تزايدت درجات الحرارة في أنحاء الكرة الأرضية كافة على نحوٍ مُطَّرِد خلال العقود الأخيرة؛ بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري، ما يحتاج إلى رفع القدرات المستخدمة في أجهزة التبريد المعتمدة على الكهرباء، فيتسبب ذلك بدوره في انبعاث غازات تؤدي إلى زيادة أثر هذه الظاهرة. دائرة مُغلقة يدور فيها سكان الكوكب الأزرق.

طيلة السنوات الماضية، يحاول العلماء إيجاد وسائل من شأنها أن تحد من الانبعاثات المُسببة للاحتباس الحراري، غير أن هناك العديد من المعوِّقات التي تحول دون تحقيق هذا الهدف، وأبرزها الحاجة إلى تبريد وتكييف أماكن العمل والمعيشة.

تستهلك أجهزة التبريد والتكييف نحو 17% من القدرات الكهربائية التي يولِّدها العالم، مُطلِقًا في غلافنا الجوي ما نسبته 10% من الغازات المُسببة للاحتباس الحراري، ولم يُكن هناك أفكار لتخفيض استهلاك مُعدات التبريد والتكييف، غير أن المستقبل قد يحمل للبشرية خبرًا سارًّا.

فقد تمكن فريق بحثي يعمل في جامعة ستانفورد الأمريكية من ابتكار نظام تبريد جديد، يمكنه خفض درجات الحرارة وتوفير الكهرباء المستخدمة في التبريد بنسبة تصل إلى نحو 50%.

يُشبه النظام الجديد إلى حدٍّ بعيد مبادل السيارة الحراري، الذي يعمل في دائرة مغلقة، يضخ خلالها المياه عبر مضخة إلى محرك السيارة الذي ترتفع درجة حرارته عن درجة حرارة الوسط المحيط بكثير، تدور المياه لتبريد المحرك، ثم تعود إلى المبادل الحراري، الذي يعمل على تبريدها عبر استخدام الهواء، فتنخفض درجة حرارتها وتعود مرةً أخرى للمحرك، وهكذا دواليك.

ووفق الورقة البحثية المنشورة في مجلة نيتشر إنيرجي مطلع الشهر الحالي، يتكون النظام من مجموعة من القنوات تتدفق داخلها مياه فاترة، تلك القنوات مرتبطة بنظام التبريد المركزي المُخصص للمباني. تدور المياه في دائرة مغلقة داخل الغرف المستهدف تبريدها، بحيث تمتص درجة الحرارة، ثم تصعد –داخل القنوات- إلى سطح المبنى، وتشع درجة الحرارة إلى الهواء المحيط الخارجي. وبالاستفادة من برودة السماء أو الفضاء المحيط، يجري تبريد المياه مرةً أخرى لتعود ثانيةً إلى المناطق المستهدف تبريدها.

كفاءة أنظمة التبريد

تقول الدراسة إن نمو الطلب على التبريد سيتضاعف بمقدار 10 مرات بحلول 2050، وبالتالي فإن تحسين كفاءة أنظمة التبريد جزء بالغ الأهمية من تحديات الطاقة في القرن الحادي والعشرين، وتشير إلى أن ضخ المياه بمعدل تدفق 0.2 متر مكعب لكل ثانية يستطيع خفض درجة الحرارة بنحو من 3 إلى 5 درجات مئوية كاملة عن درجة حرارة الهواء المحيط على مدى ثلاثة أيام.

طبق الباحثون بيانات من هذه التجربة لمعرفة ما إذا كانت لوحاتهم التي تغطي سقف أحد المباني التجارية في لاس فيغاس -وهو موقع حار وجاف حيث تعمل لوحاتهم على أكمل وجه- وأسهمت في نظام التبريد. وقد قاموا بحساب كمية الكهرباء التي يمكنهم توفيرها إذا استخدموا هذا النظام بدلًا من أجهزة التكييف التقليدية، مستخدمين في ذلك نظامًا لضغط البخار مع مكثف يبرد بواسطته ألواح التبريد الخاصة بالنظام الجديد. ووجد الباحثون أنه في أشهر الصيف، سيوفر نظام تبريد الألواح 14.3 ميغاواط ساعة من الكهرباء، وهو ما يمثل انخفاضًا بنسبة 21 في المئة في الكهرباء المستخدمة لتبريد المبنى. وخلال الفترة بأكملها، تذبذبت وفورات الكهرباء اليومية من 18 في المئة إلى 50 في المئة.

