"من دون الغابة لن نتمكن من الزراعة، من دون الغابة لن نتمكن من الأكل، من دون الغابة لن نتمكن من العيش، من دون الغابة لن نشعر بالأمان في ثقافتنا أو في لغتنا، أو حتى في أغانينا".

العبارات السابقة لم تكن سوى جزء من طقوس دينية، أداها سكان منطقة الأمازون الأصليون بحثًا عن خلاص غابات الأمازون من سلسلة الحرائق التي أصابتها منذ مطلع العام الحالي، وتسببت في موجة قلق عالمية؛ خوفًا من المخاطر التي قد تعصف بالكوكب الأزرق من جَرَّاء تمدُّد الحرائق في غاباته المدارية الأكثر كثافةً، المعروفة بـ"رئة الأرض".

تشير تقديرات "المعهد الوطني لأبحاث الفضاء" (INPE) -وهو مؤسسة أبحاث تابعة لوزارة العلوم والتقنية والابتكار البرازيلية- إلى أن عدد حرائق الغابات التي شهدتها البرازيل "وحدها" بلغ أكثر من 76 ألف حريق حتى 23 أغسطس الماضي، بزيادة قدرها أكثر من 80% مقارنةً بالفترة ذاتها من العام السابق (2018)، وأن الغالبية العظمى من هذه الحرائق كانت من نصيب غابات الأمازون، في حين سجل أكبر عدد من تعداد الحرائق النشطة في تاريخ البرازيل في عام 2010 بسبب الجفاف و"ظاهرة إلنينو"؛ إذ جرى رصد 127 ألفًا و147 حريقًا نشطًا.

يشمل حوض منطقة الأمازون أجزاءً من تسع دول، هي: بوليفيا وكولومبيا والإكوادور وغينيا الفرنسية وغيانا وبيرو وسورينام وفنزويلا، إضافةً إلى البرازيل، التي تحظى بالنصيب الأكبر من غابات الأمازون ضمن قائمة الدول التسع.

وتغطي غابات الأمازون الاستوائية المطيرة حوض تصريف نهر الأمازون وروافده في شمال قارة أمريكا الجنوبية، على مساحة قدرها ستة ملايين كيلومتر مربع، وهي مساحة توازي 6 أضعاف مساحة مصر.

وتضم غابات الأمازون حوالي 60% من إجمالي مساحة البرازيل، وتحدها مرتفعات جيانا من الشمال، وجبال الأنديز من الغرب، والهضبة البرازيلية الوسطى من الجنوب، والمحيط الأطلسي من الشرق.

وبالرغم من أن الحرائق ليست أمرًا جديدًا أو غريبًا على غابات الأمازون المطيرة؛ إذ باتت أشبه بـ"سيناريو سنوي متكرر"، لكن ما أثار الانتباه العالمي حولها هذه المرة هو ارتفاع معدلات الحريق بشكل غير مسبوق، إضافةً إلى تبادُل الاتهامات بين الجماعات المعنية بحماية البيئة والرئيس البرازيلي "جايير بولسونارو" حول مسؤولية اندلاع تلك الحرائق، في حين انضمت حكومات دول غربية كبرى مثل فرنسا إلى صف جماعات حماية البيئة، متهِّمةً السلطات البرازيلية بالكذب بشأن قدرتها على السيطرة على حرائق الغابات الضخمة، بينما علقت كلٌّ من النرويج وألمانيا إسهاماتها في صندوق الأمازون الذي يدعم مشاريع الحفظ والتنمية المستدامة في المنطقة؛ اعتراضًا على موقف الرئيس البرازيلي، الذي حوَّل الأزمة إلى "صراع سياسي".

من جهته، اتهم "بولسونارو" جماعات حماية البيئة بإشعال بعض هذه الحرائق لإحراج إدارته، وهو الأمر الذي يواجه انتقادات واسعة؛ لمساعيه في تمكين بعض الشركات العاملة في صناعات قطع الأشجار والزراعة والتعدين من دخول المنطقة والاستثمار فيها.

أما وزير البيئة البرازيلي "ريكاردو ساليس"، فألقى باللائمة على تغيُّر المناخ في إشعال حرائق الأمازون، وقال في تغريدة له على موقع "تويتر": إن "الطقس الجاف والرياح والحرارة" أهم العوامل التي سببت زيادة اشتعال الحرائق بالشكل الذي لفت انتباه العالم. 

لكن الباحثين الذين تواصلت معهم مجلة "للعلم" في البرازيل وبريطانيا يقولون إن هناك أدلةً على أن الارتفاع في نسبة الحرائق يرتبط بالتوسع الذي حدث مؤخرًا في عمليات إزالة الغابات.

