من بين جميع الأجناس البشرية التي عاشت في أي وقت مضى، لم يَغزُ الكوكبَ بأسره إلا جنس واحد، هو الإنسان العاقل Homo sapiens. فجنس أوسترالوبيثيسين Australopithecines الشبيه بالقردة (مثل لوسي وأمثالها) لم يغامر بالخروج من أفريقيا قط. أما جنس نياندرتال Neandertals فلم يغامروا بدخولها مطلقًا. وانتشر الإنسان المنتصب Homo erectus مستوطنًا قسمًا كبيرًا من العالم القديم. ولكنه، وفق ما هو معروف، لم يصل قَط إلى أستراليا أو العالم الجديد. أما جنسنا البشري فقد ذهب إلى كل مكان. لطالما تساءل الباحثون، متى بدأ أسلافنا في الانتشار عبر الأرض؟ وكيف فعلوا ذلك؟

 في ورقة علمية منشورة في عدد 26 يناير من مجلة ساينس Science، يقدم الباحثون معلومات عن حفرية عُثِر عليها في كهف بإسرائيل، إذ يقولون إنها تسبق أقدم ظهور معروف لجنسنا خارج أفريقيا بعشرات الآلاف من السنين. هذا الاكتشاف يمكن أن يُثري مجموعةً متزايدةً من الأدلة التي تُعيد كتابة أصل الإنسان العاقل وتطوره. إلا أن النقاد يحذرون من أن مُطابَقة الحفرية تقوم على أدلة ضعيفة، وأن الآثار المترتبة على الكشف -من ناحية فهم نشأة جنسنا- محدودة.

 منذ عقد مضى، تضمنت النظرية الرائدة في تفسير أصول الإنسان الحديث أن جنسنا نشأ منذ نحو 200,000 سنة في شرق أفريقيا، ولم يبدأ في الانتشار من أفريقيا انتشارًا كبيرًا قبل نحو 60,000 سنة (باستثناء مغامرات قصيرة إلى إسرائيل قبل حوالي 90,000 إلى 200,000 سنة). وعندما بدأوا أخيرًا في الانتشار في أرجاء الأرض، وفقًا لهذا النموذج، حلوا محل الأنواع البشرية القديمة التي صادفوها على طول الطريق، وضمنها جنس نياندرتال، دون التزاوُج معها.

 إلا أن موجةً من الاكتشافات في الأعوام الأخيرة قد اضطرت العلماء إلى إعادة التفكير في هذا التصور. ففي العام الماضي، أفاد باحثون أن حفريةً لإنسان عاقل عُثِر عليها في موقع بالمغرب يُدعى جبل إرهود، تعود إلى أكثر من 300,000 سنة مضت، عائدين بأصل نوعنا البشري إلى الوراء بأكثر من 100,000 سنة، وناقلين بؤرة الاهتمام من شرقِيِّ أفريقيا إلى شمالِيِّها. وتشير اكتشافات أخرى إلى أن جنسنا البشري بدأ في استعمار بقاع نائية منذ ما يربو على 60,000 سنة، وصولًا إلى الصين ربما بنحو 120,000 سنة مضت، وإندونيسيا منذ وقت مبكر يرجع إلى 73,000 سنة مضت، وأستراليا قبل 65,000 سنة. علاوةً على ذلك، فإن الباحثين الذين يدرسون الحمض النووي DNA المستخرج من الحفريات دللوا على أنه بدخول الإنسان العاقل إلى أراضٍ جديدة، فإنه في واقع الأمر قد تزاوج مع أجناس بشرية قديمة صادفها في طريقه، تتضمن جنس نياندرتال وجنس إنسان دينيسوفا الغامض.

إن الحفرية الجديدة -وهي عبارة عن قطعة من فك علوي بها عدة أسنان، عُثر عليها في كهف ميسليا الواقع على المنحدرات الغربية لجبل الكرمل في إسرائيل- تضفي تغييرًا آخر على القصة. أرجع الباحث إسرائيل هيرشكوفيتز من جامعة تل أبيب وزملاؤه تاريخ تلك الحفرية إلى ما بين 177,000 و194,000 سنة مضت، وذلك باستخدام ثلاث وسائل مستقلة. وعندما قارنوا التفاصيل التشريحية لعينة ميسليا بتفاصيل الحفريات الخاصة بالإنسان الحديث وأقاربه، صُنِّفَت عظام الفك تصنيفًا وثيقًا للغاية ضمن تصنيف الإنسان العاقل. وبأخذ هذه النتائج مجتمعةً في الاعتبار، فإنها تُرْجِع أقدم ظهور معروف لجنسنا البشري خارج أفريقيا زمنيًّا إلى الوراء بأكثر من 50,000 سنة، وفق ما ذهب إليه واضعو الورقة العلمية.

