في إحدى محافظات الدلتا المصرية، تلقى والد الصغيرة –التي لا يتجاوز عمرها 10 سنوات- مكالمة تليفونية من مديرة مدرسة ابتدائية، أخبرته بضرورة القدوم على الفور لاصطحاب طفلته إلى المنزل. كانت الطفلة تُعاني ارتفاعًا مُطردًا في درجة الحرارة، فقدت على إثره الوعي لنحو نصف ساعة. وصل الأب بسرعة، واصطحب الطفلة إلى طبيب في عيادة خاصة.

أخبره الطبيب أن طفلته تُعاني التهابًا شُعبيًّا حادًّا، وأعطاه مجموعة من العلاجات، من ضمنها دواء يحتوى على المادة الفعالة "سيفالوسبورين"، التي تُستخدم على نطاق واسع في علاج التهابات الجهاز التنفسي العلوي والسفلي. لم ينجح ذلك المضاد الحيوي في تحسين حالة الطفلة، واستمرت درجة الحرارة في التصاعد. توجه الأب مرةً أخرى إلى الطبيب، فأخبره بضرورة إجراء "مزرعة بكتيرية" للتعرُّف على طبيعة البكتيريا التي يُسببها الالتهاب، ومدى حساسيتها واستجابتها للمواد الدوائية. فأظهر التحليل كارثة!

فالطفلة الصغيرة تُعاني من نوع من البكتيريا يُقاوم 15 نوعًا من المواد الفعالة في المضادات الحيوية المنتشرة. ولحسن الحظ، تستجيب تلك البكتيريا للعلاج بـ"تتراسيكلينات"، وهي إحدى المواد الفعالة في المضادات الحيوية، ولكنها لا تُستخدم كثيرًا؛ بسبب أثرها الضار على الكُلى. الطفلة -التي تُعاني مما يُعرف علميًّا باسم الإصابة بالبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية- ليست الوحيدة، إذ إن حظها أوفر من حظوظ مئات آلاف من الأشخاص حول العالم، الذين تقتلهم تلك المقاومة كل عام.

حددت وكالات الصحة العامة في جميع أنحاء العالم مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية باعتبارها من أكبر التحديات في عصرنا الراهن، إذ إن الانتشار السريع والعالمي لتلك الميكروبات لم يكن له مثيلٌ في السنوات الأخيرة، للدرجة التي دعت منظمة الصحة العالمية لنشر أول قائمة على الإطلاق من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، تتكون من 12 نوعًا، أهمها على الإطلاق المكورات العنقودية الذهبية، التي تُعد سببًا رئيسيًّا لحالات الاعتلال والوفاة في جميع أنحاء العالم.

وتتسابق الجامعات والمراكز البحثية في الوقت الراهن للوصول إلى مضادات حيوية جديدة، يُمكنها القضاء على مقاومة البكتيريا، من ضمنها محاولة جديدة لاختبار مركبات مستخرجة من نبات القنب المخدر (المعروف في مصر وبعض دول المنطقة العربية باسم الحشيش) للوقوف على مدى فاعليتها ضد البكتيريا موجبة الجرام. نجح العلماء بالفعل في الوصول إلى مركبين مستخرجين من ذلك النبات، وأثبتوا فاعليتهما تجاه طيف واسع من البكتيريا موجبة الجرام، مقاوِمة بالفعل للمضادات الحيوية. ووفق الدراسة المنشورة مؤخرًا في دورية الجمعية الأمريكية للأمراض المعدية، حدد باحثون من جامعة ماكماستر الكندية مركبات مضادة للبكتيريا تُصنعها نباتات القنب، قد تكون بمنزلة خطوة رائدة لتطوير عقاقير جديدة.

ووفق الدراسة التي شارك فيها كمؤلف أول الباحث المصري عمر الحلفاوي، وأشرف عليها الأستاذ بقسم الكيمياء الحيوية والعلوم الطبية الحيوية بجامعة ماكماستر، أريك براون، فإن الفريق عثر على مركبين بنبات القنب لهما خواص قاتلة للبكتيريا موجبة الجرام المقاومة للمضادات الحيوية، هما CBD أو الكانبيدول، وهو ثاني أكثر المكونات النشطة انتشارًا في ذلك النبات، ومركب CBG المعروف باسم الكانابيجيرول، وهو الشكل غير الحمضي لحمض الكانابيجيروليك، والذي يُصنعه أيضًا النبات ذاته.

