منذ مدة طويلة، والعلماء يشعرون بالحيرة إزاء الأسباب الجذرية لمرض ألزهايمر، وهي حالة مرضية مدمرة وقاتلة تحرم أكثر من 5 ملايين أميركي حاليًّا من الإدراك والذاكرة.

ولكن في افتتاحية مستفزة في دورية مرض ألزهايمر Journal of Alzheimer’s Disease، ذكر فريق من العلماء أن سبب هذا المرض المعقد قد يكون بسيطًا للغاية: ميكروبات دقيقة تصيب الدماغ.

هذا الرأي المثير للجدل، والذي لا يُعَد جديدًا، قد تعرض للرفض مدةً طويلة لشدة غرابته، لكن مجموعة متزايدة من البحوث تشير إلى أنه قد يكون من المفيد النظر في هذا السبب ودراسته.

وإذا استطاع الباحثون إثبات هذه النظرية، والتوصل إلى الكثير من التفاصيل التي كثر الجدل حولها، وهي مهمة صعبة للغاية بقدر صعوبة دراسة التهابات الدماغ، فمن الممكن أن يتوصلوا إلى طريقة للوقاية من مرض ألزهايمر.

تذكر افتتاحية الدراسة، التي وقع عليها 31 عالمًا من أنحاء شتى بالعالم، أن بعض الأفراد المعرضين للمرض، مثل أولئك الذين يحملون الجين المغاير APOE ε4، وهو عامل خطر معروف لمرض ألزهايمر، يمكن أن تصيب أدمغتَهم خلال الشيخوخة عدوى ميكروبية معروفة تسبب أضرارًا مدمرة، من تلك الميكروبات فيروس الهربس البسيط، وهو فيروس واسع الانتشار ويسبب القرح الباردة، وكذلك البكتيريا المتدثرة الرئوية المسببة للالتهاب الرئوي، وبكتيريا البوريليا البرجدورفيرية المسببة لداء لايم.

هذه الفكرة المثيرة للجدل تناقض النظرية المعروفة منذ وقت طويل، والتي تفترض أن بروتينات الأميلويد-بيتا وتكتلات تاو، والتي تتراكم داخل أدمغة المصابين بمرض ألزهايمر، هما الدافع الرئيسي لموت الخلايا التي يسببها المرض. بدلاً من ذلك، يفترض أنصار فرضية العامل المُمرِض، كما يُطلَق عليها، إما أن مسببات الأمراض تحفز خلايا الدماغ لإنتاج بروتينات الأميلويد وتكتلات تاو، أو أن الخلايا العصبية، التي تضررت بفعل العدوى، تعمل على إنتاجهما كجزء من الاستجابة المناعية. يقول براين بالين، المؤلف المشارك في التحرير، وهو مدير مركز الاضطرابات المزمنة للشيخوخة في كلية الطب التقويمي في فيلادلفيا: "نحن نعتقد أن قصة الأميلويد تدخل ضمن اللعبة، ولكنها مرحلة ثانوية للالتهاب الأولي".

ويشير منتقدو نظرية العامل المُمرِض إلى أن معظم البحوث الداعمة للنظرية، والتي أُجريت على البشر، لا تحدد سبب المرض ولا تأثيره.

في دراسة نُشرت في دورية لانسيت عام 1997، ذكر فريق بحثي بقيادة روث إيتزاكي -المتخصصة في البيولوجيا العصبية الجزيئية في جامعة مانشستر في إنجلترا، وأحد المؤلفين المشاركين في الافتتاحية- أن المرضى المصابة أدمغتهم بفيروس الهربس البسيط،، والذين لديهم أيضًا الجين المغاير APOE ε4، كانوا أكثر عرضة (بمقدار 12 مرة) للإصابة بمرض ألزهايمر، مقارنة بالمصابين بالعدوى الفيروسية فقط أو يحملون الجين المغاير فقط.

وتشير إحدى الفرضيات إلى أن الجين المغاير APOE ε4 يجعل من السهل على فيروس الهربس البسيط إصابة خلايا المخ، ولكن –كما يقول المنتقدون- من الممكن أن يكون الجين المغاير والإصابة بالعدوى الفيروسية يرتبطان بمرض ألزهايمر بطرق لا تجعلهما سببًا في الإصابة به.