 تقول الباحثة في مجال علم دراسة مستحاثات أسلاف البشر، والخبيرة في دراسة أسنان الإنسان القديم، شارا بايلي، من جامعة نيويورك، التي لم تكن ضمن فريق دراسة كهف ميسليا الجديدة: "من المثير أن نعثر على حفريات للإنسان العاقل خارج أفريقيا يعود تاريخها إلى هذا الوقت المبكر". ولكنها تحذر من أن مسالة انتماء الحفرية إلى جنس الإنسان العاقل تستند إلى أدلة هزيلة. فمع أنها تتوافق مع الإنسان العاقل أكثر من توافقها مع الأجناس الأخرى في التحليل المقارن الذي أجراه الباحثون، إلا أنها عظمة واحدة مجزأة فقط. وترى بايلي أنه مما يبعث على الدهشة أن الأسنان تبدو حديثةً مقارنةً بعمرها. ومن ثَم فإن الهيئة التي كان عليها بقية جسم هذا الشخص هو أمر لا يعلمه أحد. وتشير بايلي إلى أن الاكتشافات الحديثة لحفريات بشرية أكثر اكتمالًا في جنوب أفريقيا، تمثل أعضاءً لم يكونوا معروفين من قبل من العائلة البشرية -وهم جنس أوسترالوبيثيكوس سيديبا Australopithecus sediba والهومو ناليدي Homo naledi- تُظهر أن التطور قد جمع بين الصفات الحديثة والقديمة بطرق غير متوقعة في الماضي. إذ لو كان الباحثون قد استرجعوا عظمةً واحدةً من أيٍّ من تلك الأجناس، فلربما كانوا قد توصلوا إلى استنتاج مختلف تمامًا عن هوية صاحبها. وتقول بايلي إنه رغم ذلك فالأدلة المتاحة (كما هي) تشير بالفعل إلى أن فك ميسليا يعود إلى أحد أفراد الإنسان العاقل، والتي تتسق اتساقًا جيدًا مع الاكتشافات الأخيرة في المغرب التي تتراجع بأصل جنسنا البشري زمنيًّا إلى الوراء. في السابق، كان العلماء يخمِّنون أن التأخير الطويل الظاهر بين نشأة الإنسان العاقل وبداية انتشاره حول العالم ربما كانت له علاقة بالظروف المناخية والبيئية. فإذا كان الجنس العاقل قد نشأ في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى قبل حوالي 200,000 سنة كما كان يُعتقد، فربما كانت الصحراء الكبرى شديدة الجفاف حاجزًا منيعًا أمام الهجرة من موطن المنشأ. أما "إذا كان الإنسان العاقل في شمال أفريقيا قبل 300,000 سنة، فلا شيء يمنعه من المغادرة" وفق قول بايلي.

 قد يشير اكتشاف ميسليا أيضًا إلى أن تقدمًا تقنيًّا معينًا ساعد في دفع مسيرتنا نحو الهيمنة على العالم. لوقت طويل، اعتبر علماء الآثار أن ظهور طريقة لوفالوا لصنع الأدوات الحجرية -وهي استراتيجية للحصول على شرائح عريضة ورفيعة وحادة من كتلة من الحجر تُسمى اللُّب – يُعَد تطورًا كبيرًا في عصور ما قبل التاريخ البشري. ولم يكن واضحًا أي الأجناس البشرية اخترع هذه الاستراتيجية؛ إذ ظهرت أدوات لوفالوا بين حفريات جنس نياندرتال وأجناس أخرى منقرضة، بالإضافة إلى الإنسان الحديث المبكر. إن اكتشاف أدوات لوفالوا مع كلٍّ من أقدم أفراد الإنسان العاقل المعروفين، في جبل إرهود، وأقدم أفراد الإنسان العاقل خارج أفريقيا، في ميسليا، يمكن أن يُؤخذ على أنه إشارة إلى أن أدوات لوفالوا اختُرِعت على يد الإنسان الحديث، وأنها ربما سهلت انتشار الإنسان العاقل خارج أفريقيا.

  لكن لم يقتنع الجميع بتلك الحُجة. يشير عالِم الآثار جون شيا من جامعة ستوني بروك، الذي لم يكن ضمن العاملين على الدراسة الجديدة، إلى أن أدوات شبيهة بأدوات لوفالوا الحجرية عُثِر عليها في مواقع في أفريقيا تعود إلى 500,000 سنة مضت، ومواقع في أرمينيا تعود إلى أكثر من 300,000 سنة، وذلك قبل التاريخ المُدْرَج لظهور الإنسان العاقل على الساحة بمدة طويلة. ويقول "شيا" إنه إذا كانت تقنية لوفالوا حدثًا غيَّر قواعد اللعبة في حالة الإنسان العاقل، فلا بد وأنها غيرت قواعد اللعبة فيما يتعلق بالأجناس البشرية الأخرى أيضًا. "فلِمَ لَم تساعد أدوات لوفالوا جنس نياندرتال في الوصول إلى أفريقيا؟"، فما ينفع أحد الأجناس البشرية من شأنه أن ينفع الأجناس المماثلة".

 لم يُعرَف بعدُ إذا كان وجود الإنسان العاقل في ميسليا يمثل خطوةً أوليةً باءت بالفشل للخروج من أفريقيا، أم كان جزءًا من موجة هجرة أكبر حملت أسلافنا إلى أجزاء مجهولة. أو ربما كان وجودهم هناك شيئًا معتادًا.

يشير "شيا" إلى أنه من المنظور المناخي والبيئي فإن إسرائيل وجيرانها هم في الأساس جزءٌ من أفريقيا، وتسكنها أنواع الحيوانات نفسها تقريبًا. ربما نشأ الإنسان العاقل من أسلاف الجماعات البشرية التي استوطنت تلك المنطقة الشاسعة التي تشمل أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. ويقول شيا: "يمكنك أن تسير من أفريقيا إلى ميسليا. إنها مسيرة تستغرق حوالي أسبوعين".