معدل غير مسبوق

تقول "خدمة كوبرنيكوس لرصد الغلاف الجوي"، وهي برنامج تابع للاتحاد الأوروبي، معني بتقديم معلومات عن نوعية الهواء وتكوين الغلاف الجوي داخل أوروبا وخارجها استنادًا إلى قياسات رصد الأرض بالأقمار الاصطناعية والوسائل التقليدية: إن ثاني أكسيد الكربون الذي أطلقته الحرائق في أغسطس يُعَد الأعلى خلال شهر واحد، منذ عام 2003. كما أطلقت الحرائق مستوياتٍ مرتفعةً من غاز أول أكسيد الكربون، وأدت إلى تغطية الدخان الكثيف لمدن برازيلية كبرى مثل "ساو باولو"، التي تبعد مئات الكيلومترات عن مركز الحريق.

وتُعَد غابات الأمازون المطيرة أكثر الأنظمة البيئية غنًى وتنوعًا في العالم؛ إذ تحتوي على عدة ملايين من أنواع الحشرات والنباتات والطيور والحيوانات، وأشكال الحياة الأخرى التي لا يزال العديد منها غيرَ مُكتشَف بالكامل. كما تتخذ قرابة 400 قبيلة تضم أكثر من مليون شخص من سكان أمريكا الجنوبية الأصليين، غابات الأمازون موطنًا لهم.

توضح "كارلي ردينجتون" -الباحثة بمعهد المناخ والغلاف الجوي في جامعة ليدز البريطانية- أن "موسم الحريق في منطقة الأمازون ما زال في بدايته، وأن الحرائق ستستمر في الاشتعال حتى شهر ديسمبر القادم، وهناك توقعات بموسم جفاف طويل، ما يعني تزايُد احتمالات استمرار الحرائق مدةً أطول، مقارنة بالسنوات السابقة (على مدار موسم الجفاف بأكمله)".

تضيف "ردينجتون" -في تصريحات لـ"للعلم"- أن "البصمات البشرية واضحة في الحرائق الحالية"، لكنها تعود لتقول إنه "لا يمكن التأكد -على وجه الدقة- من السبب المباشر وراء ارتفاع معدلاتها هذا العام مقارنةً بسنوات سابقة".

تدمير متعمد

ويرى "باولو موتينو" -عالِم البيئة بمعهد بحوث البيئة في أمازون (IPAM)- في تصريحات لـ"للعلم" أن "معظم الحرائق هذا العام ليست حرائق برية، وإنما هي نتاج زيادة موجات التصحر وإزالة الغابات، خاصةً أن الناس يستخدمون النار لتنظيف المناطق التي أزيلت منها الغابات بشكل غير قانوني"، على حد قوله.

يقول "موتينو": لا يمكن إلقاء اللوم على فترة الجفاف الحالية في ارتفاع عدد الحرائق في المنطقة؛ فالجفاف ليس شديدًا هذا العام مقارنةً بالسنوات الأربع الماضية.

وفي السياق ذاته، ينفي "همبرتو بربوسا" -الباحث البرازيلي في جامعة "أريزونا" الأمريكية، والمشارك في تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ هذا العام عن الجفاف التابعة للأمم المتحدة- بشكل قاطع أن يكون لموسم الجفاف دور رئيسي في زيادة الحرائق في منطقة الأمازون هذا العام.

ويضيف "بربوسا"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن "منطقة الأمازون تعرضت لموجات جفاف أكثر عنفًا في سنوات سابقة، ومع ذلك كان عدد الحرائق وكثافتها أقل من العام الحالي، وحقيقة أن الحرائق تتركز في المناطق التي أزيلت منها الغابات حديثًا في فترة الجفاف المعتدل تدل على الطبيعة المتعمدة للحرائق، وخاصةً فيما يخص استخدام النيران لتنظيف المناطق التي أزيلت منها الغابات".

يد البشر

تلفت "ردينجتون" الانتباه إلى ما ذكرته وسائل إعلام برازيلية من أن "المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة شعروا بمزيد من الراحة لبدء الحرائق؛ لأن الحكومة لم تبذل جهودًا لمنع ذلك"، مضيفةً: "مع ذلك -وعلى حد علمي- لا يمكن التعليق على الأسباب السياسية المحتملة لزيادة إقدام هؤلاء المزارعين على حرق الغابات، لكن ما نعرفه هو أن جميع الحرائق في غابات الأمازون تقريبًا أشعلها البشر".