وحاول العلماء التوصل إلى آلية تلك العلاقة باستخدام التجارب على الحيوانات، فعلى سبيل المثال، وجد الباحثون في إسبانيا أن الفئران التي أصيبت أدمغتها بعدوى فيروس الهربس البسيط، وكان لديها الجين المغاير APOE ε4، قد أنتجت 14 ضعفًا من الحمض النووي الفيروسي، مقارنة بالفئران التي أصيبت بالفيروس ولم يكن لديها الجين المغاير. ووجد فريق إيتزاكي أن أدمغة الفئران المصابة بفيروس الهربس البسيط قد راكمت لويحات الأميلويد (اللوحات النشوانية)، غير أنه جرى انتقاد تلك الدراسات أيضًا؛ لأن ما يحدث لأدمغة الفئران قد لا يحدث للبشر.

يُعَد إثبات هذه النظرية في غاية الصعوبة، فمن جانب يعد من المستحيل الكشف عن عدوى مثل فيروس الهربس البسيط في أدمغة البشر الأحياء، ولكن يمكن التأكد من وجود الفيروسات في أدمغتهم بعد الوفاة فقط. وكما يقول ديفيد ريلمان، خبير الأمراض المعدية في جامعة ستانفورد، فإن "إثبات العلاقة السببية هو قضية رئيسية، وحرجة، ومعقدة للغاية"، وتوافقه إيتزاكى هذا الرأي، وتشير إلى أنه لا يمكن لأحد أن يحقن الناس بالفيروس، ثم ينتظر لمعرفة ما إذا كانوا سيصابون بمرض ألزهايمر أم لا. (فكما يقال، لم يجد عالم الأحياء المجهرية الأسترالي باري مارشال وسيلة لإقناع المشككين بدور البكتيريا الملوية البوابية Heliobactor pylori في الإصابة بقرحة المعدة سوى إصابة نفسه بها في النهاية).

وتقول إيتزاكى إن أحد الحلول المحتملة هو إجراء تجارب سريرية تقيِّم حالة المرضى المصابين بفيروس الهربس مع مرض ألزهايمر المعتدل والجين المغاير APOE ε4، ومدى تحسنهم بعد علاجهم بالأدوية المضادة للفيروسات. فلقد أظهرت التجارب المعملية بالفعل أن هذه الأدوية تثبط إنتاج ترسبات الأميلويد في الخلايا المصابة بفيروس الهربس، لكنها تقدمت بطلب للحصول على تمويل للدراسة على البشر عدة مرات، ولكن لم تتلقَّ الموافقة على طلبها حتى الآن.

ويوافق رودولف تانزي -متخصص الأعصاب في جامعة هارفارد، ومدير وحدة الوراثة وبحوث الشيخوخة في مستشفى ماساتشوستس العام- على أنه من المرجح أن تلعب الميكروبات دورًا في مرض ألزهايمر، ولكن عمله يشير إلى أن استجابة الدماغ للعدوى أكثر خطورة من الإصابة نفسها. فكما يشير: "نحن بحاجة إلى أن نأخذ دور الميكروبات في الدماغ على محمل الجد، مما يعني الانخراط أكثر في الأمر بدلًا من القول البسيط بأن العدوى تسبب الإصابة بمرض ألزهايمر". (لم يشارك تانزي في الافتتاحية).

في دراسة تعود إلى عام 2010، ذكر تانزي وزملاؤه أن بروتين الأميلويد يمنع بقوة نمو الميكروبات في الدماغ، مما يدل على تراكمه كرد فعل وقائي لحدوث العدوى. وكما يوضح تانزي: "فقد كشفت متابعتهم على مدى السنوات الخمس التالية لورقتهم البحثية، أن البيتا أميلويد يحمي من العدوى بشكل فعال في جميع نماذج مرض ألزهايمر التي جرى اختبارها، بدءًا من الخلايا إلى الذباب إلى ديدان التربة والفئران". فكما يقول، فإن مجرد وجود عدد قليل من الميكروبات في الدماغ يحفز تراكم البيتا أميلويد.

تحفز العدوى الاستجابات المناعية القوية، ومن المرجح أن هذا يجعل المشكلة تتفاقم. عادةً، تقوم خلايا المخ المناعية، والتي تُعرَف بالخلايا الدبقية، بتطهير المخ من بروتينات الأميلويد. لكن تلك الخلايا عندما تنطلق استجابةً لحدوث العدوى، تتوقف، مما يتسبب في تراكم البروتينات بشكل أسرع. وكما أوضح فريق تانزي، في ورقة بحثية نشرتها دورية نيتشر في 2014، فإن بروتينات الأميلويد التي تملأ الدماغ تفجر تخليق تكتلات تاو، التي تتسبب في موت المزيد من خلايا الدماغ. وكما يقول تانزي: "حينها، يكتمل لدى المريض نِصاب المرض". (سينتفك أمريكان هي جزء من سبرينجر نيتشر).

