يبدو أن النماذج الرياضية للأمراض المُعدية لا تُسهم فقط في التنبؤ بأنماط انتشار المرض، ولكنها قد تساعد أيضًا في الوصول إلى المناعة المجتمعية (مناعة القطيع) بشكل أسرع وباستخدام عدد أقل من جرعات اللقاحات، وفق دراسة نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE).

تشير الدراسة -التي أجراها فريقٌ بحثي يضم باحثين من معهد بريمتر للفيزياء النظرية وعدة جامعات كندية- إلى أنه من الممكن تحديد الأشخاص الذين يؤدون دورًا أكبر في انتشار المرض واستهدافهم لتلقي اللقاح، وذلك باستخدام تطبيقات تتبُّع الاتصال القائمة على تقنية بلوتوث، القادرة على تحديد الأشخاص الذين عادةً ما يتعاملون مع عدد أكبر من الناس.

وتوضح النماذج الرياضية أن اللقاحات قد تكون أكثر فاعليةً في الحد من انتقال العدوى عندما تكون موجهةً إلى الأشخاص الذين يُسهمون بشكل أكبر في انتشار المرض، ولكن قد يكون من الصعب تحديد هؤلاء الأفراد.

يقول مارك بيني -الباحث في قسم الرياضيات التطبيقية بجامعة واترلو الكندية، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": كُنت مُهتمًّا بشكل شخصي بعمل نماذج رياضية تمثل الطرق المعقدة التي يتفاعل بها الأشخاص معًا، وتتعامل معظم نماذج الأمراض المعدية التقليدية مع البشر على أنهم مختلطون بشكل متجانس مثل الغازات، ولكن أنماط الاتصال بيننا غير متجانسة تمامًا؛ إذ لدى الأفراد العديد من الاختلافات المهمة في عدد جهات الاتصال الخاصة بهم وطبيعتها، وأردت أن أفهم بشكل أفضل كيف تؤثر هذه الاختلافات على تدخلات الصحة العامة في أثناء جائحة كوفيد-19.

استخدم الباحثون تطبيقات موجودة بالفعل وتعمل على تنبيه المستخدمين إلى احتمالية التعرُّض لفيروس كورونا، وتَستخدم هذه التطبيقات تقنية "بلوتوث" لتحديد مدة الاتصال بين أي فردين لديهم التطبيق نفسه على هواتفهم الذكية. 

تساءل الباحثون عما إذا كان من الممكن استخدام هذه التقنية أيضًا للمساعدة في تحديد الأشخاص الذين يُسهمون في انتشار الفيروس بشكل كبير، وهو الأمر المشابه لإستراتيجية اكتشاف النقاط الساخنة التي تُستخدم في إخماد حرائق الغابات عن طريق تحديد المواقع ذات الحرائق الشديدة واستهدافها.

لاستكشاف فاعلية تطبيق هذا النهج كإستراتيجية للتطعيم، استخدم الباحثون النمذجة الرياضية لمحاكاة كيفية انتشار المرض بين الأفراد، وركز الباحثون في دراستهم على سيناريو يتضمن ارتفاعًا كبيرًا في الطلب على اللقاح بينما العدد المتاح من الجرعات محدود جدًّا، وهو الواقع الذي واجهته معظم البلدان في بداية توزيع اللقاحات.

تؤكد النتائج أن نهج التلقيح القائم على تقنيات الاتصال الرقمية يمكن أن يقلل من عدد جرعات اللقاح اللازمة لتحقيق المناعة المجتمعية بنسبة تصل إلى النصف، وأنه ليس من الضروري أن يستخدم الجميع مثل هذه التطبيقات لتحسين إستراتيجيات التطعيم، إذ ضبط الباحثون بعض عمليات المحاكاة ليكون عدد الأشخاص الذين يستخدمون هذه التطبيقات قليلًا نسبيًّا -وهو الواقع في كثير من أنحاء العالم- ومع ذلك وجدوا تحسنًا في هذه الحالات أيضًا.

يقول "بيني": إذا طُبقت الإستراتيجية التي نقترحها في الحياة الواقعية، فسيختار التطبيق الأفراد الذين سيتلقون اللقاح بناءً على خوارزميات تتبُّع نشاطهم وتواصُلهم مع الآخرين؛ إذ سيتلقى هؤلاء الأفراد إشعارًا على هواتفهم الذكية بأنه قد تم اختيارهم مع رمز معين للاستجابة السريعة ليتم تقديمه في مراكز التطعيم.

ويتابع: كان هناك العديد من الأبحاث التي تدرس كيفية تطعيم الأفراد بشكل أفضل فيما سبق، ولكن أكبر قيود هذه الأبحاث هو أن مسؤولي الصحة العامة لا يعرفون أنماط التواصل لكل شخص في المجتمع، ومنحهم تلك المعلومات يُعد انتهاكًا خطيرًا للخصوصية في العديد من البلدان.

يضيف "بيني": تقلل الإستراتيجية التي يقترحها الفريق البحثي من انتشار المرض بشكل أكثر كفاءة، دون الحاجة إلى مشاركة أي معلومات اتصال شخصية مع هيئات الصحة العامة، وما يميز دراستنا هو أننا أظهرنا كيفية الاستفادة من تطبيقات تتبُّع جهات الاتصال الرقمية القائمة على البلوتوث لتنفيذ إستراتيجية التطعيم المحسَّنة عمليًّا مع احترام المعلومات الشخصية للأفراد.

ويعتقد الباحثون أن النهج المتَّبع في دراستهم يمكن أن يُطور في المستقبل من خلال دمج تأثير وجود سلالات مختلفة من الفيروس على نظام الرعاية الصحية.