غير أن الباحثين قرروا استكمال أبحاثهم على مادة الكانابيجيرول فقط، لكونها غير نشطة فيما يتعلق بتأثيراتها النفسية على الإنسان، فتلك المادة رغم كونها مستخرجةً من نبات القنب المخدر، لا تُسبب أي آثار انتشائية، ولا ينجم عنها إدمان، على حد قول "الحلفاوي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

تبدأ القصة قبل نحو عامين، حين قرر فريق مُتعدد التخصصات من جامعة "ماكماستر" دراسة مركَّبات يُنتجها القنب لمعرفة مدى تأثيرها على البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. في البداية طور الكيميائيون في ذلك الفريق طريقة رخيصة وفعالة لإنتاج 18 مركبًا معمليًّا يُماثل ما ينتجه نبات القنب تمامًا. "تلك الطريقة سيتم نشرها لاحقًا في ورقة علمية منفصلة؛ إذ إنها بمنزلة براءة اختراع".. يقول "الحلفاوي".

بعد استخراج تلك المركبات، عمل الباحثون على اختبارها على كلٍّ من البكتيريا سالبة الجرام وموجبة الجرام، لمعرفة مدى فاعليتها كمضاد للكائنات الدقيقة، ليجدوا أنها فعالة في مكافحة المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للمضادات الحيوية من عائلة الميثيسيلين، وهي نوعٌ من البكتيريا موجبة الجرام التي تُعد السبب الرئيسي للعدوى في مختلف أنحاء العالم.

هناك اختلاف جوهري بين البكتيريا موجبة وسالبة الجرام، فحول الأولى يلتف جدار سميك عازل واحد يُسمى الغشاء الحيوي، أما الثانية فلها جداران عازلان يُشكلان حماية مزدوجة تجعل القضاء عليها بالغ الصعوبة. وعلى الرغم من أن 75% من قائمة منظمة الصحة العالمية للبكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية تحوي عائلات بكتيرية سالبة الجرام، إلا أن المكورات العنقودية الذهبية موجبة الجرام هي الكائنات التي تُشكل معظم حالات العدوى حول العالم.

للغشاء الحيوي وظيفة مهمة وفعالة، فعلاوةً على كونه يحمي البكتيريا من المضادات الحيوية، فهو ينظم أيضًا عمل البكتيريا، ويساعدها على إنتاج الطاقة اللازمة للتكاثر، كما أنه يحتوي على عدد كبير من البروتينات التي تنظم دخول الكيماويات والمركبات داخل الخلية البكتيرية، كما أنه يقوم أيضًا بتصنيع بعض المواد اللازمة لحفظ حياتها.

لاحظ العلماء أن مادة الكانابيجيرول تستطيع تثبيط إنتاج الأغشية الحيوية للبكتيريا، ما يعوق التصاقها بالأنسجة، ويحد من قدرتها على إحداث العدوى، ما يَزِيدُ من قدرة الجهاز المناعي على محاربتها. يقول إريك براون، في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الكانابيجيرول لديها قدرة كبيرة على تدمير الأغشية الحيوية للبكتيريا موجبة الجرام، وهو ما يعني "احتمالية استخدامها مستقبلًا كمادة فعالة في مُضاد حيوي جديد".

لكن.. ما هي آلية عمل مادة الكانابيجيرول؟

يقول "الحلفاوي" إن الفريق لاحظ قدرة المادة على إحداث ثقوب في الغشاء الحيوي البكتيري، إلا أنهم لم يتمكنوا حتى الآن من معرفة الكيفية التي تستطيع بها المادة إحداث تلك الثقوب.

تمتاز تلك المادة بفاعلية كبيرة تجاه البكتيريا موجبة الجرام، كما يقول "الحلفاوي" إن قدرتها محدودة مع البكتيريا سالبة الجرام الخطيرة، إلا أنها تُصبح فعالة بدرجة كبيرة للغاية حال دمجها مع علاج مُتاح حاليًّا هو "الكوليستن"، وبالتالي فإن الكانابيجيرول "ذو طيف واسع من الفاعلية حال استخدامه مع ذلك المركب الحاصل على موافقة مسبقة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية".

