ابتكر علماء من جامعة "كارنيجي ميلون" الأمريكية بالتعاون مع جامعة "كاليفورنيا سان دييجو" وخمس مؤسسات دولية أخرى، أداة برمجية عالية السرعة، يُمكن أن تُحدد الجزيئات النشطة بيولوجيًّا، والتي تُنتج موادَّ كيميائية يمكن استخدامها كمضادات حيوية محتملة، أو في أدوية أخرى تُساعد على الشفاء في حالات مقاومة العدوى للمضادات الحيوية.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أطلقت تحذيرًا أمميًّا واسعًا، جاء فيه أن مقاومة المضادات الحيوية "أحد أكبر المخاطر التي تهدد الصحة العالمية والأمن الغذائي والتنمية".

وتحدث مقاومة المضادات الحيوية حين يتغير سلوك البكتيريا والميكروبات المُمْرِضة تجاه الأدوية، وتنخفض حساسيتها للعقاقير المختلفة، ما قد يؤدي إلى وفاة المريض. وتأتي على قمة مُسببات مقاومة المضادات الحيوية السلوكيات الخطأ التي ينتهجها الأطباء والعامة، والمتعلقة بتناول المضادات الحيوية دون داعٍ.

ويُحاول العلماء منذ سنوات تصميم جزيئات جديدة تؤدي إلى ابتكار مضادات حيوية تُسهم في الحد من تلك الأزمة المُلحَّة.

ويُعد العثور على تلك الجزيئات هدفًا لكل المختبرات التي تعمل في مجال المضادات الحيوية، وفق الأستاذ المساعد في قسم البيولوجيا بجامعة "كاليفورنيا سان دييجو" حسين محيماني، الذي يقول في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إن تلك الأداة "ستُسْهِم في تسريع عملية البحث عن تلك الجزيئات".

وأظهرت الدراسة المنشورة في دورية "سيل سيستم Cell Systems" أن الأداة الجديدة أسرع بـ100 مرة من الأدوات السابقة، وقد مكَّنت الباحثين بالفعل من اكتشاف 7 جزيئات غير معروفة سابقًا يُمكن أن تكون هدفًا لتصنيع مضادات حيوية في المستقبل.

وتُوجد الجزيئات المكتشَفة حديثًا في بيئات مختلفة، مثل الأمعاء البشرية، والمحيطات العميقة، وحتى محطة الفضاء الدولية.

حازت التقنيات الحديثة التي تستخلص الحمض النووي من الميكروبات الموجودة في البيئة اهتمامًا كبيرًا في المجتمعات العلمية. فبعض الميكروبات –التي تتعايش مع البشر الأصحاء على سبيل المثال- تنتج جزيئات تحمي مضيفها من الأمراض المختلفة، وبالتالي فهي مُرشحة بقوة لتكون جزءًا من عقاقير يُمكن أن تستخدم في العلاج.

وفي العقد الماضي، أنشأ علماء الأحياء المجهرية عددًا من قواعد البيانات التي توضح تركيبة الحمض النووي للميكروبات والأجسام المجهرية، إلا أن مجتمعات الميكروب تتكون من آلاف الأنواع المختلفة من تلك الكائنات الدقيقة، والتي تُفرز بدورها ملايين المنتجات الجزيئية المختلفة. لذا فإن تحديد الجزيئات التي قد تكون مرشحةً لتصنيع عقاقير وعزل الميكروبات التي تنتجها يتطلب الكثير من الوقت لتحديدها في البداية، ثم تحديد الطريقة التي يُمكن عزل الميكروب بها –خاصةً أن معظم الميكروبات تموت إذ ما تم عزلها بشكل فردي- كما تتطلب أيضًا تفكيرًا إبداعيًّا لتحديد المركب الجزيئي الذي يُمكن عزله.

لذا عمل الباحثون في تلك الدراسة على استخدام نهج جديد يسمى بالمحاذاة أو "التعدين الجيني". يتضمن ذلك النهج النظر في مجموعات واسعة من جينات الميكروبات، ومحاولة استنتاج الجزيئات التي تنتجها تلك الجينات. لكن استخدام ذلك النهج محفوفٌ بالمخاطر؛ إذ إن عملية الاستنتاج نفسها يُمكن أن تكون خطأً، ويؤدي ذلك إلى بذل "جهد هائل على قاعدة خطأ"، على حد قول "محمياني" في تصريحاته لـ"للعلم".

للتغلب على تلك المشكلة، قام الباحثون بتصميم أداة تعمل على فحص قواعد بيانات الحمض النووي الميكروبي، وتحديد المنتجات الجزيئية التي يُمكن استخدامها عن طريق استخدام "الاستبعاد المنطقي" –وهي طريقة فيها يعمل الباحثون على استبعاد الجزيئات غير ذات الجدوى، ثم فحص الجزيئات التي يُحتمل أن تكون لها منفعة في ابتكار الأدوية.

في البداية يعمل الباحثون على تغذية الأداة بمجموعة من المعلومات الخاصة بالجزيء المراد فحصه. مثلًا، يدرج الباحثون وزن الجزيء وعائلته، تقوم الأداة بإجراء استبعاد لكل الجزيئات التي لا تتوافق مع وزن الجزيء أو نوعه، فتتبقى حزمة من الجزيئات، فيقارنها الباحثون بالطريقة التي تعمل بها الجزيئات الفعالة في المضادات الحيوية.

وبتلك الطريقة، تمكَّن الباحثون من الكشف عن سبعة جزيئات جديدة كُلِّيًّا في غضون أسبوعين فحسب، "وهي مدة قصيرة للغاية إذا ما قورنت بالسنوات التي يقضيها الباحثون في سبيل العثور على جزيء واحد بطريقة يدوية".

يأمل مؤلف الدراسة "حسين محيماني" أن تُسهم الأداة في التوصل إلى مضادات حيوية جديدة تحل محل القديمة التي تشهد مُقاومةً شرسةً من جانب البكتيريا والكائنات المُمْرِضة؛ "كي يصبح المستقبل أكثر أمنًا والمضادات الحيوية أكثر فاعليةً في عالم يفقد كل يوم خط دفاعه الأول والأخير تجاه تلك الكائنات الرهيبة.. الميكروبات".