تضيف الباحثة أن مقدار مساحة الغابات التي أحرقتها هذه الحرائق لم يتم تقديره بعد لتجري مقارنته بآثار حرائق السنوات السابقة، بمعنى أن أحجام الحرائق تختلف اختلافًا كبيرًا، وربما يكون هناك الكثير من الحرائق الأصغر هذا العام. 

وتشير "ردينجتون" إلى أنه سيتم تقدير المساحة التي أحرقتها الحرائق باستخدام بيانات الأقمار الصناعية من قِبَل العلماء في نهاية موسم الجفاف، مشددةً على أن "هناك مؤشرًا لتقدير كثافة الحرائق وحجمها، يتمثل في معرفة مقدار إطلاق ثاني أكسيد الكربون بواسطة الحرائق، وهو ما يجري العمل على رصده حاليًّا".

ورغم أن المادة 250 من قانون العقوبات البرازيلي تَعتبِر ممارسة حرق الغابات جريمةً يمكن أن يُعاقَب مرتكبُها بالسجن من ثلاث سنوات إلى ست، بالإضافة إلى تطبيق غرامة عليه، إلا أن تجاهُل تطبيق العقوبات في الجرائم البيئية أدى إلى وضع المناطق المحمية بموجب القانون -مثل أراضي الشعوب الأصلية- والمناطق المحمية التي تستهدفها الحرائق في خطر كبير.

آثار بعيدة المدى

بالإضافة إلى الآثار البيئية السلبية للحرائق، يشعر الباحثون بالقلق أيضًا من الآثار الصحية والمناخية الناتجة عنها، فقد أسفرت إحدى الحرائق التي اندلعت في ولاية "روندونيا" عن تصاعُد أعمدة الدخان، التي انتشرت على بُعد آلاف الكيلومترات إلى "ساو باولو"، وهي المدينة البرازيلية الأكثر اكتظاظًا بالسكان.

كما أن إزالة الغابات (سواء بالقطع أو الحريق) تؤدي إلى فقدان التنوع البيولوجي بفقدان الموائل الطبيعية، وتراجُع فرص تخزين الكربون، وانخفاض معدلات هطول الأمطار، وزيادة الجفاف؛ إذ يعتمد هطول الأمطار في الأمازون على المياه التي تطلقها أشجارها عميقة الجذور، وفق "ردينجتون".

تضيف الباحثة البريطانية المتخصصة في دراسات الغلاف الجوي أنه يتم إطلاق كميات هائلة من الغازات في الغلاف الجوي من جَرَّاء الحريق، ويمكن أن يكون لهذه الغازات آثار مناخية طويلة المدى؛ بسبب غازات الدفيئة طويلة العمر مثل ثاني أكسيد الكربون، إضافةً إلى تأثيرات المناخ والطقس على المدى القصير، مثل الجزيئات والغازات التي تتفاعل مع أشعة الشمس، أو غازات الدفيئة قصيرة العمر مثل الميثان. وتتابع: كما يمكن أن يكون للجزيئات والغازات السامة الناتجة عن الاحتراق آثار ضارة على صحة الإنسان، عندما نستنشق هذه الجزيئات والغازات في رئتينا. 

أما "موتينو"، فيشدد على أن إزالة الغابات وحرقها ستؤدي إلى تقليل عدد الأشجار التي تقوم بعملية "التبخر". وبعبارة أخرى، يقول إن ذلك سيؤدي إلى انخفاض كمية المياه التي تطلقها الغابة في الغلاف الجوي، ما سيؤثر على نظام المطر في المنطقة، وما يتبعه من تأثير سلبي على الزراعة في البرازيل.

يُذكر أن الرئيس البرازيلي عقد اجتماعًا طارئًا لمجلس الوزراء في 22 أغسطس الماضي، أعلن بعده نشر القوات المسلحة البرازيلية للمساعدة في مكافحة الحرائق، ووعد في خطاب متلفز بأن تعمل حكومته "بقوة" لمكافحة الحرائق في منطقة الأمازون التي قال إنه "يحبها".

لكن وعود الرئيس البرازيلي تناقضت مع إجراءات سابقة وُصِفت بأنها "مناهضة للعلوم والبيئة"، كان آخرها عزل "ريكاردو جالفاو" -مدير المعهد الوطني البرازيلي للأبحاث والفضاء- من منصبه في أغسطس الماضي، بعد دفاعه عن النتائج العلمية التي أظهرت أن كبرى الغابات الاستوائية المطيرة في العالم تشهد زيادةً حادةً في معدلات إزالة غابات الأمازون بنسبة 15٪ من أغسطس 2018 إلى يونيو 2019، مقارنةً بالفترة ذاتها من عام 2017 وحتى 2018.