"كمُغنٍّ متمرس في الغناء والعزف على القيثارة، يشد الوتر بسهولة ويلفه على أحد المفاتيح مثبتًا إياه عند الأطراف، رمى أوديسيوس رميته العظيمة بسهولة ومهارة. سحب الوتر بسرعة بيده اليمنى مختبرًا نغمته، وبلمسة منه أصدر صوتًا واضحًا وحادًّا كصوت طائر السنونو".

بهذا الشكل الدرامي أشار هومر قبل نحو ثلاثة آلاف سنة إلى فكرة وجوب أن يتمتع رماة السهام بالقوة العضلية وبالمهارة معًا. بيد أن التكنولوجيا المستخدمة في القوس قد شهدت تغيرًا جذريًّا منذ عودة أوديسيوس منتصرًا إلى إيثاكا، وهو ما يثير جدلًا واسعًا الآن حول إدخال القوس المركب إلى الألعاب الأولمبية، الذي تعود بدايته إلى نفس الوقت تقريبًا من زمن الإمبراطورية اليونانية القديمة.

إن القوس المعاكس –وهو النوع الذي أشار إليه هومر، والذي يحتاج قوة ولياقة بدنية أكبر مما يتطلبه القوس المركب- هو النوع الوحيد المسموح به الآن في الألعاب الأولمبية. بيد أن عدد رماة القوس المركب حول العالم يشهد تزايدًا؛ نظرًا لانخفاض تكلفة التكنولوجيا المستخدمة فيه واختباره على نطاق أوسع في منافسات دولية. ومع تزايد شعبية هذا النوع، يشير بعض الرماة الهواة إلى أن ظهور القوس المركب في الألعاب الأولمبية ما هو إلا مسألة وقت. وفي هذا الصدد صرّح توم ديلين -السكرتير العام للاتحاد الدولي للقوس والسهم، وهي الهيئة الدولية المنظمة لهذه الرياضة، والتي تدعم إدراج القوس المركب في الألعاب الأولمبية– قائلًا: "نحن نمثل جميع أنواع رياضة القوس والسهم، ونرى أن القوس المركب يقع في نفس المستوى التنافسي للقوس المعاكس". وأضاف: "في عالم الرياضة يمكنك أن ترى أنواعًا مختلفة من المسابقات في اللعبة ذاتها وعند نفس المستوى التنافسي، مثل الكرة الطائرة العادية والشاطئية".

وكي يتسنى للجنة الأولمبية الدولية (IOC) النظر في إضافة رياضة جديدة إلى القائمة، يجب أن تكون مميزة عن غيرها من الألعاب الأولمبية. تختلف رياضة القوس والسهم التي تستخدم القوس المركب عن تلك التي تستخدم القوس المعاكس على المستويين التقني والعملي، فضلًا عن اختلاف أنظمة النقاط فيهما والقواعد المطبقة في كل دولة. بشكل عام، يصوب رماة القوس المركب على هدف من ست حلقات بقطر 80 سم، من مسافة 50 مترًا؛ في حين يصوب رماة القوس المعاكس على هدف من عشر حلقات بقطر 122 سم، من مسافة 70 مترًا.

وأردف ديلين قائلًا إنه ثمة عامل آخر تضعه اللجنة في اعتبارها عند تقييم لعبة جديدة، وهو إن كان اللاعبون أنفسهم هم مَن يحرزون الأهداف ويسجلون الأرقام القياسية، وليس أدواتهم فقط. وفي هذا الجانب التقني يختلف القوس المركب عن المعاكس اختلافًا كبيرًا. يحتوي القوس المركب على مساعد إطلاق ميكانيكي يتحمل بعضًا من عزم شد الوتر، بالإضافة إلى احتوائه على منظار مكبر؛ مما يزيد من اعتماد هذا النوع على دقة التصويب أكثر من اعتماده على القوة البدنية. أما القوس المعاكس فيعتمد بشكل أكبر على الأداء الكامل؛ إذ يتطلب قوة بدنية أكبر لسحب الوتر والإمساك به حتى إطلاق السهم.

كما يجب على رماة القوس المعاكس أن يضعوا في اعتبارهم مفارقة مهمة، هي أنه بعد تحرير السهم من القوس، يتخذ مسارًا منحنيًا ومتموجًا في الهواء، ما يتطلب مهارة من جانب الرامي الذي يتعين عليه التصويب بانحراف ضئيل نحو أحد الجانبين كي يصيب الهدف. وفي هذا الصدد يقول زاك جاريت -الرامي الأمريكي الذي مثَّل الولايات المتحدة في دورة الألعاب الأولمبية في ريو للقوس المعاكس-: "إن نظام القوس المركب أكثر كفاءة بكثير؛ إذ لا تشغل بالك بالكيفية التي يجب أن يترك بها السهم الوتر".

وحتى لو رأت اللجنة الأولمبية الدولية أن القوس المركب نوع مميز من هذه الرياضة، يعتمد على القوة البدنية بشكل يكفي لإضافته إلى الألعاب الأولمبية، فستلعب التكلفة المطلوبة دورًا في قرارها؛ إذ إن كل لعبة جديدة يتم إدراجها تزيد من تكلفة تنظيم الدورة الأولمبية. هذا العام مثلًا، قد تتجاوز التكلفة الإجمالية للدورة الأولمبية مبلغ الـ13.2 مليار دولار الذي وضعته اللجنة الأولمبية الدولية.

وتكمن العقبة الأكبر التي يمكن أن تواجهها هذه الرياضة في مدى انتشارها؛ فرياضة القوس المركب أكثر انتشارًا في الدول الغربية عنها في آسيا وأفريقيا ومنطقة أوقيانوسيا، حيث تقل التكنولوجيا بشكل عام. وقد يتسبب ذلك في أن تحظى بعض الدول بميزة تنافسية أكبر، إذ تعول على عدد أكبر من الرماة الذين سنحت لهم الفرصة للتدريب والمشاركة في منافسات بالقوس المركب. وفي هذا السياق توضح شيري رودز -مدير البطولات الوطنية بالهيئة الأمريكية للقوس والسهم التابعة للاتحاد الدولي للقوس والسهم- أنه "على الصعيد العالمي، هناك ثلاثة رماة بالقوس المركب مقابل كل سبعة رماة بالقوس المعاكس.. بيد أنه بين أعضائنا هناك أربعة رماة بالقوس المركب مقابل كل ستة رماة بالقوس المعاكس".

يعمل الاتحاد الدولي والهيئة الأمريكية للقوس والسهم على إعطاء أفضل دفعة ممكنة لرياضة القوس المركب، كي تُدرَج ضمن الألعاب الأولمبية، وهو ما يتوقع ديلين ورودز حدوثه بحلول عام 2024. وعلى الصعيد الدولي، يعمل الاتحاد الدولي للقوس والسهم على زيادة عدد الرماة بالقوس المركب من خلال جذب مزيد من السيدات إلى هذه الرياضة، عن طريق المساواة بين الذكور والإناث في الجوائز النقدية المقدمة واستضافة المزيد من المسابقات الدولية.

وفي السياق ذاته يعلق ديلين قائلًا: "يرجع الأمر إلينا للتأكد إن كانت رياضة القوس المركب تستحق أن تُدرج في الألعاب الأولمبية أو لا... إذا نجحنا في الأمر، فسيعني ذلك مزيدًا من الميداليات للرماة من شتى الأنواع، وهو أمر يعشقه الجميع بكل تأكيد".