج في الموعد المحدد، وانتهت أخيرًا إلى أن "المشكلة تكمن في المبيدات الحشرية"، وفق قولها.

وتضيف أن "معظم التركيز على النحل والنظم الإيكولوجية المائية. لكن يبدو أن هناك مخاطر جمة خفية على الطيور المغردة؛ إذيهتم النظام الزراعي الصناعي الحالي بمعالجة البذور والنباتات بالمبيدات الحشرية القاتلة للأمراض، ولا يأخذ في الاعتبار تأثير تلك المبيدات على الحياة البرية".

تقول المؤلفة المشاركة في تلك الدراسة: "إن الطيور تُعِد العُدة قبل الهجرة بمدة كافية، وتتناول كميات كبيرة من الأطعمة لتخزين الدهون اللازمة للقيام بالرحلة الشاقة، غير أن الطيور لا تعرف أن تناوُل المزيد من الأطعمة المحتوية على المبيدات يُسهم في تقليل وزنها وليس إكسابها الدهون، وبالتالي تُصبح الطيور مرهقة ولا تستطيع الوصول إلى أماكن تزاوُجها في الوقت المُحدد".

لكن.. لماذا لم يدرس العلماء تأثير المبيدات على الطيور المغردة الصغيرة من قبل؟ تقول "موريسي": من الصعب دراسة هجرة الطيور -خاصة الطيور الصغيرة- لأن معظم تقنيات التعقُّب تستخدم أجهزة كبيرة لا يُمكن للطيور حملها. كما أن تلك الطيور تُهاجر لمسافات طويلة ويصعب رؤيتها في أثناء طيرانها الليلي. لذا بدأنا خلال السنوات الأخيرة فقط في فهم المزيد من أنماط رحلة الطيور باستخدام تقنيات التتبُّع وأجهزته الجديدة، كما أن مسألة دراسة كيفية تأثير المبيدات الحشرية على الطيور تتقاطع فيها تخصصات مختلفة، كعلم البيئة وعلم السموم البيئية، وهناك تمويل محدود لهذا النوع من الأبحاث، ما قلل من فرص دراسة الهجرات العظمى للطيور والعوامل التي يُمكن أن تؤثر عليها، كالمبيدات الحشرية أو أضواء المدن.

وتضيف أن "فهم الطريقة التي تؤثر بها المبيدات الحشرية على هجرة الطيور سيفتح الباب أمام أبحاث هادفة لإيجاد حلول قائمة على تطوير النظم الزراعية، وتمكين المزارعين والعمل معهم لإضافة تنوُّع إلى طرق الحماية، مما يجعل المزارع أكثر استدامةً وأقل اعتمادًا على المبيدات الخطرة".