وكما يذكر تانزي، فإنه بالنسبة لمسببات الأمراض التي قد تكون مثيرة ومحفزة، فإن فيروس الهربس هو المنافس بقوة، لكن من السابق لأوانه معرفة ذلك على وجه التأكيد، ويضيف: "أعتقد أنه يجب علينا أن نعود للوراء بضع خطوات ونتساءل: ما أنواع البكتيريا والفيروسات والفطريات التي تتراكم داخل أدمغتنا مع تقدمنا في العمر؟ ولا بد من دراسة ذلك بطريقة منهجية غير متحيزة، وبلا يقين مسبق". ووفقًا لتانزي فإنه يقود تحالفًا بتمويل من الصندوق غير الربحي لعلاج ألزهايمر، من أجل رسم خريطة لميكروبيوم الدماغ البشري، وحالما يتم تحديد الميكروبات المهمة ضمنيًّا، قد يصبح من الممكن تطوير تقنيات للتصوير العصبي لتعقبها في أدمغة الأحياء. ومع ذلك، لا يزال علماء ألزهايمر آخرين غير مقتنعين.

ووفقًا لتصريحه لمجلة سينتفك أمريكان، يذكر ديفيد هولتزمان -رئيس قسم علم الأعصاب في كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس، والمدير المساعد لمركز "نايت" لأبحاث علاج ألزهايمر- أنه على الرغم من وجود ما يبرر إجراء المزيد من البحوث حول هذه الفكرة، إلا أنه "لا أدلة واضحة أو قاطعة حول وجود أو كيفية تأثير الأنواع المختلفة للعدوى على خطر الإصابة بمرض ألزهايمر".

يذكر تانزي أنه عندما يقدم استنتاجاته وأفكاره في الاجتماعات العلمية، تكون ردود الأفعال مختلطة في الواقع. أحد التعليقات، التي كثيرًا ما تسمعها إيتزاكي، هو أن فيروس الهربس لا يمكن أن يسبب مرض ألزهايمر إذا كان موجودًا أيضًا، كما هو، في أدمغة الأصحاء من كبار السن. لكنها تشير إلى أن مسببات المرض الأخرى، بما فيها السل، تسبب الأعراض فقط في مجموعة فرعية من الأفراد المعرضين للخطر كذلك.

إذا ما تبين أن الميكروبات سبب محتمل للإصابة بألزهايمر –وهذا لا يزال يشكل نقطة تشكك كبيرة لمعظم المتخصصين في هذا المجال، فإن التداعيات ستكون ضخمة: فقد يكون ممكنًا التطعيم ضد هذا المرض المدمر عن طريق التطعيم ضد العدوى المرضية التي تسببه.

على أقل تقدير، قد يتمكن الأطباء من علاج العدوى باستخدام الأدوية المضادة للميكروبات قبل أن تضر الدماغ، لكن بناء ما يكفي من الأدلة لإثبات هذه النظرية قد يستغرق عقودًا. من التحديات الأخرى التي تواجه الباحثين، صعوبات التمويل، فكما تقول إيتزاكي: "على مدى سنوات عملي، التي تتراوح من 20 إلى 25 سنة، لم تفارق المتاعب فريقنا طوال الوقت؛ فقد كنا نعمل دائمًا بميزانية محدودة".

لكن بالنظر إلى مئات التجارب السريرية لأدوية ألزهايمر، والتي فشلت بسبب العقيدة السائدة، يؤمن العاملون على النسخ المختلفة من نظرية العوامل الممرضة بأن الأمر يستحق المضي قدمًا فيه. أكثر من أي شيء آخر، فإنهم يأملون أن تشجع أطروحتهم المشككين على النظر في إمكانية أداء الميكروبات دورًا في مرض ألزهايمر، وتدعم رغبتهم في دراسته بشكل أكبر. وكما يقول بالين: "نحن نقول: ’فلينتظر الناس دقيقة- لدينا مجموعة من الأدلة، هي ثمرة عشرات السنين من العمل، يجب ألا يكون حظها التجاهل‘".