يقول شانهوي فان -أستاذ الهندسة الكهربائية في جامعة ستانفورد، والباحث الرئيسي للدراسة-: إن مبدأ عمل الابتكار الجديد "بسيط للغاية"، وفق وصفه، فإذا كان لدينا شيء بارد جدًّا –كالفضاء- فيمكننا تبديد الحرارة الزائدة فيه عبر الإشعاع، دون استخدام أي قدر من الكهرباء، "فقط، تتدفق الحرارة إلى الكون المحيط"، وفق تصريح له نقله موقع تِك إكسبلور.

فكرة التبريد عبر استخدام السماء -أو ما يُعرف باسم «التبريد السمائي Sky Cooling»- كوسط يُضخ خلاله الحرارة قديمة، ففي عام 2014 استخد فريق بحثي أنابيب قطرها 8 مليمترات لخفض درجة حرارة الأبنية، غير أن عائقًا رئيسيًّا واجه الفريق، فتبريد السوائل بشكل سلبي يحتاج إلى سماء خالية من السحب، على أن تُجرى عمليات التبريد في أثناء غروب الشمس، التي يتسبب وجودها في كبد السماء في رفع درجة حرارة الأنابيب والقنوات التي تجري فيها المياه، وبالتالي ترتفع درجة حرارة المياه داخل الأنابيب وتفقد قدرتها على التبريد.. فماذا فعل الفريق البحثي القادم من ستانفورد لحل تلك المشكلة؟

قام الفريق البحثي بتغطية الأنابيب والقنوات بأفلام ضوئية مصنوعة من مادة البولي إيثلين متعددة الطبقات، تستطيع عكس 97% من أشعة الشمس، وفي الوقت نفسه، تستطيع امتصاص الحرارة المنبعثة من الأنابيب وضخها للفضاء، الأمر الذي يرفع من كفاءة عملية الإشعاع. نجحت التقنية الجديدة في التبريد حتى في الأيام المشمسة.

ومن المعروف أن الحرارة تنتقل عبر 3 وسائل، التوصيل والحمل والإشعاع. تعتمد الطريقة الأولى على وجود تماس بين جسمين مختلفين في درجة الحرارة، يفقد خلالها الجسم الأعلى درجات حرارته لصالح الجسم الآخر المنخفضة حرارته؛ حتى يحدث التعادل الحراري، فيما تعتمد الثانية –الحمل- على وجود مائع كالماء مثلاً، تقوم جزيئاته بحمل درجات الحرارة العالية للأماكن منخفضة الحرارة، أما الطريقة الثالثة –وهي الطريقة التي تستخدمها تلك التقنية- فتعتمد على نقل الطاقة المنبعثة من المادة إلى الفراغ المحيط بها، بسرعة الضوء، وفي خطوط مستقيمة، تضمن عملية انتقال الحرارة بسهولة ويُسر.

نموذج تطبيقي

لم يقتصر جهد الباحثين على كتابة الورقة العلمية فحسب، بل نفذوا بالفعل نظامًا للتبريد فوق مبنى تابع للجامعة بالإضافة إلى سطح مبنى تجاري آخر مكون من طابقين في مدينة لاس فيجاس الأمريكية –وهي مدينة تتميز بجوها الحار والجاف، حيث تمكنوا من خفض الحاجة إلى الكهرباء اللازمة لتبريد المبنيين بنسبة من 18 إلى 50%.

الدكتور محمد حسن -أستاذ الطاقات المتجددة في كلية الهندسة، جامعة حلوان- يرى أن الطريقة الجديدة "واعدة"، وقد تسهم في الحد من استخدام القدرات الكهربائية المستخدمة في التبريد، إلا أنه يعود ويؤكد –في تصريحات خاصة لـ«للعلم»- أن النظام باهظ التكلفة، "نحن هنا نتحدث عن نظام نقل ميكانيكي مكون من مضخة وأنابيب وأفلام حساسة للضوء ومياه مُقطرة، هذا النظام سيتكلف أموالاً طائلة"، يقول حسن، مشيرًا إلى أن الفائدة الحقيقية للنظام حال تطبيقه على نطاق واسع هي "خفض الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري"، وهي فائدة يراها أستاذ الطاقات المتجددة "عادلة أمام تكلفة الابتكار الجديد".