ما هو التأثير الفعلي لممارسة الرياضة على القدرات الذهنية؟ سؤال أجاب عنه فريق من الباحثين الأمريكيين بعدما عكفوا على تحليل البيانات التي تضمنتها 98 دراسةً استهدفت اختبار مهارات التفكير والذاكرة لدى كبار السن الذين اعتادوا ممارسة التمرينات الرياضية مقارنةً بمجموعة أخرى ممن لم يمارسوا الرياضة قَط بشكل روتيني.

تشير الدراسة التي نشرتها دورية "كلينيكال براكتيس"، والتي تصدر عن الأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب، إلى أن الأشخاص الذين يمارسون الرياضة لمدة 52 ساعة على الأقل خلال 6 شهور بمعدل نصف ساعة في كل مرة تحسنت لديهم مهارات التفكير.

وفي المقابل، فإن مَن مارسوا الرياضة لنحو 34 ساعة فقط خلال الفترة نفسها لم يطرأ عليهم أي تغيير فيما يتعلق بقدراتهم الذهنية.

تقول "جويس جوميز أوزمان" –الأستاذ المساعد في العلاج الطبيعي وعلم الأعصاب بكلية طب "ميامي ميلر" بولاية فلوريدا الأمريكية، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النتائج التي توصلنا لها تؤكد أن ممارسة الرياضة على المدى الطويل قد تكون أمرًا أساسيًّا للحصول على تلك الفوائد".

عمل الباحثون على تحليل بيانات 98 دراسةً كانت قد أُجريت على 11 ألفًا و61 مشاركًا بلغ متوسط أعمارهم 73 عامًا، منهم 59% أصحاء، و26% يعانون من ضعف إدراكي بسيط، و15% مصابون بخرف الشيخوخة، ولم يكن 58% من إجمالي المشاركين قد مارسوا الرياضة على نحوٍ منتظم من قبل.

كما عملوا على تحليل المدة التي يُمضيها المشاركون في أداء التمرينات الرياضية وشدتها ومعدل تكرارها أسبوعيًّا وحجم النشاط البدني خلال مدة زمنية محددة.

وكانت تمرينات "الأيروبيكس" الأكثر شيوعًا بين عينة البحث، يليها المشي وأنشطة أخرى مثل ركوب الدراجات والرقص، وكذلك خليط من تمرينات "الأيروبيكس" وتمارين القوة، كما استخدمت بعض الدراسات تمارين عقلية جسدية مثل "اليوجا" أو "تاي تشي"، وهي إحدى الرياضات الروحية التي تطورت عن الفنون القتالية القديمة في آسيا.

وبعد تحليل البيانات، تَبيَّن أن الأصحاء، وكذلك مَن يعانون ضعفًا إدراكيًّا بسيطًا، تحسنت لديهم قدرة المخ على معالجة الأمور وإنجاز المهمات الذهنية بسرعة، وذلك بعد ممارسة الرياضة 52 ساعةً على مدى 6 أشهر.

وبالنسبة للأصحاء، فقد تحسنت لديهم مهارات الأداء التنفيذي والقدرة على إدارة الوقت والتركيز وتحقيق الهدف، في حين استفاد من الرياضة مَن يعانون من خرف الشيخوخة، وتمكنوا من أداء المهمات الذهنية على نحوٍ أسرع.

ترى "أوزمان" أن البحث يؤكد أن ممارسةَ الرياضة والتخلي عن نمط الحياة الخامل، أحد أسباب تحسُّن مهارات التفكير، وأن الدراسات المستقبلية يجب أن تكشف القدرات الذهنية الأكثر تأثرًا بالرياضة وآثارها على المدى القصير والطويل بالنسبة للرياضيين، وكذلك مَن لا يهتمون بالنشاط البدني.

ويضيف أن "الدراسة ركزت على استمرارية التحسُّن في مهارات التفكير وليس مقداره؛ وذلك نتيجة لوجود تنوُّع كبير في نتائج الدراسات التي شملها التحليل وعددها 98 دراسة".

واستخدم الباحثون التحليل البعدي، الذي يعتمد على تجميع نتائج الدراسات المختلفة من خلال أساليب إحصائية للإجابة على فاعلية التحسن. كما اتبعوا المراجعات المنهجية لتقييم الضعف الإدراكي، إذ تتبع المراجعات المنهجية أسلوبًا صارمًا في اختيار الدراسات، ما ساعد على توصيف كم النشاط البدني وتقدير علاقته إحصائيًّا بالتحسُّن الإدراكي، وتقييم مدى استدامة وثبات النتائج التي تحققت بالنسبة للقدرات الذهنية، وفق ما تقوله "أوزمان".