محاولات كثيرة استغرقت نحو عامين، أجراها الفريق البحثي للوصول إلى تلك النتائج. في البداية، استخدم الباحثون طُرقًا مطورة لعزل مجموعة من الميكروبات المقاومة للمضادات الحيوية؛ لمعرفة الكيفية التي تستطيع بها البكتيريا تطوير مناعة ضد مركب الكانابيجيرول. غير أن تلك الطريقة فشلت بامتياز، ومع فشلها تحقق النجاح الباهر!

فبكتيريا المكورات العنقودية الذهبية لم تتمكن من تطوير مناعة ضد الكانابيجيرول. وبالتالي، لم يستطع العلماء التعرف على أساليب مقاومتها؛ لأنها لم تُقاوم من الأساس. على حد قول "الحلفاوي" .

لجأ الباحثون في الطريقة الثانية إلى استخدام "مكتبات" مع البكتيريا المُطفرة في كل جين من جيناتها. يعني هذا أنهم اختبروا فاعلية المركب على كل الطفرات في النوع الواحد من البكتيريا. فمثلًا إذا ما كان للبكتيريا 2000 جين، اختبر الباحثون المركب في حالة تطفير الـ2000 جين. وذلك بهدف معرفة الطريقة التي يقضي بها المركب على البكتيريا. نتائج ذلك الاختبار لم تكن واضحة، إلا أنها أرشدت الباحثين إلى الطريقة التي ربما يعمل بها المركب ضد البكتيريا. تلك الطريقة المتمثلة في "تدمير الغشاء الخارجي الحيوي للبكتيريا".

تمهد لابتكار مُضاد حيوي

أما الطريقة الثالثة، فاختبر فيها العلماء المركب على البكتيريا سالبة الجرام، واتضح أن لها تأثيرًا محدودًا، يتضاعف حال استخدام أحد المضادات الحيوية في العلاج بمصاحبة المادة المكتشَفة خواصها مؤخرًا. يقول "الحلفاوي": يقوم مركبنا بإحداث ثقوب في الغلاف الخارجي للبكتيريا سالبة الجرام، وهو ما يتيح للمركب الآخر اجتياز العقبة الأولى بسهولة، والوصول إلى الغلاف الداخلي وتدميره.

يرى أستاذ الأمراض البكتيرية والتطفير الجيني بجامعة ولاية أوهايو، دانيال فوزنياك –لم يشارك في الدراسة- أن الورقة "خطوة للأمام"؛ إذ تمهد لابتكار مُضاد حيوي قائم على نبات القنب، غير أنه يؤكد أن الاختبارات الواردة في الدراسة ليست كاملة، "وتحتاج إلى أعوام لنقلها إلى البشر"، مشددًا على ذلك بقوله: "فمن الصعب الآن التكهن بسلوك تلك المادة في حالة العدوى البشرية، خاصةً أن الباحثين "أجروا التجارب الأولية على الفئران".

ويتساءل "فوزنياك" عن اختبارات سُمِّيَّة العقار وكمية الجرعة الآمنة، والطريقة التي يُمكن أن يُستكمل بها ذلك البحث، خاصةً في ظل إحجام شركات الدواء عن تمويل الأبحاث الخاصة بصناعة مضادات حيوية جديدة.

يقول "الحلفاوي" إن اختبارات السمية أظهرت وجود آثار جانبية للمادة. وأضاف أن الفريق يعمل في الوقت الحالي على تطوير المركب وتطوير تجارب السُّمِّيَّة لتلافي الآثار الجانبية. ويشدد الباحث المصري على أن المركب لن يشهد اختبارًا على البشر بصورة إكلينيكية إلا بعد 5 أعوام على الأقل.

أما فيما يتعلق بالتمويل، فيتفق "الحلفاوي" مع "فوزنياك" في الأمر، فالشركات الكبرى تُحْجِم عن الاستثمار في مجال صناعة المضادات الحيوية الجديدة الآن، إلا أنه يأمل العثور على تمويل من الوكالات الحكومية.

لا يُهوّل "الحلفاوي" من طبيعة الاكتشاف، غير أنه أيضًا لا يهوّن من شأنه. فـ"المادة لها فاعلية جيدة. وقد تُستخدم في صناعة مضاد حيوي يومًا ما.. نحن في بداية طريق طويل، لكنه واعد في الآن ذاته".